|
أعلنت حركة المقاومة
الإسلامية «حماس» أنها
حققت انتصاراً في غزة
وأكد قادتها أن الجيش
الإسرائيلي قد اندحر. قال
أحد زعمائها إن «الانسحاب
من شمال قطاع غزة هو
انتصار عظيم للمقاومة».
ووجه الزعيم كلامه للجنود
الإسرائيليين فقال:
«قولوا للناس ماذا شاهدتم
وما هي نوعية أبناء
القسام الذين واجهتموهم».
بدوره أعلن حزب العمال
الكردستاني الانتصار على
الجيش التركي «الذي اندحر
وجر أذيال الخيبة». وهو
ردد أن هذا الجيش فقد
الجنود والآليات
والطائرات ولم يعد يدري
ما يفعل ففضل الهرب لا
يلوي على شيء. وقال مسؤول
عسكري في الحزب إن
الخسائر التركية في
المواجهات التي دامت تسعة
أيام متواصلة في مناطق من
كردستان العراق بلغت مائة
وخمسة وعشرين جندياً.
وصدر عن الحزب بيان أشار
إلى أن مقاومة مقاتليه
لزحف الجيش التركي خلقت
حالة من الوحدة
الكردستانية التي قل
نظيرها في كل التاريخ
الكردي. وتعهد البيان
بالثبات على خط المقاومة
والنضال حتى تحقيق اهداف
الشعب الكردي العادلة.
وهذان الانتصاران،
الحماسي الفلسطيني
والعمالي الكردي، يذكّران
بالانتصار اللبناني الذي
كان أنجزه حزب الله على
إسرائيل في حرب تموز
(يوليو) 2006. والقاسم
المشترك بين هذه
الانتصارات، وما يشبهها،
هو الخراب الكبير الذي
يصيب الجهة التي يقف فيها
«المنتصر». في حرب تموز
سقط المئات من اللبنانيين
قتلى وجرحى ومعوقين وهدمت
البيوت ودمرت الجسور
وخربت المنشآت وتوقفت
دورة الحياة الإقتصادية
والسياحية...الخ. وفي غزة
قتل 118 فلسطينيا بينهم
22 طفلا و12 إمرأة وسقط
مئات الجرحى. وعلى الجبهة
الكردية فقد الحزب
العمالي الكثير من
مقاتليه وقتلت إمرأة
كردية ودمرت جسور وهرب
المئات من الناس من
بيوتهم خوفاً من القصف
التركي (مقارنة بالجيش
الإسرائيلي فإن الجيش
التركي كان الأكثر حرصاً
على سلامة المدنيين، وهو
تجنب الدخول في نزاع مع
الناس والبيشمركة في
كردستان العراق).
وجه الغرابة في هذه
الانتصارات يقوم على أن
المنتصرين يشرعون في صراخ
هستيري مطالبين العالم
بأن يضغط على العدو كي
يوقف «حملته العدوانية».
فإذا تحقق ذلك وتوقف
الهجوم وانسحب الجنود طلع
هؤلاء من بين الأنقاض
وصاحوا: لقد انتصرنا.
ومعنى ذلك أنهم كانوا
يتوقعون للعمليات أن
تنهيهم وتستأصل شأفتهم
فلما لم يتم ذلك وبقيت
جماعتهم في الوجود
اعتبروا ذلك انتصاراً.
أما القتلى والجرحى من
الناس والخراب الذي يلحق
بالبلاد فأشياء ثانوية لا
تساوي شيئاً في حساباتهم.
هذه انتصارات يتمنى المرء
في أعماقه ألا تكون من
نصيب أحد. فحين تكون
الانتصارات على هذه
الشاكلة فكيف تكون
الهزيمة؟ ثم إذا كانت
المواجهة سبباً لانتصارات
عظيمة توقع الهزيمة
بالعدو وتدحره فلماذا
نصرخ مطالبين بوقف
القتال؟.
في الحالات الثلاث يجري
القفز فوق الواقع السياسي
للبلدان التي تتواجد فيها
الجماعات المقاتلة: حزب
الله استخف بالدولة
اللبنانية وعمد إلى قتل
ثمانية جنود إسرائيليين
وخطف اثنين آخرين عبر
الحدود مع إسرائيل فكان
أن هاجمت إسرائيل لبنان.
حزب العمال الكردستاني
تجاهل وجود حكومة إقليم
كردستان كما تجاهل سيادة
الدولة العراقية واخترق
حدودها وأخذ ينطلق من
القواعد التي أقامها في
الأراضي العراقية لشن
الهجوم على تركيا، فطفح
الكيل وقام الجيش التركي
بحملته. حماس قامت
بانقلاب على السلطة
الوطنية الفلسطينية
وواصلت ما يشبه الهواية
في رمي الصواريخ على
المدنيين الإسرائيليين،
الأمر الذي يستدعي رداً
إسرائيلياً مميتاً.
من الواضح أن مثل هذه
الممارسات تنأى عن
السياسة التي تنهض من
الحرص على الناس وحماية
مصالحهم والحفاظ على
أمنهم وترسيخ استقرارهم
والابتعاد عن كل ما من
شأنه أن يستدرج العنف
والهلاك إليهم. ما يقوم
به أصحاب هذه التشكيلات
العنفية يذهب في الاتجاه
الآخر. إنهم يعمدون عن
سابق تصور وتصميم إلى
تعريض حياة الناس للخسارة
والهلاك وذلك من أجل أن
يرتفع سهمهم في ميزان
«القضية» التي يرفعون
راياتها. هذه ممارسة
ساذجة تقوم فوق رؤوس
الناس وبدمائهم وعلى حساب
عيشهم ومستقبلهم. التذرع
بالقضية للقيام بممارسات
عنيفة يؤدي إلى اهتراء
الأحلام الحقيقية للناس
ويقود في نهاية الأمر إلى
إبعادهم عن الظفر بحقوقهم
بمسافات تكبر مع كل عملية
عنفية.
لا يمكن الوصول للأهداف
المرجوة من قبيل السلام
والأمن والحرية والازدهار
من خلال القتل وسفك
الدماء. لا يمكن دعوة
العالم إلى تطبيق القانون
وتلبية الحقوق باللجوء
إلى انتهاك القانون
ومصادرة الحقوق
والاستخفاف بالعلاقات
الدولية. الخراب الذي
ينتشر بعد الانتصارات
التي يحققها هؤلاء لا
يتوقف على القتل وسفك
الدم بل هو يمضي إلى
إحداث شروخ في جسد الوطن
الذي ينتمون إليه أو
يزعمون الانتماء إليه.
تنتفخ الجماعة المقاتلة
وتقفز من فوق الوطن
وتتصرف بالضد من إرادته.
هي تفرض إرادتها على
الجميع بدعوى أنها الممثل
الشرعي للوطنية والمدافع
الوحيد عن الحرية. يمارس
هؤلاء العنف وليس
السياسة. العنف المستخدم
هنا لا يشكل امتداداً
للسياسة بل هو بديل لها.
الانتصارات التي يهلل لها
المنتصرون ويحتفلون بها
طرق ملكية إلى الخراب.
|