|
الأستاذ
فرهاد عجمو من الشعراء الكرد السوريين
المبدعين له حضوره المتميز شعراً وشهرةً
وإنتاجا وذلك يعود لمعرفته الثرية بالتراث
الكردي , واطلاعه الواسع والدائب للشعر
الكردي قديمه وحديثه وكذلك الشعر العالمي
بأثره , أشكالاً وأسلوباً وأنماطاً ,
وامتلاكه لموهبة شعرية مصقولة بالثقافة
والتأمل الشعري فنراه وفي غالبية دواوينه
السبعة وخاصة ديوانه قيد البحث ( فصول
الحب ) الذي يضم مختارات من قصائده
الكردية ترجمها للعربية الكردي العراقي
والمترجم الخبير الأستاذ صلاح برواري ,
حيث يأخذ فرهاد في قصائده هذه بيد القارئ
, ويحلق به في أغوار الماضي وآفاق الحاضر
, وغرباً وشرقاً , ويظل يعزف على أوتار
هموم ذاته الشاعرية وآلامه وآماله , تلك
الأوتار الموثوقة أشد الوثاق بأوتار
إنسانية عامة , ووطنية , وكردية خاصة ,
إلى جانب مهارة فائقة في قنص المفردة
والتعبير واللوحة الساحرة والمتوهجة ,
مذكراً القارئ بوادي عبقر , راسماً واديه
ذاك بريشة العصر والحداثة وأنغامهما .
وبحكم قراءتي للكثير الكثير من قصائده
الكردية فقد لاحظت أن شاعرنا يؤجج التنازع
بين الفكرة والعاطفة في معظم قصائده ,
ويشعل قنديل العاطفة الجياشة بعود العقل ,
ويعقد بينهما – بين العاطفة والعقل –
تآلفاً وتناسقاً شاعرياً جذاباً و ساحرياً
ليرقصان سوية ويتألقان في صومعة التأمل
التي أنجبت الحالة الشعرية التي يكتب فيها
الشاعر قصيدته , فتتميز القصيدة لديه
بالبساطة المبدعة والسهل السحري إن جاز
التعبير. وأما مفرداته ومثلها تعابيره
وصوره فتحمل أكثر من مدلول , وقد يبقى
المدلول المقصود لديه هو وحده , ولكل قارئ
ما يراه من معنى , وقد تكون لكل قراءة
جديدة معنى أو مدلول جديد , مع احتفاظ كل
مدلول يستنبطها القارئ بالروعة والجمال
والرشاقة والشاعرية و ملزماً وعلى الأغلب
القارئ عدم الاكتفاء بقراءة واحدة لقصيدته
, كما نراه يورد مفردة بسيطة أو أخرى أكثر
بساطة لكنه وفي كل الأحوال يسمو في سعيه
لبناء فكرة شامخة , فعلى أجنحة خياله
الشعري يبني أهرامات من مفردات ما أكثرها
توافراً وبساطة , وعندي هذا جوهر الشعر
وقوته , وتحوم قصائده حول وطنه ولواعجه
وأمانيه , وتطفح بالأسى الباكي ,
والمآسي, والشكوى , والأحلام الخاصة
والعامة , والطموحات , والقبلة , دون أي
إفراط ببناء القصيدة الجميلة الناطقة
بأكثر من لغة , وأمل , وتضحية , وعنده
للمفردة هدفها في جملة تشاركها الهدف , في
نص مكلل بفكرة إنسانية نبيلة وهادفة , نص
يندد بالقبح ويسخر منه أو يتوج الجمال
والحق , وغالباً ما يجلس الوطن على مقعد
الحبيبة , وطالما أن لاشك أنه أحب وطنه
قبل أن ترتسم في قلبه صورة أية امرأة
حسناء , أو حبيبة , وهنا يصح القول ( ما
الحب إلا للحبيب الأول ), كما أن أشعاره
لا تحرم أحداً من وروده , فلكل قارئ أي
كان عرقه أو جنسه أو مذهبه أو دينه , ورود
في حدائقه , أما النص لديه فهو من النوع
المفتوح تماماً , بل والمفردة أيضاً
مفتوحة , وهو بارع القدرة في توظيف أشياء
لا حصر لها للإتيان بالحجة القوية والدليل
القاطع والصورة الشعرية , بل والوثيقة
الدامغة أيضاً على صحة قوله , فها هو يقول
في قصيدته ( وطني ) ص18 من ديوانه المترجم
( فصول الحب ):
وا أسفاه ! / شاهدة قبري / ستكون سند
ملكية حقلي / على أرضك / يا وطني ! / .
موضحاً بذلك أنه محروم من أية سند ملكية
لحقله طوال حياته سوى شاهدة قبره بعد
الممات , بل وربما يعني استعداده للموت في
سبيل حقه , وفي قصيدته ( سيف ) يقول :
إذا لم تعرف مكانك عندي / فاستلي سيفك /
وشقي صدري ! /
ألا نستطيع القول وطالما أن النص مفتوح
لأقصى الدرجات , أن الشاعر ومن أجل أن
يؤكد بالحجة القوية والوثيقة الدامغة حبه
لوطنه ( حبيبته ) يرضى بل ويدعو أن تشق
صدره بسيفها , أ فليس هذا دليل استعداه
للتضحية بروحه من أجل التأكيد والبرهنة
على عمق حبه ؟ , فينجح في تأكيده هذا
بكلمات قليلة ووافية , أما في قصيدته (
لست وحدي ) ص15 فيقول :
لست وحدي ... / من يعشق عينيك / بين براثن
الموت / لست وحدي ..... / من يرقب نهارك
وليلك / يا حبيبتي المسكينة / ثلاثون
ألفاً ألف / بقوا أسرى وبائسين / يلهثون
عشقاً /
فهو يخاطب وطنه وحبيبته الأُولى والأولى
مبييناً أنه أحد طيور سرب العشق البالغ
عددهم ثلاثين مليوناً فأية حسناء هذه ؟ و
أية جاذبية تمتلكها لتكون عشيقة كل هذه
الملايين , ومن الملفت أنه رسم صورة مدهشة
للعلاقة بين الشمعة والفراشة , في إشراك
شاعري متميز للشمعة مع الفراشة في محراب
التضحية والعشق , حيث يقول في قصيدته
معاهدة حب ص19 :
وحدها النجوم العابرة / بكت على جثتي
العاشقين / ومعاهدة حبهما ! /
كما ويؤكد على استحالة قدرته على نسيان حب
وطنه ص23 في قصيدة ( نجوم العشق ) , أما
بالنسبة لقصيدته ( الكرد) والذي يقول فيها
:
لولا تعاسة الكرد / لأصبح الشرق الأوسط /
مهد الأحلام
فكم من الحبر يكفي يا ترى لشرح وتوضيح
معاني ومدلول هذه الكلمات القليلة جداً ؟
.
أما قصيدته ( حبيبتي ) ص34 فتقول :
قبلك ..... / كنت أكذب عليهم / وكانوا
يصدقونني / بعدك ..... / كنت أفرش الصدق
أمامهم / لكن .... لا أحد / فتح باب أذنه
/ لي ! /
فكم هو عدد دلالات هذا النص المفتوح ,
الذي أخشى السباحة في بحره .
ثم ألا تختصر قصيدة ( المطر ) ص35 تاريخ
النشاط الإنساني وطموحه وآماله من أجل
الحرية وثمنها ؟ , ولا ينسى الشاعر مهمته
ودوره في توجيه أنظار شعبه نحو حيوية
الوحدة الأم الوحيدة التي تلد الحرية وذلك
في قصيدته ( باب الحرية ) ص36 . أما عن (
قامشلو) مدينته هذه فيقول وبعد أن حل ما
حل بها في ربيع ربيعها أن ليس لها من أمل
إلا عند هرمز الذي يمثل اله الخير عند
الكرد منذ أزمان غابرة . كما ويقارن
معاناتنا بمعانات الآخرين موضحاً أن ما
نعانيه في أيام أشد قسوة مما يعانيه الناس
في سنوات وذلك في قصيدته ( أيام ) ص41 .
كما ويتناول الشاعر عجمو موضوع الحب
بطريقة وأسلوب خاص , مبيناً أن لا معنى
لسنوات العمر بدونه , وأنه الشجرة الوحيدة
التي تحمل الخير فقط , وليس فيه أي أثر
للشر,وذلك في قصيدتيه (جدي ) ص49 و دود
ص55 .
ولأول مرة حسب معرفتي يستخدم في الشعر
الكردي في سوريا أسماء , غاليلو , نيوتن ,
..... , في توظيف لا أجمل ولا أروع منه .
وعليه والحق يقال بأنه مبدع في التوظيف ,
ولا يخالني الشك في أنه لو حاول توظيف
الزمن ( الساعة ) لتوضيح مدى حبه لحبيبته
لقال :
سألتني حبيبتي / كم هي الساعة لديك ؟ /
أجبتها على الفور / ساعتي وعلى الدوام /
الواحدة ظهراً ! /.
أو أنه سيجيب :
ألا تدرين يا حبيبتي / أن ساعتي وسعادتي
/ هي في يدك /
هذا ما تبوح لي قصائده, وخاصة مختاراته
المترجمة هذه.
هذا وقد برع فرهاد , في كتابة كل أنماط
الشعر وأساليبه , لكنه لم ينل ما يستحقه
من شهرة , مثلما لم تنل أشعاره الانتشار
الكافي واللازم وذلك يعود لكتابته بلغة
ممنوعة هي لغته الكردية , وأحوال الطباعة
والنشر في بلدنا سوريا , وكذلك كونه ابن
لشعب غير معترف به إقليمياً على الأقل ,
وكونه ابن بيئة تخلو من أي ود بين المرء
والقراءة , بما فيهم أبناء جلدته ولأسباب
عدة .
موسى زاخوراني
القامشلي في 8 / 2 / 2009 م
|