|
جرت
العادة أن تكثر استطلاعات الرأي
والتكهنات واستباق النتائج قبل
إجراء أية مباراة رياضية أو
انتخابات ديمقراطية أو مسابقات
علمية أو حتى اختيار ملكة جمال
هذا البلد أو ذاك...!!، لكنّ
المراهنات التي سبقت انتخابات
الرئاسة في الولايات المتحدة
الأمريكية مؤخراً والتي فاز فيها
لأول مرّة في التاريخ سيناتور
أسود بمفتاح رئاسة البيت الأبيض،
كانت رهانات فوق عادية أو أشبه ما
تكون بالأحلام الرمادية الشبيهة
بالمقامرة لدرجة التهوّر لدى
الكثيرين من بسطاء العالم وخاصة
شعوبنا الشرق أوسطية وبشكل أخص
بعض المغفّـلين الجاهلين منهم
بمقولة: مهما تغيّر الرؤساء
فالسياسة الأمريكية واحدة لا
تتغير وكل الدروب في واشنطن تؤدي
إلى طاحونة البنتاغون الذي
يُعتبَر الرئيس الفعلي والعقل
المدبّر الحقيقي الراسم والمخطط
والمنفذ الوحيد لإستراتيجية
الأمريكان السائرين حالياً بخطى
راسخة وعلى هدى حكمة: واثق الخطى
يمشي ملكا...!؟، لكن يبدو أنّ
أحفاد جورج واشنطن ينحَون بشكل
دوري لجهة اللعب بأعصاب الآخرين
عبر افتعال غمامة تخمينية مشحونة
بمختلف الأيونات الإستغفالية حول
سر قوة دولتهم التي لا تهزها أية
رياح، بعد كل أربعة أعوام لا بل
كل ثمانية أعوام تنتهي وتسوق
العالم إلى ترقــُّب محطة استلام
وتسليم الإدارة من الجمهوريين إلى
الديمقراطيين أو بالعكس...!؟.
ولعلّ المراهنة الأكثر عجباً لا
بل تعجباً في هذه المرّة التي جرى
الترويج لها في منطقتنا الموضوعة
على قرن ثور هائج يؤرجحها يمنة
ويسرة، هي الترويج الإعلامي بأنّ
الرئيس أوباما المنحدر من أصول
أفريقية سيبدّل منحى سياسة دولته
بـ (180) درجة لصالح الآخرين الذي
دعوا له من بعيد بالتوفيق وصفقوا
لفوزه أكثر من أهله، وأنه سيقلب
الطاولة فوق رؤوس كافة الرؤساء
الذين سبقوه وبالأخص على رأس سلفه
الرئيس بوش الذي سيغادر منصبه
لانتهاء ولايته وليس لخسارته أمام
أحد، وأنه سيُحدث فور تسلـُّمه
لمهامه انقلاباً جذرياً ليس في
بلده فحسب وإنما على صعيد العالم
أجمع، وأنه سوف يغيّر قواعد
اللعبة الدولية وسيفعل كذا وكذا
وكذا وإلى ما هنالك من التصورات
الأوهامية التي قادت ببعض
الهواجسيين للقول بأنّ أوباما
سيسحب قوات "سلفه" من العراق
وأفغانستان وغيرهما من البقاع
المؤمرَكة بالسياسة والمال
والجنود والسلاح منذ سنوات بجرة
قلم وبين ليلة وضحاها أو بلمحة
بصر من لدن الأبصار الخاطئة.
في حين وجدنا ونجد وقد نجد بأنّ
قافلة الأمريكان ستسير وفق
سيناريوهاتها المحدّدة مسبقاً،
كائناً مَنْ كان ربانها، وأنّ
تجربة العالم تثبت بأنّ أية
مراهنة سلبية أو إيجابية على
إمكانية إجراء أي انقلاب في
السياسة الأمريكية هي هرطقات
خاسرة وقد ينقلب السحر فيها على
الساحر الذي قد يصطدم حينها
ويتحوّل إلى مسحور لا حول له ولا
حيلة وسط خيبة الأمل.
وبالمقابل فإن الرئيس الأمريكي
الجديد أوباما المطوّق بتركة
ثقيلة من التحديات الداخلية
والخارجية المتعددة الأشكال
والألوان، فقد بانَ مرجه قبل أن
يذوب ثلجه، وها هو لم ينتظر حتى
يتسلم مهام الإدارة بشكل رسمي،
ويقال بأنه قام منذ أيام بتكليف
فريق عمل لا بل فرقاء مختصين لرصد
وترصد أحوال بعض بلدان شرق أوسطنا
وخاصة تلك المعروفة بسخونة
الأوضاع فيها كإيران وسوريا
وإسرائيل ولبنان وغيره، وبموازاة
ذلك قال بعضا من أعضاء إدارته
الجديدة بأنه لا ينبغي أن يُساء
فهم أحاديث أوباما عن الانسحاب من
العراق الذي قد يشهد تسريعاً
للأحداث في عهده، وأن لا تستغل
طهران وغيرها مرحلة انتقال السلطة
في أمريكا، وأن لا يجري توظيف
الحوار الممكن مع إيران وسوريا
لصالحهما خاصة إذا ما استمرّت
الأولى في جهودها لإقامة
إمبراطوريتها المذهبية وإذا ما
واظبت الثانية باستباحة لبنان
وغيره من البلدان عبر توتير أجواء
المنطقة بتصدير المجاميع
الإرهابية وخاصة إلى دول
الجوار.
في كل الأحوال فإنّ معظم القراءات
السياسية وليس الرهانات الخلبية،
توحي إلى أنّ أوباما لن يحيد قيد
أنملة عن سياسات أسلافه الذين
تناوبوا على إدارة بلدهم بشكل
ديمقراطي سلمي يشهد عليه كافة
آدميي هذه الدنيا، ولذلك وجدناهم
كيف ساهموا رئيساً تلو الآخر في
إستكمال مستلزمات بناء وتطور هكذا
دولة قوية باتت قطباً وحيدا يحكم
العالم لا بل أصبحت سلطان
المعمورة بلا منازع.
=========================
26 ـ 11 ـ 2008
جريدة الصباح الجديد
|