Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 
قراءة في منهاج البارتي

بير رستم

- المقدمة -
إننا أكدنا في مقالنا السابق على نقطة، نعتقد أنها مهمة، وذلك من أجل توحيد الحركة السياسية الكوردية وبالتالي توحيد الجهود والكلمة، وها نحن نعود إليها وبشيء من التفصيل وذلك من خلال سلسلة المقالات والتي سوف نكرسها لقراءة المنهاج والخطاب السياسي لدى فصيل كوردي، نعتقد أنه يمثل التيار أو الخط الوسط في الساحة السياسية الكوردية، وسوف نحاول أن نكون موضوعيين وواقعيين في قراءتنا هذه حتى لا نتهم من هذه الجهة أو تلك بالانحياز أو الموالاة. ومن جهة أخرى لكي نساهم، وحسب إمكانياتنا وقدراتنا المعرفية الفكرية في تطوير هذه البرامج السياسية للحركة الكوردية في هذا الجزء من الجغرافية الكوردستانية.
ولكن لماذا البارتي ومنهاجه تحديداً هو الذي تناولناه دون غيره من الأحزاب والفصائل والقوى السياسية الكوردية. إننا سنحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال مجموعة هذه القضايا والنقاط التالية والتي أكدنا عليها في إحدى مقالاتنا السابقة؛ فمن الناحية التاريخية والسيكولوجية وما يحمله أسم البارتي من معاني وإثارته للعواطف والأحاسيس عند أبناء الشعب الكوردي من جهة ومن الجهة الأخرى، إن الظروف المستجدة على الساحة السياسية الإقليمية والدولية وما تلعبه إقليم كوردستان العراق من دور وبالتالي دعم ومساندة الحزب الديموقراطي الكوردستاني لهذا الفصيل؛ البارتي كونه يلتزم بالنهج والخط البارزاني، بالإضافة إلى ما أوردناه في الفقرة السابقة؛ بأن سياسة البارتي يمثل التيار أو الخط الوسط في الساحة السياسية الكوردية، يعطي المؤشرات الأولية بما سوف يلعبه هذا الطرف من دور مهم في هذه الساحة وبالتالي جعلنا نتناول برنامجه من بين كل لبرامج بالدرس والتحليل.
وهكذا وبالعودة إلى مقدمة منهاج الحزب وبقراءة متأنية له سوف نلاحظ مجموعة نقاط هي مثار البحث والجدل بل إنها تثير بعض النقاط الإشكالية الخلافية؛ كونها ومن وجهة نظرنا لا تنسجم مع روح العصر وما أفرزتها من متغيرات جيوسياسية، إن كانت على صعيد المنطقة أو العالم برمته. ومن هذه النقاط المثيرة للجدل وحتى الاختلاف – أو على الأقل أبرزها – ما يلي:
أولاً: مسألة الأخوة والتعايش بين الشعبين العربي والكوردي؛ حيث يأتي في المقدمة؛ مقدمة المنهاج ".. ومن خلال النضال المشترك ضد الغزاة المحتلين توثقت عرى التعاون بين شعوب المنطقة وخاصة بين الشعبين العربي والكردي حيث أخذت العلاقات بينهما تلاحماً تجاوز كل العصبيات الضيقة وقد ترك هذا التلاحم النضالي بين الشعبين الشقيقين سجلاً خالداً حافلاً بالمآثر العظيمة لم تعتره شائبة خلال قرونٍ عديدةٍ رغم الأوضاع الشاذة التي أوجدها الاحتلال العثماني البغيض بين الشعوب والأمم الخاضعة لها". صحيح إننا لسنا من دعاة العنف والسلبية تجاه مفاهيم الصداقة والمحبة بين الشعوب والطوائف والأديان و.. ولكن يجب أن نكون واقعيين وذلك عندما نتناول التاريخ ولاسيما المعاصر منه، كونه الأقرب من جهة وبالتالي فالذاكرة وأدمغة الشعوب ما زالت طرية وتحتفظ بمعلومات مؤكدة عنها، ومن الجهة الأخرى فإن قراءتنا وتحليلنا لهذا التاريخ القريب يؤثر وبعمق على مدى مصداقية خطابنا السياسي وأيضاً مدى دورنا وفعاليتنا في الوسطين الرسمي والشعبي.
نعم.. ونحن من جهتنا نؤكد على أنه في مراحل معينة من تاريخ سوريا الحديث شهدنا مثل هذا التلاحم بين الشعبين الكوردي والعربي ولكن يجب أن لا ننسى أيضاً بأن هناك أحقاب وأحقاب من الاحتلال والسلب العربي الإسلامي لكوردستان كأرض وشعب وحضارة؛ أي حتى في مستوياتها الثقافية الحضارية ومن طمس للهوية. وقد تضاعفت هذه الأحقاد في النصف الأخير من القرن السابق وذلك نتيجة ما لاقاه الكورد من اضطهاد وعنف وتهميش وإلغاء على أيدي هذه الأنظمة وتحديداً على يد أصحاب النظريات القومية المغالية والمتطرفة، وبالتالي فقد ضاعفت هذه السياسات العنصرية من عمق ذاك الشرخ الذي كان موجوداً أساساً – وخاصة لدى الجيل الجديد – تجاه كل ما هو عربي وإسلامي. وحتى نتجاوز هذه الأزمة وعدم الثقة بيننا يجب أن نملك رؤية منطقية وواقعية، وأن يكون تحللينا جريءً صادقاً للواقع وليس متوافقاً فقط مع رغباتنا أو المناخ السياسي السائد والمهيمن.
نعم نحن بحاجة إلى نوع من المصداقية في الطرح السياسي، وذلك عندما نتناول هذا الموضوع، لكي نستطيع معالجته بكل جدية؛ فليس ممكناً أن تعالج الداء إن لم تشخصه بدقة وخاصة أن هناك وعلى المستوى الثقافي والنفسي النفور إن لم نقل العداء بين مكونات المنطقة ومنهم الشعبين الكوردي والعربي ولا يمكن تصحيح هذه العلاقة ما لم تحل المسألة الكوردية وما لم يشعر الكورد على أنهم غير مهددين من هذه الأقوام التي تتعايش معها، وعندها يمكننا رفع شعار "الأخوة العربية الكوردية" وليس في هذه الظروف وظل هذه الأنظمة والقوانين وأنت مغيب وملغى من الوجود أثنياً وجغرافياً وحضارةً، فشعارك وفي هكذا مناخ سياسي لن يفسر إلا إنه نتيجة للضعف والتخاذل أمام سياسات الأكثرية. ونعتقد أنه من الأجدى أن ترفع القوى والأحزاب العربية شعار كهذا حيث عندها سيكون للشعار بعض المصداقية.
وما يؤكد تحللينا السابق بأن الخطاب الكوردي إجمالاً ومنه خطاب البارتي يفقد بعض الجرأة في طرحه السياسي ما نقرأه تالياً في مقدمة المنهاج وذلك عندما يتناول تاريخ المنطقة؛ منطقة الشرق الأوسط ومن ضمنها جغرافية كوردستان ومما تعرضت لها من معاهدات دولية وبالتالي تقسيمها بين هذه الكيانات والدول والتي تشكلت بموجب تلك المواثيق والمعاهدات ومنها اتفاقية سايكس-بيكو، حيث تقول المقدمة: "ولدى انهيار الإمبراطورية العثمانية ارتسمت حدود المنطقة وفق مصالح ورغبات الدول الاستعمارية بموجب معاهدة (سايكس – بيكو) فتجزأت شعوب المنطقة وشتت شملها ضماناً لتسهيل عملية نهب ثرواتها الوطنية وسرقة مواردها الطبيعية ، ولم يستثنى الشعب الكردي من هذا المخطط الاستعماري فتم تقسيمه في إطار بعض الكيانات التي برزت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية وكان أن ارتبط مصير جزء من الشعب الكردي مع شقيقه الشعب العربي في سوريا..". نلاحظ كيف أن المقدمة تهرب من أن تسمي الأشياء بأسمائها؛ فبدل أن يقال ألحق جزء من الجغرافية الكوردستانية بالجغرافية السورية وبالتالي "ارتبط مصير جزء من الشعب الكردي مع الشعب العربي" ضمن الدولة السورية الحديثة التكوين، فإن المقدمة تناور وتلتف على المسألة وذلك حتى لا تسمي الجغرافية الكوردية بمسماها الحقيقي؛ ألا وهو كوردستان.
المسألة الثانية والتي يجب أن نعيد النظر بها؛ هي مسألة الخروج من تحت عباءة الطرح النظري والفكري للقوميين العرب في قضايا المنطقة. صحيح أن للشعوب المضطهدة قضايا ومسائل وهموم مشتركة وصحيح أن للشعبين الكوردي والفلسطيني تاريخ حافل بالمواقف وروح التعاضد وأحياناً العداء وخاصة من جانب بعض الأطراف الفلسطينية تجاه إقليم كوردستان العراق، ولكن كل هذا وذاك لا يعطينا الحق لأن نكون بدلاء أو وكلاء حصريين عن الآخرين وبالتالي نزايد على العرب والفلسطينيين في الخطاب والطرح السياسي؛ فها هي المقدمة توضح موقف البارتي تجاه هذه القضية. " بيد أن الأنظمة والأحزاب السياسية التي ظهرت على الساحة السورية تجاهلت وجود شعب كردي له خصائصه من سياسية وثقافية واجتماعية ،كما تنكرت لما قدمه الشعب الكردي من تضحيات جسام مع إخوانهم العرب ضد الاحتلال الأجنبي والغزو الاستيطاني الصهيوني وما استتبع ذلك حرمانه من أبسط الحقوق القومية المشروعة". فهذا الخطاب يعود إلى أحقاب الحرب الباردة وما كانت تحملها من رؤى وتحليلات وبالتالي فعلينا أن نراعي المناخات السياسية الجديدة؛ فليس معقولاً أن نزايد على أصحاب القضية من الفلسطينيين والدول العربية وهم الذين طرحوا "السلام شعار استراتيجي" وذلك مع دولة إسرائيل. وهكذا يجب أن يتم تغيير نظرتنا بالنسبة للدولة الإسرائيلية ومن مسألة السلام والتعايش في المنطقة؛ فهم أيضاً جزءُ ُ من تاريخ المنطقة.
القضية الأخرى والتي نود أن نتطرق لها؛ هي مسألة تحليلنا – تحليل الحركة السياسية الكوردية وتحديداً البارتي – لطبيعة الأنظمة والسياسات التي تعاقبت على مقاليد السلطة في الدولة السورية الحديثة، حيث تأتي الرؤية كما يلي: "ورغم التطورات السياسية التي حدثت في البلاد لم تحاول الأنظمة المتعاقبة تفهم القضية الكردية فحسب بل اتخذت بحق الشعب الكردي المشاريع العنصرية والإجراءات الاستثنائية كمشروع الحزام العربي وقانون الإحصاء الاستثنائي بهدف صهره والنيل من وجوده القومي". إننا ومن خلال هذه الرؤية نستشف وكأن الأنظمة التي تعاقبت على زمام السلطة في الدولة السورية الحديثة كانت أنظمة ديموقراطية دستورية شرعية ولم تكن أنظمة استبداد وانقلابات عسكرية جاءت إلى الحكم بقوة "الشرعية الثورية" وليس الشرعية الدستورية وبالتالي فهي تفتقد إلى أساسيات الشرعية والتمثيلية وهكذا فهي لا تملك بل ليس من طبيعتها الاستبدادية أن تحل هذه المسائل والقضايا، فهي أتت إلى الحكم من خلال إلغاء ونفي الآخر وبالتالي فكيف تريد من نظام أستلبك حضارياً وجغرافياً أن يتفهم قضيتك العادلة؛ فهو قائم أساساً على إلغاء هويتك وجغرافيتك ووجودك الأثني الحضاري.
وأخيراً وليس آخراً، نقول أن طرح المسألة الكوردية بالشكل التالي وكما هو وارد في مقدمة المنهاج "إن الحركة الكردية في سوريا وبحكم طبيعتها النضالية المعبرة عن طموحات أوسع قطاعات الجماهير الوطنية ومن خلال نظرتها العلمية وتجاربها الغنية ، ترسخت لديها القناعة الكاملة بأن القضية الكردية في سوريا هي قضية الشعب الكردي وتحرره من الاضطهاد القومي والاستغلال الاجتماعي..". هو طرح التباسي وإشكالي ولا يعبر عما هو واقعاً وحقيقةً وأيضاً عما تتطلع إليه النخب وقوى الحراك الكوردي. فحسب قناعتنا يجب أن يصاغ الخطاب والطرح السابق بالشكل التالي: إن القضية الكوردية في سوريا هي قضية أرض وشعب وهي قضية ديمقراطية بامتياز ولذلك فهي جزء ورافد من روافد الحراك الديمقراطي في البلد والساعية إلى دمقرطة الحياة السياسية في سوريا ونيل الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي من خلال منظومة المفاهيم الجديدة والاعتراف بالآخر واحترام استقلالية قراره السياسي وأيضاً من خلال مفهوم حق تقرير المصير للشعوب ومبادئ حقوق الإنسان ودولة الحق والعدل؛ دولة القانون والمؤسسات.
وهكذا نكون وضعنا المقدمة الحقيقية – برأينا – لننطلق من بعده إلى مستويات أعمق وأشمل في طرحنا لقضايانا من خلال برامج ومناهج تعبر عن أماني وطموحات شعبنا وأن تكون بمستوى القضية الكوردية، هذه من جهة ومن الجهة الأخرى أن يجب أن تكون تلك البرامج والمناهج منسجمة مع المناخ الجيوسياسي العام في العالم الجديد، و إلا فسنبقى – الحركة السياسية الكوردية – في واد ويكون الشعب الكوردي بنخبه وفعالياته وكافة أطيافه الأخرى في واد آخر وبالتالي "كل يغني على.. " وتبقى سياستنا عبارة عن مراوحة في المكان.

جندريس-2006

 
 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE