|
تكتيكات السياسة الأمريكية تتخبط بين
التغيير والجمود !!
ناجي
ئاكره يي
( من الواضح أن هناك من هم أحرار بالطبيعة
، كما هناك آخرون عبيد بالطبيعة،
والعبودية بالنسبة لهؤلاء مربحة وعادلة في
نفس الوقت ) ، أرسطو في كتابه السياسية .
( العراق طائر بثلاثة أجنحة ، جناح يمنع
طيرانه ) .
هنري كيسنجر / وزير خارجية أمريكا الأسبق
و مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق
عبر سيطرة بعض النخب و منذ عقود على
مقدرات شعوب المنطقة تفاقمت الأختلالات في
بنية مجتمعاتنا الشرقية ، لأن أكثرية
الدول الحالية تكونت من خلال تسوية
بالتوافق بين بريطانيا و فرنسا ولا حقا
الدول العظمى ، وان كان لقول الحقيقة حدود
وخاصة إذا تطرق المرء إلى شؤون هذه الدول
بحجة كل ما يعرف لا يقال ، و لكن المطلوب
من الحريص على مصلحة شعوب المنطقة ، لا بد
له ومن باب أضعف الأيمان التقرب على الأقل
من حافات الحقيقة ، و منها الأعتراف بأن
حدود دول المنطقة رسمت على رمال متحركة و
بالقوة ، ثم أرادوها أيضا وبالقمع أن تكون
هذه الحدود خطوط حمر مقدسة لا يمكن
تجاوزها ، و كأن الشعوب والأثينيات
والأديان و المذاهب داخل هذه الحدود هم
قطعان ليس من حقهم التفكير في الأنعتاق ،
و لعبت خصوبة الخيال الموروث المتراكم
لتعمق و تجذر هذه الحدود شكليا ، هذا
الموروث الذي ورثناه من حقبة غزو العرب
باسم الإسلام المنطقة ، تلك التجاوزات
والتسلط ما بعد الغزو كانت قد وصلت في
مراحل و حقب من تاريخ المنطقة إلى مستوى
أسطوري .
بعد مجئ أمريكا للمنطقة زعزعت هذه
المعطيات من قبل بعض الساسة الأمريكان
للتهرب من استحقاقاتها نتيجة تأثيرات
معينة أو نتيجة اجتهادات خاطئة ، ونصح
آخرون أمريكا بأن دخولها للعراق كأنها
دخلت إلى المجهول ، في حين نحن أهل الدار
نعرف بأن معوقات عدم استقرار المنطقة
حاليا ومنها العراق نابع أولا من الموروث
المتراكم ، وثانيا عن التناقض في تطبيق
السياسة الأمريكية ، فحراك الديمقراطية
كان ممنوعا في منطقتنا باسم العادل
المستبد ، و أقتنع الغرب لفترة طويلة
بصيغة الحاكم المستبد ، و حينما ظهر حراك
الديمقراطية إلى السطح رادفها تجاذبان
خارجة عن تمنيات الشعوب ، هذه التجاذبات
الشكلية في ظاهرها تخفي أجندة مخفية ،
فسروها بعض الأمريكان والغرب بأنهم
يريدونها أن تكون الديمقراطية الوليدة على
شاكلة ديمقراطيتهم ، والبعض الآخر أعلنها
صراحة بأنهم يريدونها شكلية ، هذا ما
لمسناه من خلال التجاذبات و الحراك
السياسي ، في حين كانت الأجندة الغربية
الحقيقية غير واضحة المعالم .
و لكن توجس قطاعات واسعة من شعوب المنطقة
كانت قائمة ، هذا الهاجس الذي كان يقول
بأن النهج الأميركي الغربي لم و لن يؤدي
إلى تعزيز الديمقراطية والاستقرار في
المنطقة ، و تأكدت تلك الهواجس خاصة بعد
أن أصبح تسيير هذا النهج وفق سياسة وزارة
الخارجية الأمريكية ، و بعد أن صار ملف
الشرق الأوسط الجديد بإمرة تلك الوزارة و
بالتنسيق مع المخابرات المركزية الأمريكية
، و من ثم استبعاد إستراتيجية وزارة
الدفاع للمنطقة وعدم أكمال مشوارها ، و
بعد أن أشعروا العراقيين بإغراءات تلك
الإستراتيجية وهو إسقاط سلطة أعطى
ديكتاتور عرفه التاريخ الجاثم على صدورهم
.
من المعروف بأن خرائط سايكس بيكو نفذت
بالقوة العسكرية و بالأغراء ، لكن أخفاقات
تطبيق الإستراتيجية الأمريكية هو نتيجة
التكتيكات واجتهادات الملازمة لها ، ما
بين الرؤية السياسية المختلفتين لوزارتي
الدفاع و الخارجية الأمريكيتين ، تناقض
مخجل لدولة عظمى بحجم الولايات المتحدة
الأمريكية ، و تجلت التناقضات بين
الخارجية والدفاع الأمريكيتين على ارض
العراق ، بعد تعيين السيد زلماي خليل زادة
سفيرا لأمريكا في العراق، و يذكر الدكتور
منذر سليمان الباحث في الشؤون العسكرية و
السياسية بواشنطن في مقابلة مع تلفزيون (
بي بي سي ) عن تعيين زلماي سفيرا في
العراق :
أن خليل زادة تربطه علاقات قوية بأطراف
إقليمية ودولية عديدة نتيجة خبرته في
أفغانستان بالإضافة إلى انه سبق وعمل
بمجلس الأمن وتربطه علاقة مباشرة بالبيت
الأبيض وبالخارجية الأميركية ، و أضاف
بتعيين خليل زادة سفيرا في العراق، تريد
الخارجية الأميركية أن توجه رسالة أنها
صار لها الأولوية في التعامل مع الملف
العراقي وليس البنتاغون، وذلك في ضوء
التنافس القائم بين الوزارتين حاليا حول
هذه الأولوية .
علينا أن نقر بأن لكل إنسان أسلوبا خاصا
في العمل ، و أن للنشأة و التربية و تجارب
الحياة لها تأثيرها في المحصلة النهائية
في أسلوب تعاطي الإنسان مع المهام الموكلة
إليه ، و للوقوف على أسلوب العمل لدى
زلماي خليل زادة ، لا بد أن نطلع على
المحطات المهمة في تاريخ حياته ، تقول
المعلومات المتوفرة عنه بأن زلماي هو أحد
الموقعين على (مشروع القرن الأميركي
الجديد) إلى جانب ريتشارد بيرل وبول
وولفوويتز ورامسفيلد وتشيني وبقية
المحافظين الجدد ، ورئيسته المباشرة
كوندوليزا رايس التي كانت مستشارة للأمن
القومي ، عملت سابقا أيضا في شركة نفط
عملاقة ، أطلقت تلك الشركة اسمها على إحدى
ناقلاتها نتيجة خدماتها ، ثم تولت حقيبة
وزارة الخارجية اليوم ، ويبدو أن رايس
التي قادت حربا باردة ضد البنتاغون ، عملت
على إدخال تغيير على أسلوب تعامل الإدارة
الأميركية في موضوع نشر الديمقراطية في
الشرق الأوسط لصالح الأنظمة العربية ، إذ
أشارت إلى أنها ستعتمد أسلوب التفاوض
السلمي والبدائل غير العسكرية ، ومن
المعروف بأن السيد زلماي خليل زادة هو
حاليا التلميذ النجيب لرايس ، هذا
البشتوني الأفغاني السني الذي ولد في
مدينة مزار الشريف ، حيث كان يعمل والده
موظفا بسيطا لم ترق له الحياة في مدينته
لذا هاجر إلى كابول ، أرسلت الحكومة
الأفغانية السيد زلماي خليل زادة في بعثة
للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت ،
وهناك تعلم اللغة العربية والانكليزية ،
أهلته لاحقا في الستينات من القرن المنصرم
للحصول على منحة دراسية إلى الولايات
المتحدة الأمريكية ، في الولايات المتحدة
الأمريكية أكتشفه المدير السابق لمركز
الدراسات الأفغانية السيد توماس غوتيير في
جامعة نبرا سكا بولاية أوماهو ، و كان
السيد توماس يتمتع بعلاقات متميزة مع صناع
القرار الأمريكي في المخابرات المركزية
الأمريكية ، و أشترك زلماي خليل زادة
حينما كان يشغل منصب مساعد مستشار الأمن
القومي لشؤون الأفغانية ، مع مدير المركز
بإرسال أكثر من 10 مليون مطبوع إلى
أفغانستان ، تلك المطبوعات التي كانت تعبئ
المجتمع الأفغاني على التطرف الإسلامي ضد
الاتحاد السوفيتي السابق .
و كذلك أثر فيه أستاذه في جامعة شيكاغو
التي حصل فيها على درجة الدكتوراه ، السيد
ألبرت وولستير أحد صناع السياسة الأمريكية
حقبة الحرب الباردة ، و في 1985 م حصل على
وظيفة في وزارة الخارجية الأمريكية وعمل
فيها إلى سنة 1989 م ، و بعدها عمل كمساعد
أستاذ للعلوم السياسية في جامعة كولومبيا
، و بعد حصوله على الجنسية الأمريكية عمل
خليل زادة في مكتب تخطيط السياسة التابع
لوزارة الخارجية الأميركية ، ثم مساعداً
خاصاً لدى الرئاسة الأميركية لشؤون جنوب
غربي آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا ،
و بالذات في مجلس الأمن القومي الأميركي ،
و كان ضمن مخططي السياسة الذين اقنعوا
إدارة ريغان ، بتزويد المجاهدين الأفغان
بأسلحة وصواريخ ستينغر المضادة للطائرات .
في عهد بوش الأب شغل منصب مساعد لنائب
الوكيل الدائم لوزير الدفاع الأمريكي
لشؤون التخطيط السياسي ، و بحكم مركزه لعب
دورا في حرب الخليج الثانية الذي أخرج
الطاغية صدام من الكويت ، أهلته للوصول
إلى منصب مساعد وزير الدفاع الأمريكي
لشؤون التخطيط السياسي ، و بعد الانتخابات
الأمريكية سنة 1992 و خروج بوش الأب من
الرئاسة ، أسس مركز دراسات الشرق الأوسط
في مؤسسة راند كوربوريشن التي تعتبر مركز
أبحاث للبنتاغون ، ومن محطات حياته بأن
تشيني نائب الرئيس الحالي حينما كان وزيرا
للدفاع ، منحه وساما و قربه من مراكز
القرار أكثر لدوره في الحرب العراقية
الإيرانية ، و تذكر بعض المعلومات أيضا
بأنه لعب دورا بخلق جماعة الطلبان ، مع
عراب هذه الجماعة الجنرال الحاج محمود غول
مدير الاستخبارات الباكستانية الأسبق ، و
كان زلماي يعلن صراحة بضرورة توثيق
العلاقات مع أمريكا و حكومة طالبان ،
حينما كان يعمل في عهد كلينتون في المكتب
الخاص برسم السياسات بواشنطن ، وكتب عدة
مقالات في جريدة واشنطن بوست مطالبا برفع
الحصار عن طالبان ، متذرعا بأن طالبان لا
تمارس تصرفات متشنجة ضد السياسة الأمريكية
، مثل ما تفعلها حكومة الملالي في إيران
ضد الولايات المتحدة الأمريكية ، و تفيد
بعض المعلومات الأستخبارية بأن زلماي خليل
زادة لعب دورا مهما في التوجه الأمريكي
للهيمنة على منابع النفط ، خلال عمله
كمستشار في شركة يونوكال النفطية
الأمريكية ، و هي نفس الشركة التي خططت
لمد أنبوب للنفط من بحر الخزر وعبر
أفغانستان و باكستان ، و تذكر المعلومات
بأنه بتكليف من هذه الشركة النفطية
العملاقة ، حاول تغيير ذراع السياسة
الأمريكية لصالح الطالبان ، و لاحقا
بتأثير من بن لادن لم توافق حكومة
الطالبان على مد الأنبوب المذكور ، و وفاء
منه لشركة يونوكال النفطية رشح أحد
موظفيها لرئاسة الأفغان ، وهو السيد قرضاي
الذي كان يعمل في تلك الشركة ، و الذي كان
حصل من جراء عمله فيها على ثروة ، ساعدته
لفتح سلسلة من المطاعم في أمريكا مختصة
بالأكلات الأفغانية و الشرقية ، و بعد حرب
أفغانستان كتب زلماي عدة مقالات في جريدة
واشنطن كوارترلي حول السياسة الأمريكية في
مكافحة الإرهاب ، مما دعت الإدارة
الأمريكية في عهد بوش الابن لضمه إلى فريق
الأمن القومي للعمل مع رايس في بلورة
السياسة الأمريكية في الخليج و أسيا
الوسطى ، و بحكم منصبه و تحليلاته عين
سفيرا في أفغانستان و من ثم ممثلا لجورج
بوش لدى المعارضة العراقية فبل سقوط نظام
الديكتاتور صدام حسين .
رغم تجاوز زلماي نصف قرن من العمر ، و لكن
المقربين منه يقولون ، انه يميل ظاهريا
إلى المزاح و المرح و حب الولائم و
الحفلات ، و يميل إلى لبس الملابس الأنيقة
الفاخرة الفرنسية ، و المقربون منه يقولون
بأنه يفقد الجدية ، و لكن بحكم الوظائف
المهمة و الخطيرة التي تبوءها يتظاهر
بالظهور بهذه الصورة ، ليخفي خبرته في حفر
الخنادق و الأخاديد في وجه المعارضين
للسياسة الأمريكية ، و شخصيته الحقيقة
مقولبة في أطار القرن الجديد الأمريكي .
من خلال هذه النبذة عن حياة أحد أهم
المنفذين للسياسة الأمريكية في العراق ،
نجد أسباب التي دفعت بزلماي إلى فرض العرب
السنة على الساحة السياسية وجعلهم
المعادلة الصعبة في مستقبل استقرار العراق
، الذين بدورهم يمثلون أيضا مذهبه ، و في
نفس الوقت هم امتداد للدول النفطية
العربية التي تدير في الفلك الأمريكي .
في المنظور اليومي قد يلاحظ البعض بأن
تكتيك سياسة وزارة الخارجية الأمريكية و
الدفاع كانت تجريبية غير واضحة المعالم و
انتقائية ، تعتمد على التجارب تجربة أو
خطة ما تنفذها على الأرض و من ثم تتراجع
عن تلك الخطة إلى أخرى ، غير مبالية
بالجهد والزمن و المال و الدم ، كأن شعوب
منطقتنا قد أصبحت حقل تجارب للكابوي
الأمريكي ، شيئا فشيئا أصبح التلويح
بتغيير المنطقة بالعصا أمرا مستبعدا ،
بحيث انتهى الأمر بأمريكا بأن ترسل
خارجيتها إشارات لحكام المنطقة بأنها لا
تتبنى بأي شكل من الأشكال سياسة وزارة
الدفاع المعلنة ، المبنية على تغيير
الأنظمة من أنظمة سلطوية إلى أنظمة تعددية
بالتلويح بالقوة العسكرية ، و بالتالي
سياسة وزارة الخارجية كانت تخفي أجندتها ،
التي لا تؤدي إلى أية نتائج على مستوى
التطور الديمقراطي حتى في اضعف حلقاتها ،
في حين أن شعوب المنطقة كانت تتوقع الخروج
من التقوقع إلى فضاء الحرية ، بالتغيير
والتلويح بالعصا لا بالجزرة في وجه حكامها
المستبدين ، و لاحظنا كيف تدفقت الدماء
الجديدة في عروق القوى المغيبة بعد تغيير
النظام في العراق ، في مصر و سوريا و
لبنان وفي العالمين العربي و الإسلامي ، و
عبرت منظمات المجتمع المدني في هذه الدول
عن همومها و أمانيها بصورة علنية ، سرعان
ما خف وميضها و لجمت هذه المؤسسات و
منظمات حقوق الإنسان بقدرة قادر ، و الخطأ
الآخر في السياسة الأمريكية بأنها كانت
تهتم بنتائج أخطائهم وردود الفعل في
الساحة الأمريكية و ليس ردود فعلها في
العراق و المنطقة ، و بالتالي أضطرهم
الحراك السياسي في المنطقة باللجوء إلى
فقه الأوراق ( تقارير الاستخبارات و
المخابرات ) وليس فقه الواقع حسب جيوسياسي
متكامل ، وعليه لم يمنحوا القوى السياسية
المؤثرة القدرة الكافية ، متصورين بأن
