|
الأبــراج
نجيب
كعواشي - المغرب
تصفح مجلة نسائية قديمة ومتهرئة,
مواضيعها تافهة, وموجهة إلى نساء
سطحيات. أخذ
جريدة اليوم. شاخت قبل الأوان من
فرط التصفح. توقف عند صفحة
الأبراج. لا بأس أن
يقرأ برجه حبا في الاستطلاع,
وقتلا للوقت:
يوم الحظ السبت.. ستجود عليه
النجوم بالسعادة الأبدي, وتفتح في
وجهه بوابات
السعد والبركة..
انتهى الحلاق من رأس الزبون, وشرع
ينظف كرسي الحلاقة ويكنس بقايا
الشعر من على
الأرض, في انتظار الأجرة. تعمد (كمال)
أن يتأخر ليكمل ويعيد قراءة برجه.
دخل
زبون آخر المحل. نادى الحلاق على
(كمال) فتنازل عن دوره للزبون..
غدا السبت.
سيكون يوما مشهودا.. صديق قديم له
أخبرته الأبراج يوما بأنه على
موعد مع حظ
حياته, في بحر أسبوع. لم يكن يثق
بالأبراج. يراها تخريفا وضحكا على
العقول
الحالمة, والقلوب الضعيفة..
<< كنز سوف ينزل عليك من حيث لا
تحتسب, ستتغير فيه حياتك رأسا على
عقب, وتصبح
إنسانا آخر, وأحلامك الأكثر جموحا
ستتحقق, وأرقام الحظ هي: 13.6.8
>>
ما هذه الأرقام؟ أهي الأرقام
الرابحة في اليانصيب, أم أرقام
الخيول التي ستفور
في (التيرسي)؟ المبلغ المرصود
كفيل بإراقة لعاب أكثر الناس زهدا
في الدنيا..
عبأ المطبوع.. و.. افتح يا سمسم..
وإذا به يحلق في سماء السعادة
التي أمطرت
الملايين, وأصبح يسير فوق الذهب.
من الحضيض إلى الفردوس. لم يعد
يرى صديقه..
الطريف أن (كمال) هو من أقرضه
النقود ليعبأ المطبوع. مر زمن ولم
يسمع عنه أي
خبر. ربما غادر البلاد بلا رجعة.
كلهم هكذا. في وقت الشدة, يلتفون
عليك كالذباب
على جثة نتنة, وعندما يغتنون,
يفتعلون العمى حتى لا يروا وجهك.
عادت به طائرة
الخيال إلى مطار الواقع. أرقام..
أرقام (اللوطو). حفظها عن ظهر قلب.
لم يكن معه
قلم. دفن الجريدة تحت ركام
الجرائد والمجلات حتى لا تصل
إليها الأيادي العابثة,
وينفرد هو بالأرقام السرية
الجالبة للملايين. غادر المحل
كالمحموم, ودون
استئذان.
آخر مساء لإيداع المطبوع.. أسرع
الخطى. المحل هو الوحيد بالمدينة,
وبعيد عن
صالون الحلاقة. بدأ سباقا ضد
الزمن. ليت الزمان يعود, أو يتوقف
قليلا, أو
يتمطط, لكي يصل في الوقت. دب بعض
اليأس إلى عزيمته. فكر.. لو كان
الزمن في هذه
اللحظة رجلا لقتله, كما سيقتل
فقره. أين آلة صعود الزمن, يركبها
ويطير ليعوض
الزمن الضائع, الذي أصبح يسبح فيه
الآن؟ مئات الأمتار تفصله عن
المحل, في رأس
الشارع. مسافة غير كافية لمعرفة
إذا كان المحل مازال مفتوحا.. لا
يستطيع معرفة
ما إذا كان مفتوحا أم لا. اللوحة
الاشهارية تبقى مضيئة ليلا, وليست
علامة على
أن المحل لا يزال مفتوحا. يمكن أن
يكون مغلقا وتظل اللوحة مضيئة..
يهرول. يزيد
من إيقاع الهرولة. لا تكفي
الهرولة. عقربا الساعة يحسهما
عقربين حقيقيين ينفثان
السم في حلمه.. يركض. خفقان قلبه
يزيد. يرفع من إيقاع الركض.
حبيبات العرق على
جبهته تتجوهر. خانته لياقته
البدينة التي كانت مضرب الأمثال.
كان كالجمل. لا
يكل. ندم على تفريطه في الرياضة.
آه لو كان في لياقته المعهودة..
تمام
العاشرة.. الأمتار المتبقية لن
تنتهي. قطع نصف المسافة وروحه
توشك أن تزهق.
الأمل يتبخر كخيط دخان. وصل منهوك
القوى وكأنه خارج من جحيم. الباب
مغلق.. وصل
متأخرا.. خسارة ما بعدها خسارة.
ضاع الحلم, وطارت الملايين.
هم بطرق الباب.. توقفت يده في
منتصف الطريق. قرأ إعلانا مكتوبا
بخط اليد,
وبكتابة رديئة:
<< يؤسفنا أن نخبركم بأن الجائزة
المخصصة لهذا الأسبوع قد احتجبت,
وذلك راجع
لحريق مهول, شب في المقر المركزي,
للشركة الراعية للمسابقة.. >>
|