Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

 

إبراهيم الخليل ـ الروائي ـ الإنسان:

  العلاقة مع الآخر

 عمركوجري_ دمشق  

 

أزعم أن جمهور الثقافة والأماسي الأدبية والمعارض الفنية قليل وقليل للغاية إذا ما تجاسرتُ، وتشجعتُ ،فقارنتهُ مع معجبي ومعجبات أي مطرب من الدرجة العاشرة ، أو أي مباراة لفريقين رياضيين مغمورين، فكيف سيكون المآل في هذه الأوقات حيث تتبارى المنتخبات المشتركة في عرس الرياضة العالمي من أجل الفوز بوميض الذهب .ويبدو أن داء اللامبالاة تجاه الثقافة ليس من اختصاص بلد دون غيره ، ومن المؤكد أن إيقاع الحياة العملية قد ساهمت بشكل أو بآخر في بلورة ثقافة مجتمعية مرة باتجاه تجريد الإنسان من القيم الجمالية والروحية ، وبالتالي تحويله، وإعادة تشكيله وترميمه ليتواءم مع الثقافة الجديدة التي يبنغي أن يكتسبها جميع أفراد المجتمعات قاطبة أعني ثقافة التجريد من المشاعر والعواطف والرؤى الإنسانية . 

وهنا في دمشق تعيش الثقافة في أقصى حدود أزمتها  ـ مثل غيرها من المدن ـ ومن يتذكر دمشق أواسط السبعينات وفيما تلاها من أيام الأعلام والأقلام وحتى الياقات الحمر ،أيام كان المركز الثقافي السوفييتي سيد الثقافة ومسرحه الواسع يعجز عن استقبال الجماهير المتوافدة من العاصمة وأحياناً من المحافظات من أجل حضور أمسية أدبية ،أو حضور حفل فني لفرقة فلكلورية .الآن أصبحت تلك الذكريات والطقوس الحلوة بعضاً من فلكلور لا يحبذ استعادته وتذكره، ومن يعصف به حنين تلك الأيام الغاديات ، ويقارن هذا الحنين مع دمشق هذه الأيام سيشعر بصدمة قوية على هول مايرى.

 على الصعيد الشخصي ورغم أن نمل اليأس والقنوط يدب في دواخل روحي لكنني انتهز الفرص بين الفينة والأخرى للوقوف على حال الثقافة والمثقفين في دمشق، فأحضر العديد من هذه الأنشطة. وفي مرات كثيرة أحلف أنني سأنأى بنفسي عن هذه الأجواء لأن بعض مما لايصح أن أسميهم أدباء وشعراء وقصاصين يجرحون أذني بأدبهم الهابط بامتياز ، والأمر بطبيعة الحال لا يخلو من بعض الإشراقات الرائعة لبعض المبدعين ،وهذا ما لمسته مؤخراً في حضور أحد أيام مهرجان القصة القصيرة الذي نظمه المركز الثقافي في حي كفر سوسة بدمشق ، وما شجعني على الحضور هو مشاركة الأستاذ القاص الرائع والمبدع إبراهيم الخليل ، هذا القاص والروائي الذي يجسد في كتاباته القصصية والروائية قيم الحب والجمال والانحياز الواعي للإنسان كائناً ما كان مذهبه ودينه  ، فقد بدأت الأمسية بالقاص غسان ونوس في قصته "العصا " التي أمتعت الجمهور الذي كان بحدود عشرة أفراد مع طاقم المركز وكذلك المشاركين ، بعد ذلك استلمت دفة الإمتاع القاصة "كوليت بهنا " فشاركت بقصتين «لعنة الفراعنة» و«لاأحب البحر »

وكان ختام الأمسية زنبقاً وعطراً أضفى على الحضور بهجة وحبوراً ، فقد ألقى الأستاذ الخليل قصة غاية في الروعة والجمال ،وحملت عنوان "زهرة الحناء " وفيها أثبت القاص أن فن القص من حقه ألا يخاف على مستقبله ،و يفتخر طالما  أنه يحاك ، وينسج بأيد وفية ومتقنة ، "ويأكل "همه مبدعون من أمثال العزيز الخليل كما أثبت القاص أيضاً أن الحس الإنساني من جانب المبدعين العرب في اطراد بخصوص الشأن الكردي ، وتناول ثقافة الكرد وتراثهم، والاستفادة منها من لدن مبدع عربي كما قال الصديق الدكتور" خالد حسين"في اختتام قراءة القصص ،حيث أثنى  على علو كعب القصاصين ،وخص الأستاذ الخليل بالتحية لإنسانيته الجمة وإبداعه الأصيل . فقد اتكأ الأستاذ الخليل على التراث الغني للديانة الإيزدية الكردية القديمة ،وبرَّدَ قلوبنا بالنار المقدسة، وبأنثى النص وبعْشِيْقة وطاووس ملك، وبالمكان الذي فاحت من تخومه رائحة «زهرة الحناء» وهي تعلن كردية النص التراثي. فقد بدأت القصة بد فقات صور طافحة ، ومستأنسة بإبداع خلاق ،ومخيال شعري متحلق، ونَزَاع إلى سمو الفكرة وأصالة الابتكار.

غير أن المبدع الخليل لم يتوقف عند حد إبهارنا ببراعته الفائقة في رصد الحالة الشعورية ،وإعادة توليف هذه الحالة ،وتوظيفها توظيفاً ينم عن قلم يحترم ذاته ، كما يضع في حسبانه احترام المتلقي، بالاشتغال في حقل الكتابة من منظور البحث السيزيفي عن صخرة الإبداع ،والمتعة في حملها ،والتلذذ بوطأتها رغم فداحة الخسارة الشخصية أحياناً.

تجدر الاشارة إلى أن إبراهيم الخليل يتكئ في نصوصه بوجه عام على ثقافة الآخر ،والرهان عليها تناصيا .وهذا المزية تمنح نصوصه بعدها الانساني وفي الوقت عينه بعدها الجمالي .وبخصوص الحضور الثقافي الكردي في إبداعات الخليل فهي طاغية بالمقارنة مع اسهاماته على صعيد النشر ، والكتابة . بيد أن هذا الجانب يتجلى جيداً  في قصة "رماد الطاووس" وهي قصة تتحدث عن العشق النقي في زمن الرداءة ويستلهم جوهر نصه من التراث الإيزيدي الكردي الثر ،وكذلك في رواياته الماتعة مثل الهدس وحارة البدو ، بل أنه في حارة البدو يستثمر امكاناته الإبداعية مستفيدا من الحضور الكردي واعادة خلقه في المختبر الروائي .

وتنبغي الاشارة إلى أن الاستاذ الخليل هو من أوائل الروائيين العرب الذين يحاولون الاتصال بالثقافة الكردية جمالياً ، وتمثلها إلى درجة أن المرحوم القاص سعيد حورا نية حينما قرأ قصته التي نشرت في عدد خاص من مجلة "دراسات اشتراكية " ظنه كرديا. قائلا: شكرا للكاتب الكردي المبدع إبراهيم الخليل .

هذا هو إبراهيم الخليل الروائي والإنسان الذي يتخذ الآخر نصا له ، وما يدمي الفؤاد أن هذا المبدع إلى الان لم يكرم من قبل أية فعالية كردية في حين أنه عندما أصدر كتابا عن الأخوة الأرمن لاقى تكريما وردا للجميل ، فاحتفلوا باعتباره صديقا للشعب الأرمني  

emerkoceri@yahoo.com

emerkocer@hotmail.com



 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE