|
تصعيد مقاطعة الإنتخابات مطلب جماهيري
نوري حسن
إن الإنتخابات بجميع أنواعها ليست معادلة
كيمائية أو مسألة حسابية محددة النتائج ،
بل هي في الحقيقة معركة لا يدرك المرء
نتائجها وإفرازاتها ،وخاصة إذا توفرلها جو
ديمقراطي حر يتسم بالنزاهةبحيث يجعل من
صناديق الأقتراع بمثابة الحكم الأساسي
الذي يقرر مصير مجرياتها .
إن خوض الإنتخابات حق طبيعي ومشروع لكل
شخص ، لا بل لكل فصيل سياسي مهما يكن
مواقفه وتوجهاته ومن الضروري ممارسة ذلك
الحق بشكل منطقي ، ولكن وبناءًعلى التجربة
الإنتخابية البرلمانية النافذة في سوريا
منذ عام 1973 ولتاريخه تحت ظل النظام
البعثي الشمولي ، فأنني أعتقد جازماً بان
الدورة التاسعة التي ستجرى في الثاني
والعشرين من هذا الشهر سوف لن تختلف عن
سابقاتها ، وأعتبرتها في مقالي السابق
بعنوان ( مقاطعة الإنتخابات قرار صائب لا
بدّ منه ) مسرحية هزيلة وفاشلة وما سيتمخض
عنها من برلمان سيكون هزيلاً ورمزياً
محدود الصلاحيات ، إستناداً على القاعدة
الفقهية( ما بُنيُّ على الباطل فهو باطل
).
إن النظام البعثي الإستبدادي يتباهى خلال
حملته بالجو الديمقراطي السائد في البلاد
ويعتبر هذه الإنتخابات عرس الديمقراطية من
خلال وسائل إعلامه المقروءة والمسموعة
والمرئية ،ويعتمد في ذلك على مشاركة بعض
القوى الوطنية السورية وبعض الشخصيات التي
تسمى بالمستقلين في عملية الترشيح حيث بلغ
عدد المرشحين لهذا البرلمان ما يقارب
/10000 / مرشحاً للتنافس على / 250 /مقعدٍ
برلماني ، علماً إننا ندرك تماماً بأن
مشاركة بعض القوى الوطنية من المعارضة
السورية تحت حجج وذرائع رغم أحقية البعض
منها ، لا يجدي نفعاً ، وليس هناك أي مبرر
أصلاً لهذه المشاركة ، طالما إنها تجري في
ظل قوانين إستبدادية أكل عليها الدهر وشرب
( أي منذ استلام حزب البعث الشمولي زمام
السلطة في البلاد عام 1963 ) ، ولكن ما
يلفت النظر في هذه الإنتخابات أنَّ القوى
السياسية الكُردية التي أقدمت على
المشاركة فيها ، كانت تدّعي الثورية
ومقارعة مخططات النظام البعثي القمعي
بجميع الوسائل النضالية السلمية الممكنة ،
و تقوم بنشاطات وفعاليات داخل البلاد
وخارجها من اعتصامات ومسيرات ومهرجانات
خطابية وغيرها من نشاطات ملحوظة ،وكانت
تتهم القوى الكُردية الأخرىالتي قاطعت
الإنتخابات بالمهادنة والمرونة الزائدة
وعدم الجّدية في القيام بالنشاطات
الجماهيرية ، وإنها لم تقّدم على مقاطعة
الإنتخابات من تلقاء ذاتها إنما بناءً على
رغبة قوى إعلان دمشق التي لا تتمتع بأي
رصيد جماهيري ضمن الشارع السوري .
لذا من الضروري ولكي تتمكن هذه القوى
الوطنية المعارضة التي قررت مقاطعة
الإنتخابات البرلمانية خلال هذه الدورة
تحت مسببات قانونية وسياسية ، من إثبات
مصداقيتها وصوابية قرارها التاريخي بعدم
الاكتفاء باصدار بيان مقاطعة الإنتخابات
ترشيحاً وتصويتاً ،بل وإنطلاقاً من
مواقفها الوطنية والمبدئية وحرصاً على
مصلحة الجماهير السوريةوتقديراً لمشاعرها
، ودعماً للمواقف النضالية للمعتقلين
السياسين ، ووفاءً لدماء شهداء إنتفاضة
آذار المجيدة عام 2004 ودم الشهيد شيخ
محمد معشوق الخزنوي الذي لم يجف بعد ،
وتفويتاً للفرصة للمراهنين على مواقفها
المستقبلية ، من أجل كل ذلك عليها تصعيد
حملة مقاطعة الإنتخابات البرلمانية واصدار
قرارات جريئة بصددها ، إضافة إلى إتخاذ
قرارات صائبة وواقعية ومنسجمة مع قرارها
السابق في محطتي الإنتخابات القادمتين (
الإدارة المحلية - إستفتاء الرئيس ) .
بناءً عليه فأن المصلحة القومية والوطنية
تقتضيان أن تلجأ هذه القوى المقاطِعة للإ
نتخابات إلى إتخاذ خطوات عديدة بدءاً من
الآن وليس في الوقت الضائع ولعلُّ أهمها :
1 – القيام بفعاليات ونشاطات جماهيرية من
أقصى البلاد شرقاً إلى أدناها غرباً تدعو
من خلالها إلى مقاطعة الإنتخابات بشكل
جدّي ،وبيان حقيقتهاالتي تتسم بالزيف وعدم
الشرعية .
