|
لا يختلف إثنان بأنّ مدى إخلاص
آبائنا وأجدادنا لأوطانهم
وإعتزازهم بالإنتماء لها وحراكهم
للدفاع عنها والتضحية من أجلها في
مسعى طرد الإجانب منها، كان
مسلـّمة وطنية نابعة من شعور عال
بالمسؤولية ولا تشوبه أية شائبة.
وعندما إنجلت الإحتلالات الأجنبية
عن بلداننا في الخمسينات من القرن
العشرين، تفاءل الأهالي البسطاء
وظنّوا بأنهم تخلصوا من المظالم
الإنسانية إلى أبد الآبدين، لأنّ
ديارهم صارت أمانة في عهدة
أبنائها، ولأنّ زمام الأمور فيها
ستؤول حسب توقعاتهم إلى حكومات
وطنية لا يُعقـَل أنْ تخذل
بالمواطنين بمختلف إنتماءاتهم
القومية والدينية والطائفية
وغيرها، لكنّ هذه التوقعات أو
بمعنى آخَرْ "حسن النوايا" ما
لبثت أن خابت وإنقلبت الآية بشكل
عكسي عندما طغى الحكام المحليين
على عرض البلاد وطولها وحينما فاق
ظلمهم على مظالم أؤلئك الأجانب
الأغراب عنا، حيث ساد الإستبداد
بدلاً من الإحتلال وجرى الدّوس
على حقوق وكرامة الإنسان وإنساق
المواطن طوال العقود الزمنية
الماضية إلى متاهة الشعور بالغربة
عن وطنه، وتحوّل الإحساس الصادق
بالوطنية إلى مجرّد سرابات
تهويشية للحقائق واختلطت الأمور
في رمال الشعارات المتحركة التي
ابتلعت كل المفاهيم الصحيحة والتي
رفعت بزوبعاتها العاتية شأن الخطأ
الذي أضحى في العلالي وعزف ويعزف
على وتر إزهاق الحق ونصرة الباطل،
ليفقد الخيار الوطني معناه
الحقيقي وليندرج في خانة الصواب
الضائع الذي من العبث البحث عنه
في ظل سريان مفاعيل إستلاب إرادة
البلاد والعباد.
وقد كان حتى حين قريب ولا يزال
خيار الإستنجاد بأطراف خارجية
لتأتي وتتدخل وتخلصنا من ظلم ذوي
القربى، خياراً خاطئاً لا بل
محظوراً وقد يعرّض أصحابه لتهمة
التخوين والتعامل مع الأجنبي ضد
حُرمة البلد، لكنّ قيادة العراق
الجديد كانت قد تجرّأت قبل حوالي
خمس سنوات وأقدمت على تحطيم هذا
الحاجز الهواجسي حينما تحالفت مع
الأسرة الدولية التي بادرت ولبّتْ
نداءها وأرسلتْ قواتها لنصرة
أشراف البلد الذين لم يهدأ لهم
بال حتى حطموا إسطورة البعث وهالة
طاغيته صدام الذي لم يصمد طويلاً
وسقط بين ليلة وضحاها.
وللعلم فإنّ إستنجاد أهل بلاد
الرافدين بالعالم الخارجي لم يأت
بشكل عفوي ولا عَبَثي ولا من قبيل
الترَف السياسي، أي أنهم كانوا
يدركون بأنهم يرتكبون "هفوة"
مخالفة للأعراف والتقاليد التي
توارثوها عن أسلافهم، لكنهم لم
يفعلوا ذلك إلا عندما وجدوا بأنّ
دروب الخلاص مسدودة وأن صواب
الإعتماد على مركوب رافعة التغيير
الداخلي هو ضائع لا محال، وأنهم
مضطرون للإحتكام لرهان خارجي قد
يكسبوه ويخلصهم من حالة القهر
التي أجبرتهم على الإسترشاد
بمقولة: "مُـكرَه أخاك لا بطل"
وهذه بحد ذاتها حِكمة شهيرة لا بل
هي سياسة صائبة سلكها قدماء
أقوامنا في محاولة منهم للضغط على
الخصم وكوسيلة أخيرة لا بديل عنها
للتغلب عليه بدلاً من الإستسلام
والتواكل ورفع اليدَين إلى السماء
والدعاء على الظالمين.
ونظراً لما تشهده بعض بلدان
منطقتنا من حالات كثيرة مشابهة
للدّرس العراقي الذي قد يتحوّل
إلى عبرة لمن إعتبر، وقد يلقي
بظلال تداعياته على محيطه الشرق
أوسطي برمته، وبالتالي قد يُصبح
الخيار العراقي خياراً شائعاً في
الوقت الذي يسميه البعض بـ
"الأفغنة الفاشلة" ويعتبره آخرون
خطيئة لا تـُغتـَفَر ويقفون ضد
توقيع حكومة العراق الجديد على
الإتفاقية الأمنية الإستراتيجية
مع الأمريكان الساعين بشكل جدي
لإنهاء احتلالهم عبر التوقيع على
هكذا اتفاقية مصيرية تخدم مصالح
الطرفين في المدى البعيد الذي قد
يقي البلدين من مخاطر جمة.
في حين قد تصبح الإستغاثة بالأسرة
الدولية سياسة شبه وحيدة أو يتيمة
أو بالأحرى موضة أو "خطأ شائع" قد
يجري إستخدامه لاحقاً بشكل متكرّر
للنهوض بالمعارضة وتهيئة أجندة
الداخل بقصد إجراء التغيير
والإتيان بالبدائل الديمقراطية
الكفيلة ببناء دول عصرية تحترم
الحق والقوانين والدساتير وتنصِف
شعوبها.
وبهذا الصدد وبما أن المثل الشعبي
يقول صراحة: خطأ شائع خير من صواب
ضائع، ولما كان صواب الإعتماد فقط
على أجندة ذاتية لقلب الطاولة فوق
رؤوس الأطقم الشمولية المستبدة،
قد بات صواباً عبثياً شبه ضائعاً
ولا أمل فيه، فلا بديل إذاً أمام
الأطراف الديمقراطية في بلداننا
ولا حرج عليها فيما إذا قررت أن
ترتكب مثل هكذا "خطأ شائع" في ظل
ضعف فرص نجاح مساعي الحراك
الداخلي المحفوف بمخاطر
الانقضاضات الاستبدادية التي لا
ترحم كل مَن يحاول التحليق خارج
أسراب أولي الأمر.
=========================
18 ـ 11 ـ 2008
جريدة الصباح الجديد
|