Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 
الـهديـة

نجيب كعواشي

.المغرب.
أمامي مهلة كافية لتحط هديتي الرحال في علبتها البريدية, في آجال معقولة. فكرتكثيرا في الهدية التي تصب في خانة ما تستحسنه. عدة اختيارات تلعب معي لعبةالإغراء, وتشرأب بعنقها, وتقدم لي نفسها في أحسن الحلل: أشرطة غنائية كلاسيكية؟حقيبة أم ساعة يدويتان؟.. ولم لا هاتفا متنقلا, وأساير روح العصر؟فكرت في هدية مغايرة لما يتهادوه الناس في مثل هذه المناسبات أو غيرها.. وحتىأتخلص من حمى الاختيارات, وضعت نفسي مكانها, وفكرت في الهدية التي يمكن أنترضيني.. هي تعشق القراءة والكتابة, وتكتب قصصا نالت حظها من النشر, أسلوبهاينم عن مستوى يعد بمبدعة, ستحفر مكانها الأدبي والإبداعي. أول ما تبادر إلىذهني أن أهديها كتبا. دونت بعض عناوين الإصدارات الأخيرة, ونويت أن اشتري بعضامنها, وأضحي بقسط من راتبي الذي يسمح لي بالكاد أن أبقى محسوبا على الأحياء,لكن مصارف طارئة على ميزانيتي, أجبرتني على إقصاء هذا الاختيار.. تذكرت أنهاأرسلت إلي آخر ما كتبت من قصص قصيرة, قلت لها بأنها تصلح لتكون أول مجموعةقصصية لها, واقترحت عليها أن تخوض التجربة, لكنها لم تجب عن اقتراحي, لا علىالمدى القريب ولا حتى البعيد, وبقي المشروع حبيس النوايا..وجدتها.. لماذا لا أهديها بعضا من قصصي التي كتبتها؟ ستكون هدية غير مسبوقة,خصوصا وهي تجهل أنني أكتب قصصا, لم أخبرها من قبل, أتكتم على الآمر بل وأكتببإسم مستعار, (للأمانة الأدبية, أنا كاتب هاو, وأحاول أن أخوض هذا البحر الخطيرعلى سباح هاو مثلي). سبق لي أن نشرت في بعض الجرائد الوطنية, وقرأها بعضالزملاء, وعبروا لي عن إعجابهم بما أكتب, وشجعوني على المزيد من الكتابة..راقتني الفكرة واطمأننت لها, وفي صباح الغد نفذتها. هاتفتها وأخبرتها أن شيئاما سوف يصلها عبر البريد, لم أقل لها ما هو لكي لا أحرق المفاجأة, ولم أرىبدوري أي إلحاح منها على معرفة ما هو أو استباق الأمور.. مر الأسبوع الأول منالسنة دون أن أتلقى منها ردا أو رنة. قلت في نفسي: لم تتوصل بعد بشيء, حاولت أنأتصل بها لكن هاتفها مطفأ, ربما لم ترد أن تتصل بي لكي لا تقول بأنها لم تتوصلبشيء, ممكن, هي عملية جدا, وتفكر بمنهجية. لكن الهدية إلى علبة بريدها لا يمكنأن تأخذ كل هذا الوقت, إذن, ما سبب هذا الصمت؟ هل يمكن أن تضيع الهدية أثناءالنقل؟ كل شيء جائز, وسواس من نوع آخر يقول لي إنها لم تستحسن الهدية, هي لاتعرف أنني أكتب, هل يمكن أن تكون الغيرة؟ هل تستكثر علي هذا الجانب؟ هل تظن أنلها وحدها موهبة الخصوبة والإنتاج؟ هل تشعر أنني أقاسمها الخلق والإبداع؟ هواجسقبيحة استبدت بي وأنا أبحث من بينها, عما يمكن أن يكون وراء سياسة الصمت هاته,تابعت المنابر التي تنشر بها, لكن يظهر أنها توقفت عن النشر, لها أسبابهاالخاصة, ولا يحق لي رغم الصداقة, أن أجبرها أن تبرر أفعالها, أو تعطيني كشفابها. تركت المسألة للوقت, فهو كفيل بتبديد الهواجس. مرت مدة طويلة, وصممت ألاأشقي نفسي بالموضوع, وأعطيت الراحة البيولوجية لبنات أفكاري للدخول في بياتهاالشتوي, ويختمر مخزونها, وتتخصب أكثر, وتطلع بالجديد..وأنا أتصفح يوما جريدتي المفضلة, قرأت إعلانا عن مسابقة ثقافية في القصةالقصيرة, تنظمها إحدى الجمعيات الثقافية, إيمانا منها باكتشاف وتشجيع المواهبالمغمورة, وتمكينها من الوصول إلى القراء, عبر نشر إبداعاتها. قلت في نفسي:قصصي في حاجة إلى تقييم أصحاب الاختصاص, يتعاطف معها الأصدقاء والمقربون, وربماعلى سبيل المجاملة, يتكبدون مشاق قراءتها, لكن هذه المسابقة سوف تتيح لي, فيحالة فوز قصتي اللقاء بنخبة مثقفة محايدة, وهي فرصة مهمة لاختبار مستواي. أرسلتقصة كتبتها منذ وقت طويل, أخذت الآن شكلها النهائي بعد المراجعة والتنقيح, وبعدشهور قليلة ظهرت النتيجة, وتوصلت برسالة تهنئني بحصول قصتي على مركز من المراكزالخمسة, التي تخول الحصول على جائزة. قصتي جاءت في المركز الثاني, وكنت فيمستوى الحدث والرهان, ولم يبقى سوى السفر إلى مقر الجمعية لحضور حفل توزيعالجوائز, وهناك.. رأيتها. نعم.. رأيت صديقتي مع أطر الجمعية والفائزين, ألم أقلإن الوقت كفيل بحل الأسئلة؟ التقت نظراتنا فقرأت في عينيها ضيقا لم أستطعتأويله, ملامحها ملغزة, واستعصى علي سبر أغوارها. بعد التحيات والتهانيالمتبادلة, سألتها عن هذا ا الغياب وعن أمور أخرى, فأجابت والاضطراب يكبلها,أنها كانت خارج أرض الوطن, هنأتها على رجوعها سالمة غانمة, وعبرت لها عن سروريالكبير بفوزها, لكن كلامها بدا لي باردا, وعباراتها بلا روح, ولا دفئ, وفيعينيها مازال متوهجا سؤال عزوته إلى أنها تفاجات بحضوري, تغيرت سحنتها, واحتقنتقسماتها, وكأنها تختنق, سألتها هل تحس بألم أو وعكة؟ أومأت لي أنها بخير, ولاداعي للقلق, ثم ومن دون استئذان, قامت وغادرت القاعة. خطر لي أن أتبعها, ولكنفي هذه اللحظات أعطيت الكلمة لرئيس الجمعية, ثم لرئيس التصحيح النهائيللمسابقة, مبتدءا كلمته ببعض النصائح والتوجيهات للكتاب والمبدعين الشباب.. بعدذلك بدأت قراءة النصوص الفائزة بأصوات أصحابها, وبترتيب تصاعدي. جاء دوري وقرأتقصتي, ولما انتهيت من قراءتها, قلت لمؤطري الحفل إن صديقتي تعتذر عن الحضور,وسأنوب عنها, وأقرأ قصتها على الحضور.. وما أن شرعت في القراءة حتى.. صعقت..إنني لا أصدق ما أقرا, وما أرى.. انقشعت سحب الخدر, وانطفأ سحره لأفيق على هولالمفاجأة.. أكاد أجن. أبراج من رأسي تطير الواحد تلو الآخر في سماء الصدمةوالذهول. اخترقت سكاكين الغدر صدر فرحتي.. القصة الفائزة من تأليفي. وحدهالعنوان تغير..


 

 

 

 


 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE