|
قراءة
في كتاب
"عدي بن مسافر ليس أموياً "
محسن سيدا
رغم الدراسات العديدة التي تناولت
اليزيدية ( الايزدية ) فإنها لا تزال تحظى
باهتمام الدارسين والباحثين ، وتتباين هذه
الدراسات في معالجتها للايزدية ( اليزيدية
) تبايناً واضحاً لا يخلو من التناقض
والمفارقات في كثير من الأحيان ، ومرد ذلك
عائد الى الغموض الذي يكتنف نشاة اليزيدية
وظهورها في حلبة التاريخ أول مرة ، إضافة
الى تقاطع المعتقد اليزيدي مع توجهات
سياسية ، قومية ، ودينية ملتهبة وراهنة
واقحامها في عملية البحث عن اليزيدية
وتاريخها .
في السنوات الاخيرة صدرت مؤلفات عدة في
حقل الدراسات اليزيدية حملت أفكاراً جديدة
، ومحاولة إعادة النظر في بعض رموز
اليزيدية وطقوسها وأعلامها سعياً منها الى
زعزعة بعض القناعات الراسخة حول اليزيدية
.
وفي هذا الإطار وضمن هذه السياقات من
الدراسات حول اليزيدية تندرج دراسة الكاتب
عبد الرحمن مزوري حول الشيخ " عدي بن
مسافر " .
وسأحاول في دراستي هذه مناقشة بعض القضايا
والآراء التي أثارها المؤلف في دراسته
المعنونة بـ " تاج العارفين عدي بن مسافر
الكوردي الهكاري ليس أموياً " (1) معتمداً
على أدوات المؤلف نفسه في النقد والتحليل.
هذه الدراسة كتبها المؤلف رداً على
المحققين حمدي عبد المجيد السلفي و تحسين
ابراهيم الدوسكي اللذين حققا كتاب "
اعتقاد أهل السنة والجماعة " (2) للشيخ "
عدي بن مسافر " وأرفقا الكتاب بآرائهما
حول اليزيدية والشيخ " عدي بن مسافر "
ورغم الجهود المبذولة في التحقيق ، كما
يقر المؤلف عبد الرحمن مزوري بذلك ، فإن
المحققين وقعا ، حسب رأيه ، في مطبات
وهفوات كان لا بدّ من استدراكها وتصويبها
خدمة للبحث العلمي .
يعالج الكاتب عبد الرحمن مزوري في دراسته
هذه نسب الشيخ " عدي بن مسافر " وأصوله
العرقية وجذور الديانة الإيزيدية ،
معتمداً على المصادر التاريخية والدراسات
الحديثة في هذا الحقل ، اذ ينفي النسب
الأموي للشيخ " عدي بن مسافر " مخالفاً
بذلك جمهرة من كتاب السير والتراجم الذين
تناولوا تاريخ الشيخ وسيرته . وبصرف النظر
عن أهمية أموية " عدي بن مسافر " أو
كرديته ، فإن النتائج المترتبة على هذه
الدراسة لا تخل بمكانة " عدي بن مسافر "
في الديانة اليزيدية ، سواء اكان كردياً
بالإنتماء أو الولادة ، ام أموياً عربياً.
يتلمس المرء في هذه الدراسة ، وبوضوح ،
أنها مبنية على جملة من الاستنتاجات
والتخمينات التي لا تؤيدها الادلة
والشواهد التاريخية بشكل قطعي ، وتسعى الى
تثبيت أحكام موضوعة مسبقاً، كما تنم عن
انتقائية في التعاطي مع النصوص والشواهد ،
وعدم الدقة في النقل والاقتباس ، وسيتضح
ذلك من خلال مناقشة محتويات الكتاب .
يرى المؤلف أن المؤرخين وكتاب السير
والتراجم المعاصرين لـ " عدي بن مسافر " ،
كإبن الاثير ،و ابن خلكلن ، وياقوت الحموي
لم يذكروا شيئاً عن أموية الشيخ ، وهؤلاء
المؤرخون هم الاقرب زماناً ومكاناً لـ "
عدي بن مسافر "، يتخذ المؤلف من عدم ذكر
هؤلاء لاموية الشيخ دليلاً على كرديته .
لكنه ينسى أن هؤلاء لم يتحدثوا ايضاً عن
الاصل الكردي للشيخ ، ويستخلص من هذا
الكلام ان النسب الأموي والنسبة الكردية
جاءا في عهود متأخرة ، وقد أشار الباحث
والمحقق المصري أحمد تيمور في كتابه عن
اليزيدية الى أن " ابن الوردي " ذكر تاريخ
الشيخ " عدي بن مسافر " كما ذكرها " ابن
خلكان " مع إضافة اسم " مروان ابن الحكم
الاموي " الى اسمه ويضيف أن في (( هذه
الزيادة نظر))(3) . ومن هنا كان لزاماً
على المؤلف أن يتعاطى مع الروايات
المختلفة بنفس المعياروالدرجة وكان حرياً
به أن يتساءل ، وهو بصدد كتابة بحث علمي ،
لماذا لم يذكر " ابن خلكان " و " ابن
الاثير " النسب الكردي لـ " عدي بن مسافر
" وليس النسب الاموي فقط ، خاصة اذا علمنا
أن معظم الذين ترجموا لـ " عدي بن مسافر "
نقلوا إما مباشرة عن " ابن خلكان " أو
نقلوا عن كتب هي بدورها نقلت عن " ابن
خلكان "، أي أن " ابن خلكان " هو المصدر
الرئيس في ترجمة الشيخ ، والمثال التالي
يوضح ذلك .
ذكر " ابن خلكان " في ترجمة " عدي " ما
يلي : (( ..... تبعه خلق كثير ؛وجاوز حسن
اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم
التي يصلون اليها ، وذخيرتهم في الآخرة
التي يعولون عليها ، وكان قد صحب جماعة
كثيرة من أعيان المشايخ والصلحاء
والمشاهير مثل عقيل المنبجي وحماد الدباس
وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي ، وعبد
القادر الجيلي ، وأبي الوفاء الحلواني ،
توفي الشيخ سنة سبع وقيل خمس و خمسين
وخمسمائة في بلده بالهكارية و دفن بزاويته......))
(4) .، وجاءت ترجمة الشيخ في كتاب الوافي
بالوفيات لـ " صلاح الدين بن ايبك الصفدي
" ، وهو من كتاب التراجم المتأخرين ، ((
..... تبعه خلق وجاوزوا فيه الحد حتى
جعلوه قبلتهم التي يصلون اليها ، وذخيرتهم
في الآخرة . صحب الشيخ عقيل المنبجي ،
والشيخ حماد الدباس ، وعاش الشيخ عدي
تسعين سنة وتوفي سنة سبع وخمسين وخمسمائة
)) (5) . إن هذه المقابلة بين نصي ابن
خلكان والصفدي ، توضح بجلاء أن كتب
الطبقات المتأخرة لا تقدم معلومات جديدة
حول سيرة " عدي بن مسافر " ، لذا فلا
فائدة من ايراد روايات المتأخرين مهما
تعددت وكثرت لأنها منسوخة عن الرواية
الأصل ، ولا يمكن التعويل عليها ما لم
نحدد مصدر الرواية . وفي هذا السياق ذاته
اورد المؤلف روايات عدة تتحدث عن أموية
الشيخ كـ " الشطنوفي" المتوفى سنة (
1314م) و " المقريزي" المتوفى سنة ( 1441م
) و " ابن تغري بردي الأتابكي " المتوفى
سنة ( 1469م ) و " التادفي الحنبلي "
المتوفى سنة( 1556م ) واعتبرها (( سقيمة
وهزيلة ولا تستحق المناقشة للبعد الزمني
)) ص14 بين الشيخ " عدي بن مسافر " وكتاب
التراجم المذكورين ، واعتماداً على منطق
المؤلف ومنهجه ، يمكن سحب هذا الكلام على
الروايات المتأخرة أيضاً والتي تحدثت عن
النسبة الكردية لـ " عدي بن مسافر "
واعتبارها (( سقيمة وهزيلة ولا تستحق
المناقشة للبعد الزمني )) لكن المؤلف لا
يتعاطى بحيادية مع هذه الروايات ، اذ
يكتفي بالروايات التي ذكرت النسبة الكردية
للشيخ ، وهنا البعد الزمني ليس له اعتبار
لدى المؤلف، و تغاضى عن الروايات التي
تحدثت عن الأصل الأموي للشيخ.
ذكر المؤلف أن " ابن تيمية " نفى النسب
الأموي للشيخ " عدي " واعتبره (( كذب
قطعاً )) ص14 وفي واقع الأمر أن " ابن
تيمية " نفى انتساب الشيخ الى " مروان بن
الحكم " واعتبر هذا الانتساب ( كذب قطعاً
) وليس الانتساب الى بني أمية . جاء في
الوصية الكبرى لـ " ابن تيمية " (( من
أحمد بن تيمية الى من يصل اليه هذا الكتاب
من المسلمين المنتسبين الى السنة والجماعة
؛ المنتمين الى جماعة الشيخ العارف القدوة
أبي البركات عدي بن مسافر الأموي )) ( 6 )
ويتضح من رسالة " ابن تيمية " أن اعتراضه
ليس على أموية الشيخ وإنما على انتسابه
الى " مروان بن الحكم " .
وفي معرض رده على العلاقة بين الأمويين
والهكارية ،ينفي المؤلف ما ذكره المقريزي
أن بعض الهكارية تزعم أنهم من ولد " عتبة
بن أبي سفيان صخر بن حرب " ( 7 ) ويسرد
قائمة طويلة من المؤلفين الذين تحدثوا في
كتاباتهم عن القبيلة الهكارية أمثال : "
السمعاني" في كتابه الأنساب و " ابن خلكان
" و " فضل الله العمري " و " القلقشندي "
ويضيف المؤلف أن هؤلاء لم يشيروا الى ((
اسطورة نسب الهكارية الى عتبة بن أبي
سفيان )) ص17 ، والسؤال الذي يطرح نفسه
هنا ، هل حقاً أن المؤرخين لم يذكروا
شيئاً عن العلاقة بين الامويين والاكراد
كما يذهب اليه المؤلف ؟ .
في الحقيقة ثمة مصادر تاريخية عديدة تشير
الى هذه العلاقة، بصرف النظر عن صحة هذه
الروايات أو الدوافع التي تقف خلفها ، وقد
تطرق المؤلف الى الخلفية الدينية
والسياسية لهذه الروايات ، أما قوله أن
المصادر لم تتحدث عن علاقة الهكارية
بالأمويين أو بـ " عتبة بن أبي سفيان "
فمجانب للحقيقة 0
ذكر " ابن الأثير " في كتابه " اللباب في
تهذيب الأنساب " عند الحديث عن النسبة الى
الهكارية (( ومنها أبو الحسن على بن أحمد
بن يوسف بن جعفر بن عرفة الهكاري الملقب
بشيخ الاسلام ، وهو ولد عتبة بن أبي سفيان
صخر بن حرب بن أمية )) ( 8 ) وذكر" ابن
خلكان " في كتابه " وفيات الأعيان " ( 9 )
هذه الترجمة كما ذكرها " ابن الاثير " دون
زيادة أو نقصان ، وكذلك ذكر " شهاب الدين
بن فضل الله العمري " في كتابه " مسالك
الأبصار في ممالك الأمصار " العلاقة بين
الكرد والأمويين أثناء حديثه عن القبيلة
الجولمركية التي انتسب الى جولمرك مركز
اقليم " هكاريا " اذ يقول : (( ومنهم – أي
الأكراد – الجولمركية؛ وهم قوم نسبوا الى
الوطن لا الى النفر بل هم طائفة من بني
أمية يقال أنها حكمية – نسبة الى مروان بن
الحكم – اعتصموا بالجبال عند غلبة الرجال
عليهم واستغنوا بمنعتها عند استعمال الباس
ومخالطة الناس طلباً للسلامة من أعدائهم
وفراراً من اعتدائهم فإنخرطوا في سلك
الأكراد فسلموا )) ( 10 ) ، ليس ثمة ما
ينافي العقل والوقائع التاريخية وعلم
الاجتماع فيما ذكره " ابن فضل الله العمري
" و يمكن تقبلها أكثر اذا تخلينا عن
خلفياتنا الايديولوجية ، ولو بشكل مؤقت ،
ونظرنا الى الموضوع من زاوية اجتماعية
تاريخية .
لقد دخلت الجيوش العربية الاسلامية بلاد
فارس وكردستان وغيرها من المناطق والبلدان
، وغيرت التركيبة السكانية لبعض المدن بعد
أن تم اسكان العرب فيها وإجلاء سكانها ،
وقد ذكر صاحب كتاب " فتوح البلدان " أن
عياض بن غنم لما انصرف من مدينة خلاط ((
وصار الى الجزيرة ، بعث الى سنجار ،
ففتحها صلحاً وأسكنها قوماً من العرب )) (
11 ) . وبعد عملية أسلمة الكرد ، صلحاً
تارة و عنوة تارة اخرى ، أصبحت كردستان
تابعة للدولة العربية في دمشق وبغداد ،
مما ادى الى افساح المجال للقبائل الكردية
والعربية والتركية وغيرها من الشعوب
والطوائف للتنقل والترحال في نطاق حدود
الدولة العربية دون قيود تذكر ، ناهيك عن
حاجة الدولة الى تجنيد هؤلاء في حروبها
الداخلية والخارجية ، وعندما آلت السلطة
الى بني العباس تشتت الأسرة الأموية ولاذت
بعض أفرادها بجبال كردستان ، كما اشار الى
ذلك ابن فضل الله العمري المار ذكره ،
وتشير بعض المصادر التاريخية الى شدة محبة
الأكراد لمعاوية بن ابي سفيان وابنه يزيد
ولهذا (( نجد بعض القبائل والاسر الكردية
في الجبال صاروا ينتسبون الى جد أموي )) (
12) وقد أشار المأثور الشفاهي والكتابي
لليزيدية الى هذه العلاقة ، ولا ننسى أن
آخر خلفاء بني أمية " مروان بن محمد " كان
(( ابن أمة كردية )) كما تذكر معظم
المصادر التاريخية ، وضمن هذا السياق
التاريخي كتب المؤلف عن (( الكورد في بلاد
الشام )) ص29 ولكنه لم يشأ الحديث عن
تواجد القبائل العربية في كردستان
واندماجهم في المجتمع الكردي ، تماماً كما
اندمج الكرد في محيطهم العربي في بلاد
الشام ، وفي هذا الصدد يذكر الباحث
والمفكر العراقي هادي العلوي أن الأمم
التي نزلت أرض كردستان (( انقطعت عن
أصولها ونسيت لغاتها وصارت تتكلم اللغة
الكردية )) ( 13 ) .
يستعرض المؤلف مجموعة من (( الدلائل
والحقائق )) ، بلغت 13 دليلاً للتأكيد على
كردية الشيخ " عدي بن مسافر " وفي واقع
الحال أن دلائله لا تعدو كونها افتراضات
واستنتاجات ، يفترض المؤلف صحتها ، وهي
بدورها تحتاج الى نصوص تاريخية لتعزيزها ،
وإن اكثار المؤلف من هذه (( الدلائل
والحقائق )) ينم عن افتقار المؤلف لشواهد
تاريخية محكمة وموثوقة ، وإلا لما احتاج
المؤلف الى هذا الكم من (( الأدلة
والبراهين )) حول علم من أعلام التاريخ
الاسلامي اشبع درساً وبحثاً .
ذكر المؤلف أن البحاثة العراقي يعقوب
سركيس أورد في كتابه " مباحث عراقية "
نصاً للراهب " راميشوع " كتبه في حدود سنة
( 1451م ) ، جاء فيه ؛ أن اسم والد الشيخ
" عدي " كان " مسفر " أو " مسافر بن أحمد
" وهو من الاكراد التيراهية ص20، ويضيف
المؤلف أن " ابن الاثير " هو أول من تحدث
عن التيراهية ضمن حوادث سنة 602هـ 1205م .
يتمسك المؤلف هنا بنص الراهب راميشوع
ليعزز رأيه ويهمل ما ذكر ه " ابن الأثير
"، علماً أن المؤلف نفسه يعترف بأن " ابن
الأثير " هو أول من ذكر " التيراهية " ،
لكن ليس ثمة علاقة ، حسب نص ابن الاثير ،
بين الكرد والتيراهية ، كما أراد المؤلف
إيهام القارىء بذلك .
جاء في نص ابن الأثير (( وكانت فتنة هؤلاء
التيراهية على بلاد الاسلام عظيمة قديماً
وحديثاً ، .... وكان أهل فرشابور معهم في
ضر شديد لأنهم يحيطون بتلك الولاية من
جوانبها )) ( 14 ) .
يفهم من هذا النص أن التيراهية يحيطون
بولاية " فرشابور " القريبة من مدينة "
غزنة " الأفغانية والبعيدة عن جغرافية
كردستان ، كما جاء في معجم البلدان ( 15 )
، وأقدم كتاب ورد فيه ذكر الأكراد
التيراهية أو التيرهانية ، حسب علمي ، هو
كتاب " تاريخ الزمان " لإبن العبري ، إذ
ذكر فيه أنه (( في سنة 602للعرب 1205م ظهر
جنس من الأكراد التيرهانية .... على أن
هؤلاء الأكراد لم يدينوا بدين الاسلام بل
استمروا في عبادتهم الوثنية المجوسية
القديمة ..)) ( 16 ) ، وفي مخطوطة الراهب
راميشوع هناك ربط بين اليزيدية الذين
يمتون بصلة القربى بالشيخ عدي بن مسافر
والأكراد التيراهية المسلمين ( 17 ) ، لقد
أشار مترجم المخطوط الاستاذ يعقوب سركيس
في مقالة له ، منشورة في مجلة " لغة العرب
" البغدادية الى الاخطاء الكتابية الواردة
في مخطوط الراهب راميشوع ( 18 ) ، لم يحلل
المؤلف عبد الرحمن مزوري هذا المصدر ،
كخطوة أولية من خطوات البحث العلمي ، بل
اعتمد عليه كما هو دون تمعّن أو تمحيص
ويبني استنتاجاته على الأخطاء الاملائية
للمخطوط. إن
من بين الادلة والحقائق التي يقدمها
المؤلف حول النسب الكردي للشيخ عدي بن
مسافر هو ، أن الشيخ كان يتكلم الكردية
وان اتباعه كانوا في معظمهم من الكرد ص24،
وقد استرسل في هذا الموضوع وأورد أمثلة
عديدة ، لكن دون أن يتساءل هل اللغة تحدد
هوية الناطق بها ، وهل المنظومة المشيخية
قائمة على العرق والقومية ؟ فمن المتفق
عليه تاريخياً أن عدياً نزل أرض كردستان
وعاش بين الكرد وأصبح يعرف بـ شيخ الأكراد
، و لا اعتراض على استنتاجاته وفرضياته من
حيث المبدأ ، لكن هذه الفرضيات لا تنبني
عليها احكام قطعية وجازمة كما ذهب اليه
المؤلف .
لا يكتفي المؤلف بتحديد الهوية القومية لـ
" عدي بن مسافر " ، بل يحدد القبيلة
المنسوبة اليها ، وهي القبيلة الدنبلية ،
فيقول بهذا الصدد : (( كتب الباحث الدكتور
ممو عثمان الخبير في الديانة الإيزدية ،
بأن هناك مصادر تاريخية تذكر بأن الشيخ
عدي بن مسافر كان يتكلم الكوردية ، وهو من
عشيرة الدنبلية الكوردية )) ص17. وهنا
أتساءل لماذا احتاج المؤلف الى كل هذا
البحث والعناء والأدلة والحقائق لإثبات
كردية الشيخ عدي اذا كانت هناك (( مصادر
تاريخية ))تتحدث ليس فقط عن قوميته وحسب ،
بل عن عشيرته أيضاً ، ولماذا لا يفسح عن
هذه المصادر التاريخية التي تخفف عنه عناء
البحث والتمحيص ؟ يستنتج المرء مما سبق أن
المؤلف نفسه غير مطمئن لما أورده ، كما أن
لغته القلقة والمرتبكة عند تعقيبه على
الشاهد التالي تدعم زعمنا هذا : (( فلا
يستبعد أبداً أن يكون الشيخ عدي بن مسافر
كان قد رأى النور بشوف الأكراد في بلاد
الشام ، بين احدى هذه الطوائف والبطون
الدونبلية )) ص27 . ثمة تناقض بين ما
استشهد به المؤلف من وجود (( مصادر
تاريخية )) تؤكد دنبلية الشيخ عدي وبين
قوله (( فلا يستبعد )) أن يكون دنبلياً ،
وللتأكيد على دنبلية الشيخ يكتب المؤلف أن
(( اعتقاد الإيزيدية بأن تازي – تازيك
..... هم من الإيزيدية الذين صحبوا الشيخ
عدي بن مسافر أثناء رحلته من موطنه الأول
في الشام الى معبد لالش .... وهم أي تازي
، ينتسبون الى الدنبلية – الدوملية
والماموسية والهكارية )) ويضيف المؤلف الى
أن بعض المؤلفين أشاروا الى تلك الصحبة
المشتركة بين الشيخ عدي وبين القبيلة (
الطازية ) تازي عند قدومهم الى كردستان ،
أمثال صديق الدملوجي و عبد الرزاق الحسني
وسعيد الديوجي وغيرهم ص28.
صحيح أن هؤلاء المؤلفون تحدثوا ، كما ذكر
المؤلف ، عن القبيلة الطازية ، ولكن بما
لا يرضي المؤلف ، وما كنت لأستشهد
باقوالهم لولا اعتماده عليهم في دعم رأيه
.
ذكر الباحث صديق الدملوجي بخصوص الطازية
في كتابه " اليزيدية " (( والقوالون هم
العرب من أهل الشام كانو رافقوا الشيخ
عدياً في مجيئه الى هذه البلاد . ويسميهم
اليزيدية الأكراد بالـ "طازية" ويعقب
الدملوجي على هذا الكلام في هامش ص53 أن
الطازية بصفتهم عرب ، فلأجل تمييزهم عن
الاكراد سموا " تازي " وكلمة " تازي "
تطلق بالفارسية على كل ما هو عربي ، ( 19
) . أما المؤلف سعيد الديوجي ذكر في كتابه
عن اليزيدية أن (( قبيلة طازي : وهم عرب
على ما يدعون ويذكرون أنهم نزحوا مع الشيخ
عدي بن مسافر من بلاد الشام الى لالش )) (
20 ) ، وفي اللغة الكردية أيضاً تطلق كلمة
تازي على العرب كما جاء في ديوان " مم و
زين " ( 21 ) للشاعر أحمدي خاني .
واضح أن المؤلف يتعاطى بإنتقائية مع
الشواهد التي اعتمدها ، إذ لم يتطرق الى
أن قبيلة طازي يدعون انهم من العرب ، كما
ورد في نصوص الدملوجي والديوجي ، فقد
اكتفى بنقل ما يخدم وجهة نظره حول الموضوع
، وينهي المؤلف هذا الجزء من بحثه قائلاً
: (( هذه الحقيقة تعطينا الجواب الشافي
بان عدي بن مسافر كان دنبلياً عشيرة ))
ص28، إن ( الحقيقة ) التي يعتبرها المؤلف
جواباً شافياً على دنيلية الشيخ ما هي إلا
نتائج خاطئة لمقدمات خاطئة .
ينتقل المؤلف الى موضوع آخر في بحثه ، وهو
عراقة الديانة الإيزدية كرد على المحققين
حمدي السلفي وتحسين الدوسكي اللذين اعتبرا
الديانة اليزيدية طائفة انحرفت عن الاسلام
، فيقول : (( كتب المحققان السلفي
والدوسكي ، بإنهما توصلا الى أن الطائفة
العدوية ( اليزيدية ) كانت طائفة من أهل
السنة والجماعة ، ثم انحرفت ومرقت ،وفي
رايهما إنه لا عبرة لمن يقول بأن ديانتهم
قديمة !! ترجع الى ما قبل الاسلام ، أي
الى ما قبل الشيخ عدي بن مسافر في نظرهما
)) ص35 . إن ما توصلا اليه المحققان
السلفي والدوسكي حول تاريخ اليزيدية (
الإيزيدية ) ليس جديداً في حقل الدراسات
اليزيدية فقد سبقهما في هذا الرأي فريق من
الباحثين الشرقيين والغربيين أمثال أحمد
تيمور وعباس العزاوي وروجيه ليسكو ، الذي
اعتبر أن المستشرق غيدي وضع لمشكلة أصل
اليزيدية حلها النهائي ، باعتبارها بدعة
اسلامية (22 ) . وفي عكس الاتجاه ، هناك
فريق آخر من الباحثين الشرقيين والغربيين
يرون في اليزيدية ( الإيزيدية ) ديانة
قديمة مستقلة بذاتها ويمتد تاريخها الى ما
قبل الاسلام .
أثار المؤلف نقاطاً أخرى في دراسته تستحق
البحث والمناقشة ، كالعلاقة بين الداسنية
والإيزيدية، والوجود الكردي في بلاد الشام
، ولكن لا مجال لمناقشتها |