|
ِكافتيريات
يامن حسين .. الوطنية !
نزار نيوف
الحوار المتمدن
اتصل بي يوم أمس الصديق الفنان
سفيان السباعي من مدينة حمص
السورية ليخبرني بأن جامعة "
البعث " في المدينة قررت فصل طالب
لمدة ستة أشهر بسبب مقال نشره في
"الحوار المتمدن" . ولأني اعتبرت
اتصاله إخبارا من جملة الإخبارات
التقليدية التي تأتينا يوميا عن
الجرائم والانتهاكات التي تقترفها
السلطة بحق الناس ، قطعت الحديث
عليه وطلبت منه أن يكتب لي
التفاصيل بالبريد الإلكتروني ،
وأن يوفر دقائق اتصاله الهاتفي
لكي أسمع صوته الذي لم أسمعه منذ
أكثر من عام ، وليحدثني عن آخر
لوحاته . إلا أنه رفض ذلك ، مفضلا
أن يقص عليّ الحكاية بلسانه ،
وبشيء من الزهو والشعور بالاعتزاز
إزاء نموذج من طلابنا لم يستطع "
مخطط التقريد " البعثي أن يحوله
إلى سعدان آخر في السيرك الكبير
الذي كان يسمى حتى وقت قريب ..
سورية. ( ملاحظة برسم الأجهزة
الأمنية في حمص : هذا التعبير لي
، وليس للأخ سفيان ، فلا تضمّوه
إلى قائمة التهم حين تقررون
اعتقاله بتهمة الاتصال بجهات
أجنبية !).
من سياق الحديث الهاتفي علمت أن
المعني بالأمر طالب في الصف
الثاني بكلية العلوم يدعى يامن
حسين . وهو ينحدر من الطائفة
العلوية . وقد قررت إدارة الجامعة
حرمانه من الفصل الثاني للعام
الدراسي 2005 ـ 2006 بعد جلسة
تحقيق معه تشبه جلسة تحضير
الأرواح ، تضمنت ـ فيما تضمنته ـ
تفكيكا لمقاله بأحدث ما توصلت
إليه مناهج علم اللسانيات ، بما
فيها منهج نوآم تشومسكي ، خصوصا
بعد أن طبع المقال من قبل طلاب
مجهولين ووزع في أروقة الجامعة ،
وأثار استنفارا أمنيا جامعيا
شاملا كما لو أنه منشور سياسي
يدعو إلى انتفاضة مسلحة !
ما إن وضعت سماعة الهاتف حتى
سارعت إلى موقع " الحوار المتمدن
" بحثا عن المقال المعني ، لأكتشف
أنه منشور في العاشر من شباط /
فبراير الماضي . ويبدو أنه أول
مقال ينشره الطالب يامن حسين ،
وأرجو أن لا يكون الأخير!
في الواقع ليس " المقال " مقالا
بالمعنى التقليدي للكلمة . إنه
أشبه بنص سيناريو أعد ليكون فيلما
وثائقيا . ولو كنت منتجا لما
تأخرت لحظة واحدة في شرائه منه
بالسعر الذي يريده ، دون أي
مناقشة . وتذكرت ساعتئذ عمر
أميرلاي ـ فناننا الكبير الذي برع
أيما براعة في فضح عوراتنا وهتك
أستار فضائحنا " الحضارية " بسيول
" طوفانه " وبعين شاعر أين منها
عين امرىء القيس وهو يصور حصانه :
مِكَرّ ٍ مِِفََرٍّ ، مقبل مدبر
معا ...!
من الصعب تلخيص السيناريو هنا ،
وليسمح لي صاحبه أن أسميه كذلك .
ولذا أحيل من يمهمه الأمر إلى
الرابط أدناه (*) ، لا ليقرأه
ويتمتع به كما قرأته وتمتعت به
أنا وحسب ؛ ولكن ليبكي من الداخل
بملء جوارحه كما بكيت . إنه نص
فضائحي ؛ نص عن العار ؛ نص يهتك
ما تبقى من قشور أعراضنا الزائفة
، وشرفنا الأكثر زيفا . نص يقول
لنا بوقاحة سافرة مليئة بالنبل
الإنساني الرفيع : هذه حديقة
حيواناتكم التي أرفض أن أكون فيها
قردا أو سعدانا !
ثلاث كافتريات طلابية : واحدة
للمسيحيين وأخرى للسنة ، وثالثة
للعلويين . كل منها لها هويتها
وعالمها وطقوسها . في الأولى ،
التي يسميها طلاب الطوائف الأخرى
بالكاتدرائية ، يصدح طوني حدشيتي
( مطرب " الشعب" المسيحي) ويُمَجّ
التبغ الأجنبي المستورد وتتدلى
الصلبان مختلفة الأحجام من أعناق
كرستين و ميشو؛ وفي الثانية منشد
يصلي على محمد ( " نبي الشعب
السني" ) وتسود اللحى المرسلة على
عواهنها والمحجبات وأربطة المعاصم
السوداء والدشداشات أو البناطلين
" الشرعية " الواسعة وخواتم الفضة
التي تزنر الأصابع؛ وفي الثالثة
يصدح علي الديك ( مطرب " الشعب"
العلوي ) و يُمَجّ التبغ الوطني
من نوع " الحمراء القصيرة "
وتلوّح الأيدي ذات المعاصم
المزنرة بالأشرطة الخضراء
المقتطعة من الأقمشة التي تغطي
أضرحة الأولياء العلويين ،
والأعناق التي تتدلى منها السيوف
" الذوالفقارية ".
