|
التاريخ
البشري يشهد بأن شعب كوردستان
البالغ تعداده العام حوالي أربعين
مليون نسمة محرومة من أبسط الحقوق
الإنسانية والسياسية...!؟، والذي
يُعتبَر أكبر مكوّن قومي لم ينل
حقوقه الوطنية حتي الحين في هذه
المعمورة التي فتحت ذراعيها
لمختلف الشعوب والأمم الأخرى كي
تبني لأنفسها أوطاناً خاصة بها أو
بمعنى أدق دولاً قومية غير
مستباحة من قبل الأغراب الطامعين
بها....!؟، لم ينعم يوماً ـ أي
شعب كوردستان ـ بالأمن والإستقرار
والحياة السعيدة نظراً لأنّ موطن
الكورد يمتاز بموقع جغرافي
إستراتيجي بإمتياز...!؟، فهو
ملتقى الطرق الحيوية وصلة الوصل
الرئيسية بين قارتي آسيا شرقاً
وأوربا غرباً...، ولأنّ بلادهم
غنية بمواردها الطبيعية وبخاماتها
الباطنية كالبترول والمعادن
والمياه العذبة وغيرها من
الخيرات، ولأنها تمتاز بمناخ جيد
وبخصوبة تربة أراضيها الزراعية
التي بإمكانها توفير الإكتفاء
الذاتي لأهلها...!؟، ولكونها
تتميز بطيب أهلها الذين فتحوا
ويفتحون صدرهم وأحضانهم واسعة لكل
قاصديهم القادمين من كل صوب
وناح...!؟، ما جعل الطامعون
يطمعون بالخيرات ويغزون الديار
ويغيرون على الأهالي ويسفكون دماء
الأبناء ويطغون على البلاد
والعباد...!؟.
وبالمقابل كان أهل كوردستان
الآمنين يتعاملون مع كل تلك
الغزوات الدخيلة بأخلاقية دفاعية
وقائية عبر إتباع خيار العقلانية
السياسية كفريق إيجابي لا يريد
إيذاء الأخرين حتى وإن تحوّل
أؤلئك الآخرون إلى أعداء قاهرين
للحقوق وناكرين للجميل وفارضين
للإتاوات وناهبين للخيرات وسارقين
لأمال وطموحات وأحلام الأجيال
الكوردية التي كانت تولد وتحيا
وتموت كما يتامى العصور...!؟، بلا
أي مقوم دفاعي ذاتي من شأنه دفع
مختلف الشرور عن هذه الأمة
الباقية حتى الحين محتارة في
أمرها الذي فرض عليها البقاء في
فخ المحرومية القومية
والوطنية...!؟، أي بدون أن يكون
لها دولة ذات خصوصية قومية وحدود
سياسية وإعتبارات وطنية على
الصعيد العالمي أو بالأحرى إعتراف
دولي.
لكن المنّة الوحيدة التي منـّها
الله على الكورد الذين يمكن
إعتبارهم الشعب المحتار على وجه
هذه البسيطة...!؟، والمقوّم
الوحيد المتبقي للكورد الباقيين
في موطنهم الأصلي كوردستان رغم
مختلف الصعاب...، هو البقاء وعدم
الإضمحلال والإنصهار في بطون
الأخرين...، والبقاء وعدم
الإنقراض بحد ذاته يُعتبَر نعمة
يمكن الإنطلاق منها كأساس موجود
ويصلح كمقدمة لمهام إعادة ترميم
ما تهدم عبر تقويم ما يمكن تقويمه
من الناحية البشرية والإقتصادية
والسياسية والثقافية والإجتماعية
وغيرها...!؟، من خلال تدارك واقع
الحال وإدراك سبل البدء بحراك
واعٍ وموزون وبمقدوره إستكمال
مهام بناء دعائم الأمن القومي
الكوردستاني وذلك من منطلق دفاعي
بحت فالدفاع عن النفس هو خير
وسيلة للهجوم...!؟.
ولحسن حظ الأجيال الكوردية
الحالية والقادمة...!؟، فإنّ
هنالك ثمة بوادر تفاؤلية بمستقبل
أفضل في ظل تباشير تبشّر بوفرة
حظوظ الفوز لمختلف الشعوب
المقهورة كالكوردية وغيرها...!؟،
فزمن أوّل قد تحوّل بفضل سمة
العصر الذي نحياه فهو عصر إعادة
ترتيب العالم عبر إستخدام وصفة
العولمة التي باتت تطغى على
عالمنا المتحوّل بفضلها إلى عالم
صغير جداً وأشبه ما يكون بقرية
متباعدة المسافات الجغرافية لكنها
متقاربة جداً في ذات الوقت لا بل
هي متصلة ومتواصلة بفضل التقدم
الهائل في العلوم والمعارف ووسائل
الإتصال والتفاعل بين أدمي هذه
المعمورة التي ينبغي لها أن تبقى
عامرة بتوافق وتحابب وتجاذب أهلها
لا بتناقضهم وتكارههم وتنابذهم.
لكن حسن الحظ وحده لا يكفي لأنه
ليس ضامناً لعدم تعريض هذا الشعب
الأصيل للتعثر والتقهقر مرّة
أخرى...!؟، فالأمر يقتضي من الجيل
الكوردي الحاضر أن يسير في مسعى
نفض غبار الماضي عن أكتاف أمته
المقهورة عبر تهيئة الذات وإعداد
العدّة وتكثيف المساعي وإطلاق
الطاقات وبرمجتها وفق خطط تنموية
تشمل البشر والموارد معاً...،
وهذا لن يتم ما لم يُؤخَذ بعين
الإعتبار مهام وأولويات مختلفة
منها المتوفر ومنها الأخر ينبغي
توفيره كدعائم تشييدية لهذا
البنيان القومي الذي حاولوا هدمه
ونخر جسده عبر العصور
التاريخية...!؟، ولعل أولى هذه
الأولويات هي تعزيز أركان الأمن
القومي الكوردستاني الذي عنوانه
الأبرز هو: إطلاق الطاقات القومية
والوطنية الكامنة والبدء بمهمة
تحويل المجتمع الكوردستاني إلى
مجتمع إنتاجي عبر تنظيم التنقيب
عن الموارد وسبل إستثمارها وإدارة
الإقتصاد وتطويره ووضع الخطط التي
من شأنها دفع العجلة الإنتاجية
والإبتعاد عن مظاهر المجتمع
الإستهلاكي التي من شأنها إبقاءنا
أسرى لضغائن وهيمنة الطامعين...،
لكنّ الأمن القومي الوقائي الذي
هو خيار دفاعي لا غنى عنه سبيلاً
للدفاع عن العرض والأرض ولتحقيق
المرتجى...!؟، يبقى يشكـّل الضامن
الأكثر ضماناً لتثبيت الحقوق
القومية العادلة لشعب كوردستان
الذي يستحق ما يستحقه لا بل
حقـّقه الآخرون في أوطانهم.
وفي هذا المجال...، أي في مجال
السعي من أجل إستكمال مهام بناء
دعائم الأمن القومي
الكوردستاني...، فإنّ التجربة
الفدرالية التي تحققت في إقليم
كوردستان العراق بفعل تضحيات أهله
وبفضل عقلانية الشركاء في العراق
الجديد...، ينبغي الحفاظ عليها
عبر تطوريها بتثبيت دعائم إعمارها
وأمنها بشتى السبل والخيارات
وبشكل خاص الخيار الديموقراطي
السلمي المعتمَد لدى القيادة
السياسية الكوردستانية المتوافقة
بشكل ديموقراطي مع حكومة بغداد
الفدرالية الساعية لدمقرَطة
العراق وجعله بلداً تعددياً
موحداً تسوده سلطة دولة الحق
والعدل والدستور.
======================================
*مجلة الصوت الآخر ـ العدد 192
ـ الأربعاء 7/5/2008 م
|