2 – فضح النظام البعثي الإستبدادي
وممارساته القمعية ، الذي يحتكر الإعلام
الرسمي ويسخره لمصلحته بغية تبيض وجهه
الأسود ، في الوقت الذي يحَُرم الآخرين من
الأستفادة من هذا الإعلام ، لكونه يعتبر
هذه الوسائل ملكاً للسلطة فقط في حين من
المفترض أن تكون ملكاً للشعب بأكمله .
3 – إدانة القوانين الإستبدادية التي تجري
في ظلها هذه الإنتخابات البرلمانية
والمطالبة بتعديلها وإلغاء العديد منها
وخاصة المادة الثامنة من الدستور وقانون
الطوارئ والأحكام العرفية .
4 – بيان حقيقة البرلمان السوري العاجز عن
القيام بمهامه الدستورية ، لكونه في جوهره
برلماناً كسيحاً لا حول له ولا قوة .
5 – فضح تركيبة البرلمانيين وطبيعتهم
الإنتهازية ، لكونهم لا يمثلون أية شريحة
جماهيرية ، بل يمثلون أنفسهم ومن على
شاكلتهم ،وما هم إلاعبارة عن مرتزقة
وأزلام تحت الطلب للنظام البعثي
الديكتاتوري .
6 – إن المبررات التي إعتمدت عليها
قوىإعلان دمشق في مقاطعتها للإنتخابات
البرلمانية وخاصة الأحكام العرفية والمادة
الثامنة من الدستورالسوري الذي يعتبر حزب
البعث قائداً للدولة والمجتمع ،ويحدد حصته
وحصة أذنابه من أحزاب ما تسمى بالجبهة
الوطنية التقدمية ب 167 مقعداً من أصل 250
مقعداً ، كما يقر بألزامية أن يكون الرئيس
السوري عضواً في القيادة القطرية لحزب
البعث الحاكم في سوريامنذ أكثر من أربعة
عقود،كل هذه المبررات لا زالت قائمة
وسارية المفعول لتاريخه ولأجلها أتخذت قوى
إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي السلمي
قرارها بمقاطعة الإنتخابات البرلمانية ،وعليها
إتخاذ قرارات أخرى مماثلة لقرارهاالسابق
وذلك بمقاطعة إنتخابات الإدارة المحلية
ترشيحاً وتصويتاً وكذلك مقاطعة عملية
إستفتاء الرئيس السوري الفريدة من نوعها ،
لأنها عملية غير شرعية وغير دستورية
ومنافية لأبسط قواعد الديمقراطية ، وأن
لجؤ النظام السوري إلى أسلوب الإستفتاء
بدلاً من الإنتخابات يكشف القناع عن وجهه
ويمزق ورقة التوت الأخيرة عن عورته .ويثبت
للمجتمع الدولي ومنظمات المجتمع المدني
وحقوق الانسان بانه نظام استبدادي وشمولي
ولا يؤمن بالديمقراطية .
إن المعارضة الوطنية السورية بإتخاذها
قرارها الصائب الأول بمقاطعة إنتخابات
البرلمان للدورة التاسعة ، تدّل بإنها في
حقيقة الأمر خطت الخطوة الأولى في المسار
الصحيح ، ولكي تتمكن من إكمال االمسيرة
على هذا النهج الذي ينسجم وطبيعة المرحلة
التي تسمى بمرحلة الديمقراطية وحقوق
الانسان ، عليها الاقدام على إتخاذ
قراراتها المصيرية الأخرى مستقبلاً في
الظرف المناسب بكل بطولة ورجولة ودون أي
لف أو دوران ، بحيث لاتفقد مصداقيتها لدى
الشارع السوري بكرده وعربه وسائر أقلياته
المذهبية والعرقية ،و عدم افساح المجال
للآخرين للمراهنة على مواقفها النضالية
المستقبلية ، بل باقدامها على إتخاذ مزيدٍ
من القرارات الصائبة سوف تهيأ الأجواء
المطلوبة ، وتمهد الأرضية اللازمة للم شمل
صفوف المعارضة الوطنية بسائر فصائلها في
الداخل والخارج ضمن إطار تحالفي جبهوي
يناضل من أجل تحقيق الطموحات المشروعة
والأماني المنشودة للشعب السوري بجميع
مكوناته ، لذا فأن اتفاق القوى المعارضة
الوطنية السورية كما أشرت مراراً على
إتخاذ قرارالمقاطعة في محطة إنتخابات
الإدارة المحلية وعملية إستفتاء الرئيس
السوري في الأشهر القادمة ضرورة وطنية
ملحة ولا بدًّ من إتخاذها للاستمرار في
اداء الواجب النضالي المطلوب على الساحة
النضالية السورية ، إلى جانب تصعيد عملية
مقاطعة الإنتخابات البرلمانية الحالية
بشتى السبل ، وتسخير كل الطاقات من أجل
فضحها وبيان زيفها وعدم شرعيتها ،وعدم
الأكتفاء باصدار بيان المقاطعة .
|