إنها ثلاث " هويات " واضحة
المعالم لثلاثة " شعوب " بعد نصف
قرن من " الثورة الوطنية
الديمقراطية البعثية " ، والوحدة
الوطنية العصية على الكسر ، وفق
آخر تصريح للطبل الأجوف محسن بلال
وزير الإعلام ! ثلاث هويات لبلد
قاد الدفاع عن حدوده قبل ثمانين
عاما مواطن كردي يدعى الجنرال
يوسف العظمة ؛ وأسس مجمعه اللغوي
كردي آخر يدعى محمد كرد علي ؛
وعرف أكثر من خمسة رؤوساء أكراد
آخرين ؛ وكان رئيس وزارئه ، ليس
ميسحيا فقط ، بل ومن أصول لبنانية
، يدعى فارس الخوري ـ أحد رموز
الاستقلال ؛ وقائد ثورته
الاستقلالية شيعيا موحّدا ( درزيا
) يدعى سلطان باشا الأطرش ؛ ووقف
برلمانه ذات يوم ، بالاجماع ، ضد
نائب أراد أن يكفّر نزار قباني
بسبب قصيدة " خبز وحشيش وقمر " !
بالطبع ، كان ذلك كله قبل مجيء "
البعث " بثورته الوطنية
الديمقراطية ، كما يحلو لبقايا
المستحاثات والأحافيرالبكداشية أن
تسمي انقلاب حليفهم الأبدي . أي :
في عصر الرجعية وأذناب الاستعمار
وجواسيس حلف بغداد وشركة نفط
العراق ، كما يطيب ـ للمستحاثات
إياها ـ أن تسمي عصرنا الذهبي !
في ذلك الوقت لم يكن المسيحي
يعرّف نفسه ، أو يعرفه الناس ،
بصليب أو بأيقونة مريمية تتدلى من
عنقه ، بل بالحزب الذي ينتمي إليه
؛ ولم يكن السني يعرف نفسه أو
يعرفه الناس بلحيته أو دشداشته
الشرعية أو خاتمه الفضي ، بل
بانتمائه إلى الكتلة الوطنية أو
حزب الشعب أو انتفاضة أكرم
الحوراني الفلاحية ؛ وفي ذلك
الوقت لم يكن العلوي يعرف نفسه أو
يعرفه الناس بـ " ذو الفقار" الذي
يتدلى من عنقه كما لو أنه ذاهب
إلى فتح حصن خبير أو للقتال في
موقعة الجمل أو صفين مع إمامه علي
بن أبي طالب ، أو بعضويته في
سرايا الدفاع أو جمعية الإمام
المرتضى أو بعلي الديك ، بل
بانتمائه للحزب الاشتراكي الذي
يقوده " السني ـ الحموي " أكرم
الحوراني ، أو الحزب القومي
السوري أو "بعث" وهيب الغانم ؛
ولم يكن الشيعي الموحد ( الدرزي )
يعرف نفسه أو يعرفه الناس بشاربيه
اللذين يقف عليهما النسر والعقاب
، أو بلفّته أو لحيته ، بل بدوره
في الثورة السورية الكبرى وعدد
البنادق والثوار الذين هربهم
وورّدهم إلى " السنيين " محمد
الأشمر وحسن الخراط في غوطة دمشق
الشرقية !
في زمن الرجعية الأسود ، وزمن
أذناب الاستعمار وعملاء حلف بغداد
، كان مطرب الشعب صباح فخري وفريد
الأطرش ومحمد عبد الوهاب ، ومطربة
الشعب لودي شامية والكسندرا بدران
( نور الهدى ) وفيروز وأم كلثوم .
وكان شاعر الشعب بدوي الجبل وفخري
البارودي ووصفي القرنفلي وعمر أبو
ريشه . وفي ذلك الزمن كان زعيم
الفلاحين العلويين " السني " أكرم
الحوراني وليس جميل الأسد ، وزعيم
السنة المدينيين " العلوي " وهيب
الغانم وليس مروان حديد أو أبو
القعقاع أو الزرقاوي ، وكانت
مرجعية المسيحيين فرج الله الحلو
أو ميشيل عفلق أو أنطون سعادة ،
وليس البطريرك هزيم أو زكا الأول
أو الأب الياس زحلاوي ! وفي ذلك
الوقت شهد الريف العلوي أكبر حملة
في تسمية المواليد الجدد باسم "
أكرم " ، بحيث أنه ما من علوي ولد
بعد العام 1950 وسمي " أكرم " إلا
تيمنا بأكرم الحوراني !
لم يفعل البعثيون إلا أن ردوا
الإنسان السوري إلى بداوته
ووحشيته وبراريه الأولى ؛ أي إلى
الأمكنة التي عاش فيها قبل أن
يكتسب شرف الانتماء للجنس البشري
وإحساسه بكرامته كإنسان . كانت
الطريقة الوحيدة التي اجترحها
البعثيون ، وفي مقدمتهم حافظ
الأسد ، للإمساك برقاب الناس هي "
مخطط التقريد " الذي قضى بتحويل
الناس إلى قطعان من القرود
والسعادين التي يمكن وضعها في
أقفاص وعرضها للفرجة في متاحف
التاريخ الطبيعي أو مكاتب السياحة
، باعتبارها عينات ونماذج للإنسان
السوري القديم الذي اخترع أبجدية
أوغاريت وأنجب زنوبيا التي حكمته
قبل أن تتحول تسعة أعشار نساء
البعث إلى محجبات و " قبيسيات " ،
وقبل أن تصبح مرجعية البعث "
العلماني " وزارة الأوقاف وشيخ
الشباب محمد حبش وآية الله علي
خامنائي والكنيسة المريمية .
قبل حافظ الأسد كنا نحن المنحدرين
من الطائفة العلوية نفخر بأننا
أكثر مواطني سورية حرية . كنا
نفخر بأن الريف العلوي بكامله لم
يكن فيه سوى مسجد أو اثنين ؛ وكنا
نفخر بأن لحية أكبر رجل دين علوي
لا تساوي فلسا إلا بقدر ما يحترم
صاحبها نفسه ويبتعد عن دس أنفه في
أمور دنيانا ؛ وكنا نفخر بحرية
الحب والإلحاد دون أي عاقبة ،
ودون أن يتجرأ أي رجل دين على أن
يصادر رأينا . كانت حرية المرأة
عندنا مضرب الأمثال لكل متنور ،
ومدعاة لرجمها بالتغريب والانحلال
من قبل ظلاميي الطوائف السنية
والشيعية لمجرد أنها تستطيع أن
تلبس ما تريد ، وتحب من تريد ،
وتتزوج من تريد . ولهذا فخر
المنحدرون من هذه الطائفة بأن أول
طبيبة في سورية ، وأول طبيبة درست
خارج سورية ، كانت جمانة سليمان
الأحمد ـ شقيقة بدوي الجبل ،
وبأنهم قدموا عشرات المناضلات
لحزب العمل الشيوعي كنّ مضرب
المثل في الشجاعة والصمود بوجه
جلادي حافظ الأسد وسرايا الدفاع !
صحيح أن ثمة تقاليد في الحرية عند
العلويين لا تستطيع أي ردة مذهبية
أن تصادرها ، لأنها من صلب
عقيدتهم أصلا ، ولا منة لرجال
الدين العلويين في التسامح بشأنها
. ولكن الأكثر صحة أن حافظ الأسد
فعل في الطائفة كما فعله في كل
الطوائف الأخرى . فوقف وراء أكبر
حملة لبناء المساجد في الطائفة
منذ أن ولدت قبل 12 قرنا ، رغم
أنه ـ ولحسن الحظ ـ لا يرتادها
حتى الآن إلا القلة ؛ وكان مع
شقيقه جميل وراء أكبر عملية تشيع
في الطائفة . وبتعبير آخر : وراء
تحويل طائفة تستمد عقيدتها من
التقاليد الثورية للمعتزلة ورسائل
إخوان الصفا ومدرسة إيونيا
الفلسفية اليونانية وإرث القربان
المسيحي ، والقرّائية البغدادية ،
ولا تؤمن بتسييس الدين ، وتفصل ما
هو زمني عما هو ديني ( الدين عن
الدولة ) ، وليس لديها أي طقس من
الطقوس الدينية ،... إلى طائفة
شرع ينخرها السوس الشيعي وتقاليده
وطقوسه ، بكل ما يعنيه ذلك من
تحويل علي والحسين من قدوتين
ثوريتين لصناعة التقدم ، إلى
مرجعيتين لاهوتيتين لصناعة التأخر
والقهقرى!
ومع هذا كله ، فإننا نراهن على أن
مخطط التقريد هذا ، أقلّه في
الطائفة ، لن ينجح ، طالما أن
هناك شبابا مثل يامن حسين يقاتلون
ويواجهونه بشجاعة ، رغم غضاضة
عودهم وحداثة تجربتهم ، ويرفضون
الارتداد من الطور الآدمي إلى طور
السعدان !
تحية إلى يامن حسين ، وكل أبناء
جيله الذين يحاربون مخطط التقريد
البعثي ـ الأسدي ، واعتذار منه
لأني لم أقرأ " مقاله " إلا الآن
.
|