|
في
مجموعته الجديدة (امبراطورية
الخديعة) تأتي نصوص فتح الله
حسيني الشاعر الكوردستاني السوري
الأصل، بصيغ مختلفة، لما لهذه
الصيغ من دلالات، قد تكون في
غالبيتها نابعة من حس انساني
ووحدة انسانية، هي في منتهاها
نصوص تتمرد على واقعها لتخلق
واقعاً مختلفاً، أرضية مبدعة لشعر
كردي مسكون بالرهبة، قد يكون هو
الواقع الحزين، أو الواقع الموحش،
أو هو واقع متناثر على ابداعات
شتى، عايشها الشاعر من مدينة الى
مدينة أخرى، ومن واقع الى واقع
آخر، ومع أناس وجان الى أناس وجان
مختلفين، كرداً وعرباً وتركاً
وربما شعوباً أخرى.
عندما قرأت الكتاب، للمرة الأولى،
أحسست أني إزاء قصائد لم أعهدها،
لذلك تابعت القراءة لمرات كثيرة،
لأكتشف، أني أجد الأدب الكردي ما
زال على جماله، وعلى حزنه، ويستند
على الاستذكار، وعلى منافذ
الشهداء من قلعة دزة الى قامشلي
الى دياربكر وسنندج ولاجان وغبار
الكرد من ضريح مموزين الى الصديق
الذي يخونه الرصاص..
يكتب فتح الله حسيني:
صمت الحصى
يواسيني
في فقدي لصديقي الذ كان كاهناً
هنا
يحرس الريح
والغبار وصخور الظلام
صديقي يشهد له الرصاص
والرمل الذي نفى جسده الى بلاد
منتهية
لينثر الصدى ريشه الحالم، بضحك
العابرين
على ارث لم يتبقى منه شيئا سوى
الهواء..
الحسيني، الشاعر، يتذكر وما أجمل
الشاعر وهو يتذكر، حنينه الى
الماضي، حبه لأصدقاءه، لعنته على
الرصاص، وهو يباغت الضريح، ليقول
له، أنت لست شفيفاً، ولا شفافاً..
يأتون مساء
من قبور كانت ملاذاهم، نهار كاملا
تلتف حولهم مرايهم لمكسرة وقططهم
وما لا يدركون من أبنء
فيأكلون ما يسره المشتهي..
هنا صورة حقيقة، لواقع كردي يومي،
في أي بقعة من الأرض الكردية
الترامية الحزن، يصوره ابن هذا
الواقع، بلاتجميل، لأناس بائسين
ربما هم الكرد الذي قذفتهم
جمهورية مهاباد، مرحلة انهيارها
قبل أكثر من نصف قرن، وربما هم
أبناء الهجرة المليونية أبان
الدكتاتورية البغيضة في
كردستاننا، وربما هم أبناء أي
جالية كردية في أوربا، من ايطاليا
الى ألمانيا أو دول أوروبية أخرى،
المهم أن الشاعر فتح الله حسيني
يرسم باخلاص ذاك أو هذا الواقع،
ليصبح فيما بعد ذلك كونشيرتو
الفناء...
ان الحياة تهتك نفسها أمامي بقوة
وأنا كونشيرتو الفناء
أسخر من الثناء
بكراهية
سخية
سخية جدأً..
ان الشخرية التي يتحدث عنها الشعر
هي سخرية الأقدار بالتأكيد، لأن
الكراهية تأتي هنا سخية جداً، هي
كراهية بيعداً عن زيف الحب في
مجتمعات ما زالت تكبل أنفسها
بوقائع غير جميلة، ولكن الصورة
الأكثر جمالاً في كتاب امبراطوية
الخديعة، هي الصورة الميؤسة التي
يرسمها فتح اله الحسيني بقوله:
أجمل مشهد لباحث عن دخانه
ان تخلع له
المرأة البيضاء
ثيابها البيضاء
بلا تحفظ
فالوطن المهجور
الذي لا تملك فيه ثمن دخانك
اصفعه بحذائك
وغادره حافياً..
هنا أستطيع ان أصور المنافي التي
يعيشها الشعراء من مختلف الدينا،
في أنهم يرسون دوما واقعا سوداويا
لكل شئ، وهم يرسمون فوضاهم ثم
يتهافتون الى حضن أي فتاة ولكن مع
ذلك يظل للشعر نكهته:
أنت تلاعبين قدري الأخرس
وتنامين على ساعدي
كأنك في نومك المبتدئ
باكراً
تستنطقين الحجر
والجسد
وسجائر الروح..
كما بلاهة الصمت..
هنا أحببت أن أقف مع هذه المجموعة
الشعرية، لأقول كلمتي فيها،
بعيداً عن النقد والدراسة
الطويلة، لأنها فعلاً امبراطورية
الخديعة.
قلعة دزه / كردستان العراق
05.12. 2008 |