الثقافة الديمقراطية سوف توصلهم إلى
أهدافهم ، لهذا الحوا على الانتخابات و
لمرتين خلال سنة واحدة ، متناسين بأن
ثقافتنا الديمقراطية لحد الآن جديدة وهي
ثقافة لغوية ، مما اضطرت القوى السياسية
الناشدة للديمقراطية و الحريات و
العلمانية ، الجلوس في المقاعد وسط واحة
من الفوضى الديمقراطية ، نعم بعد مجئ
الوافد الجديد إلى المنطقة ، كان الكثير
من المحللين يتصورون للوهلة الأولى بأن
العد العكسي للتغير قد بدأ ، و سرعان ما
جعلت أمريكا من هاجس الانتخابات الأمريكية
و الرأي العام و الموارد المالية
والتضحيات البشرية سببا مؤثرا في تغيير
بوصلة اتجاه الرياح ، دلت على قصر نفس
كأنها ليست دولة عظمى و ليس لديها
إستراتيجية و مراكز دراسات تتوقع و تدرس
نتائج الأحداث ، هذا التغيير والتحفظات
الأمريكية تركت انطباعا لدى أنظمة المنطقة
بأن واشنطن مكبلة اليدين بسبب الفوضى في
العراق ، و التي لاحظتها هذه الأنظمة من
أن المشروع القومي الأمريكي و السياسة
الخارجية أسيرة صندوق الانتخابات كليا ، و
تحت عباءة الانتخابات الأمريكية وغيرها من
الأمور الداخلية كالإجهاض و الضرائب و
التأمين الصحي و المتقاعدين .. . الخ ، أي
أنها ليست في موقع يسمح لها بالاستمرار
بأجراء التغيرات في المنطقة ، و هذا ما
طمأن حكام المنطقة للاستمرار في نهجهم
الاستبدادي أكثر ، و من ثم سربت الخارجية
الأمريكية إلى حكام المذعورين من أن جناح
الصقور قد استبعدوا من ملف نشر
الديمقراطية في الشرق الأوسط ، و أوكلت
أليهم فقط مكافحة الإرهاب ، وان مخططي
الإستراتيجية من الحمائم قد تخلوا عن
المواجهة ، و هذا ما أنعش حكام المنطقة
أكثر و في المقدمة تركيا والدول العربية ،
و في نفس الوقت فهم النظامين القمعيين
السوري و الإيراني بتخلي الأمريكان عن
سينارو صدام أو الخيار الليبي ، و هذه
الأنظمة المحافظة منها والراديكالية
المتفقة على قمع الشعوب ، وصلت إلى قناعة
بأنه بإمكانهم عدم الرضوخ لمطالب شعوب
المنطقة في التغيير ، و ضربوا بعرض الحائط
المطالب بالشفافية و الديمقراطية التي
عرضتها الإدارة الأمريكية من خلال جناح
الصقور بعد أحداث 11 سبتمبر ، و أخذت هذه
الدول بالتذرع بالمآسي الجارية في العراق
لمنع التغيير و للتهرب من الإصلاحات بحجة
الخوف من الإرهاب والفوضى ، في حين يعرف
الطفل الرضيع بأن هذه المآسي الجارية في
العراق هي أساسا من صنع هذه الدول ، و
يعرف الأمريكان قبلنا بأن دول المنطقة هي
التي احتضنت أزلام النظام السابق ، و هي
التي ترسل الإرهابيين إلى العراق و تمول
الأعمال التخريبية ، و تشترك وسائل
الأعلام المختلفة في هذه الدول بتشجيع
الإرهاب ، بل وهناك مكاتب علنية في قطر و
الأمارات والبحرين و الكويت و اليمن و
السعودية وغيرها من الدول تجمع التبرعات
السخية لتمويل الإرهاب . ونتيجة ازدواجية
تكتيكات السياسة الأمريكية و تخبطها
الظاهري ، الذي يراد منها عدم حسم الموقف
لصالح حرية الشعوب كما أدعت في السابق ،
دخلت إسرائيل على الخط بالتهرب من
التزاماتها في خارطة الطريق ، لتضيف على
كاهل السياسة الأمريكية بعدا آخر و حجة
أخرى لكي لا تلتزم بتعهداتها ، و في نفس
الوقت طمأنت إسرائيل أصدقاءها من حكام
المنطقة بأنهم في مأمن ، بذلك كشفت كل هذه
الأطراف عن وجهها الرافض كلية للإصلاح و
للديمقراطية وأسقطت من أجندتها عامل الخوف
من سقوط أنظمتها ، رغم تلويح بعض الأوساط
من المحافظين الجدد بالفوضى الخلاقة ، ولم
تكتفي وزارة الخارجية الأمريكية بتطمين
مخصييها من حكام العرب و المسلمين ، و
خاصة بعد أن استلمت كوندليزا رايس حقيبة
الخارجية الأمريكية ، بل تراجعت من عدة
محاور وأرسلت مذكرات إلى حكام الأغبياء
لهذه البلدان المصطنعة ، تفسر فيها نظرتها
إلى مبادرة الشرق الأوسط الجديد ، و تبين
بأن التراجع الأمريكي جاء ليتبنى النظرة
المصرية السعودية لأحداث المنطقة بعد
تضخيمهما الخطر الشيعي الكوردي ، مدعية
بأن مشروع التنمية الأقتصادية والأصلاح
السياسي في المنطقة ، هي مجموعة من أفكار
للإصلاح و أن دول المنطقة ليست ملزمة بأن
تطبق كل الأفكار و المقترحات جملة واحدة ،
و فسرت ذلك بقول حق يراد بها باطل ، حينما
أدعت بأن يتم تطبيق الأفكار والمقترحات
بما هو متلائم مع خصائص هذه المجتمعات ، و
وفق ما تراه كل دولة ، و كشفت عن تراجعها
أكثر حينما أدعت في مذكرتها التي أرسلت
إلى الدول العربية قبل مؤتمر القمة
العربية الذي انعقد في تونس بتاريخ
23/5/2004 ، من أن اهتمام أمريكا بتطور
هذه البلدان دافعه لاستمرار الاستقرار
السياسي الذي تنعم به سلطات هذه البلدان ،
و لمنع الانفجار الداخلي كان وراء
اقتراحاتها ، بعد أن رأى الخبراء
الأمريكيون بوجود عوامل داخلية كامنة ،
وغير ظاهرة تبعث على الانفجار الداخلي ، و
تدفع الأنظمة المستقرة إلى أوضاع غير
ملائمة ( و كانت نص هذه العبارات ما جاءت
في رسالة الخارجية الأمريكية إلى وزراء
الخارجية العرب ) ، أي بمعنى آخر بأن
التدخل في العراق لم يكن القصد منه إسقاط
أسس الدولة العراقية كنظام سني عربي أقلية
فيها تحكم الأكثرية ، بل الغاية منه هو
التدخل للمحافظة على القديم بعد أن أصبح
نظام صدام حسين في غرفة الإنعاش ، و رغم
مساندتها لهذا النظام فأنه أصبح في وضع لا
يمكن تأهيله بحيث يساير ركب التطورات
الدولية ، و لا يمكنه تحجيم المعارضة
الداخلية والخارجية للنظام ، بعد ازدياد
ضغوطات الرأي العام العالمي عليه . و لغرض
ترويض الكورد و الشيعة بعد المجئ إلى
العراق ، وللخروج من العزلة عن الأكثرية
العراقية و العالم ، أدعت بأنها تريد
مشاركة جميع مكونات الشعوب العراقية في
مسيرة الحكم الجديد ، من خلال التمهيد
لمشاركة واسعة للجماهير في الانتخابات
وصولا إلى دستور دائم للبلاد ، و رويدا
رويدا ظهر الالتفاف الأمريكي من خلال خلط
الأوراق ، بنقل المندوبين الساميين
الجنرال المتقاعد جي غارنر ، الذي عمل في
العراق تحت عنوان رئيس مكتب أعمار العراق
، و ما رافق عمله القصير من غموض في طبيعة
الاختصاصات الموكلة إليه ، و جاء بعده في
مايو 2003 السفير بول بريمر الذي غادر
العراق في حزيران 2004 ، و من ثم عين
السفير جون نيغروبونتي الذي كان قد اشتهر
في قمع معارضة نيكاراجوا في الثمانينات من
القرن الماضي ، و جاء بعده رجل المرحلة
الرابعة زلماي خليل زاده ، الذي يصفه
نقاده بأنه في العراق يلعب على التناقضات
والخلافات المذهبية والعرقية لإظهار نجاحه
، كما كان يفعل في بلده الأصلي أفغانستان
، و كانت أمريكا قبل أجراء هذه التنقلات
المتعاقبة قد رضخت إلى أرادة فرنسا وأوربا
وروسيا ، حينما وافقت على استصدار قرار من
مجلس الأمن بكونها دولة محتلة للعراق ، في
حين كان الأجدى بها أن تكن لديها أجندة
واضحة ، كتشكيل حكومة عراقية حال احتلالها
للعراق و إسقاطها للنظام ، و أغراها
الانتصار العسكري السريع بإسقاط نظام
الطاغية الهش و المتآكل ، و لم تكن متحمسة
في أول الأمر بوضع حد للخروقات الإقليمية
للوضع العراقي ، و كذلك لم تتوقع ظهور
هياكل و مجسمات من أناس لم يكن لهم رصيد
أو وزن ، مثل الجاهل مقتدى و أمثال من
يسمون بهيئة علماء المسلمين ، هاتين
الجهتين منحتهما أمريكا حجما لا يستحقانها
، و ثم شجع زلماي المطلك و آخرين من
حثالات البعث و بقايا المذهبيين ، و
احتضنت هذه الجهات و بتشجيع إقليمي كل
المجرمين و الإرهابيين التكفيريين وأيتام
و أزلام النظام السابق ، و تركت أمريكا
لهم الحبل ليعيثوا في الأرض فسادا ، بحجة
جمع الإرهاب على ارض العراق وأبعاد
خطورتهم من أمريكا وأوربا ، فلوا أنها دقت
الحديد وهو حار ، و سلمت رجال النظام
السابق إلى العدالة العراقية و نفذت فيهم
قصاص الشعب ، وسمحت باعتقال المجرم مقتدى
حينما قتل المرحوم الشهيد السعيد عبد
المجيد الخوئي ، ومن معهم المشاركين في
الإرهاب و القتل و التخريب من هيئة الخطف
و القتل ، لما أفرخت هذه الجهات عشرات
العصابات و المافيات ، و لما كانت الأوضاع
تصل إلى هذا المنحى الخطير . قد يظن البعض
بأن لأمريكا بعض الأهداف قد تخدم في
نتيجتها بعض الشرائح المغبونة في
مجتمعاتنا الشرقية ، لكن المنطق يقول ليس
من المعقول الوصول إلى تلك الأهداف عن
طريق المزيد من الدمار و الدم وعن طريق
خلط الأوراق ، و أن طول المدة الزمنية
للأوضاع الأمنية غير المستقرة ، معناه
مزيدا من الدمار و القتل والتخريب و هذا
ما لا يرضاه كل صاحب ضمير حي ، و لا يمكن
أن يوصل الإنسان السوي إلى أهدافه على
حساب مآسي و معاناة أخوته في الإنسانية و
في المصير ، وقد تفرض أجندة معادية لشعوب
المنطقة نفسها من خلال طول الفترة الزمنية
للتغيير ، محاولة استغلال الفلتان الأمني
و البطالة و العوز ، و خاصة في أجواء
الصراع المحتدم الجاري في أسلوب وزارتي
الخارجية والدفاع الأمريكيتين المختلفتين
في طريقة الوصول إلى تلك الأهداف ، كما
معلوم في السياسة لا توجد صداقات دائمة بل
هناك مصالح دائمة ، قد تجعل الكثير من
الملفات المستحقة على الرف ثانية لتلفها
الغبار ، و تتقاذفها رياح الأهواء و
الاجتهادات والمصالح ، لتبقى لعقود أخرى
في دهاليز النسيان كما تريدها الأنظمة
الإقليمية و مصالح الشركات العملاقة .
و نحن الكورد نراقب ما يجري في عمان ، و
نريد توضيحا لما جرى من أستبعاد الكورد
كجناح مهم من تلك اللقاءات ، و نتسأل ماهي
المكتسبات الكوردية المستقبلية كأمة
مغبونة من المشاركة في العملية السياسية ،
لأننا يهمنا الفعل لا المجاملات و لا نحصر
طموحاتنا وحقوقنا في الأشخاص ، مجرد كون
فخامة رئيس الجمهورية كورديا و بصلاحيات
معروفة ، أو سيادة رئيس الأقليم كوردي و
لا زال هذا الأقليم مبتور ، أو كون السيد
وزير الخارجية كوردي وهو محاط بأسلاك و
قيود ذاتية و موضوعية و دولية ، و رغم
أهمية تواجدهم في هذه المناصب لا يعني ذلك
بأنهم سوف يسكوت عن لجم حقوقنا المشروعة .
ملامح لجم الطموحات و طمس الحقوق واضحة في
كرنفالات عمان الحالية ، و خاصة بعد زيارة
رجب اوردغان الى الأردن ، و وجود ممثل
المخابرات السعودية في عمان ، جرى ذلك
سابقا على حسابنا في الجزائر و أن أختلف
المكان والزمان حاليا ، و من ثم طبقها
زلماي على الهزارة في أفغانستان ، فنحن
حذيرون رغم ان فشل نتائج تلك الأجتماعات
مؤكدة ، و تصريحات السيد عبدالعزيز الحكيم
خير دليل ، ولأن السنة و من ورائهم من
العربان يريدون أرجاع القديم الى قدمه حسب
تصريحات الضاري ، و حسب تصريحات الهاشمي
كأن شيئا لم يحدث على الأرض خلال هذه
السنين ، يريدون أطلاق سراح الطاغية صدام
و هذا ما عرضه وزير الدولة لشؤون الخارجية
السعودي على الجامعة العربية ، و يريدون
الغاء أحتثاث البعث بل يريدون تأهيل
للعودة ، و اعادة المخابرات و الأمن و
الجيش الصدامي و تعويضهم ، وعلى ساسة
ومثقفي الكورد الأثبات للجميع بأننا لسنا
شهود زور لما يحاك ضدنا ، لآننا يقضون
كيقضة الصقور .
نحن نعرف من هم أعداؤنا و ان أختلفت
الشكليات والصور والمستجدات والشخوص ، كل
المؤشرات تؤكد بوجود محاولات لحياكة
مؤامرة كبيرة ولا سيما ان الأمريكان
متخبطون ، و نرجو من الأخوة الشيعة الحذر
كحذر النسور، و نؤكد بأن المؤامرة الكبرى
سوف تكون على حلفائنا الشيعة ، بعد
محاولات لجم الحقوق الكوردية المشروعة ، و
الأيام المقبلة تثبت صحة ما حذرنا منه .
|