|
التاريخ
يعيد نفسه ولا جديد تحت الشمس
حوار مع خليل حسين
حاوره :مسعود حامد
„كل الشعب في سوريا متهم حتى يثبتوا
برائتهم“
تزدهر الكلمات في ربوع أبي توليب ، لم يكن
بالشيء
الغريب أن أراه يبتسم
،أو يضحك كنت أشعر وكإن على ظهره حملٌ
عظيم يحاول أن يطرز بذلك الحمل خطوط
المستقبل للجيل القادم.
لم تكتمل فرحته ، فقد قتلوا فرحه صغيرته
ومزقوا الإبتسامه البريئه على شفاهها وهي
ترقص بكلمات بريئه أمام والدها الذي طوى
الدهر من عمره ، ولكن رغم كل هذا لا يزال
يخطط بفكره وإسم سوريا الحره . بإبتسامه
أبي توليب التي حملت أفكار دهرٍ بكامله
تمزقت كل الصور ليتسنى لصورته وحدها العيش
، والبقاء حرة في تلك الزاويه .
لنبدأ حديث الخوف ، والحزن ، والفرح ،
والنصر ، حديث المعتقلات المآساوي ،
ولنتعرف على موجزٍ عن حياته: السيد خليل
حسين حسين ، من مواليد /1952 \ تولد سيحا
التابعه لتربه سبيه ، متزوج وله إبنتان
توليب وليلان خريج المعهد الصحي قسم
الأشعه.
بداية :السيد خليل حسين كان إنخراطك في
العمل السياسي مبكراً وتعرضت لظروف قاسيه
جداً ، هل تستطيع أن تذكر لنا أهم
ماعانيته عندما كنت ملاحقا لأول مره
وأثناء المعتقل؟
أجل كان إنخراطي في العمل السياسي مبكرا
ًنظراً لقناعاتي بأن الحياه السياسية يجب
أن تتغير ، ولا يجوز للنظام البعثي أن
يتحكم في مصير الشعب السوري بكامله،
ويسيّر البلاد وفقاً لمصالح الشخصيات،
كانت هذه إحد الأسباب ، وكنا نعلم إن
النظام لن يرحم أحداً يقف في وجهه ،
وسيحاول قمعنا بكل الوسائل ، والأساليب
كما فعل مع جماعة الإخوان المسلمين في
نهايه السبعينات ،وحتى الآن وبكل الشعب
السوري. بحكم أفكارنا المعارضه لنهج
النظام البعثي تعرضنا للتنكيل بكل قساوة
ووحشية ، فقد تم ملاحقتنا منذ البداية ،
وكنت شاباً أحلم وأحمل أفكاراً محرمه ،
فكل شيء في بلدي يدخل ضمن الثالوث المحرم
"الدين الجنس السياسه" يُمنع الإقتراب
منه.
جائتني أمي في إحدى المرات وأنا لاأزال
ملاحقاً وتريد مني أن أترك هذا الطريق
الذي عليه وعيت وربيت عليه قناعاتي، وعلى
هذا الأساس جاوبتها بالرغم من الوضع الحرج
الذي أنا فيه : أمي أنا أخترت هذا الطريق
ولن أتركه ولو كان الثمن حياتي
..........صمتت أمي قليلا وقالت لي
ودموعها تتدحرج على خديها :
ليحميك الرب يا ولدي، ولكن عدني إذا
اعتقلت أن لاتكون متخاذلاً أوجباناً، وأن
تكون عل قدر مسؤولية إعتقالك. كانت هذه
الكلمات تزن في أُذني كثيراً، وكانت
الحافز لي بالصمود أكثر فأكثر، وأثناء
الإعتقال لم أنس صدى تلك الكلمات التي
كانت تذكرني يومياً بالمسؤوليه ، ولساعاتٍ
طوال . في صباح 14 \8\1984\ الساعه \11\
نهاراً في " باب توما"- احد احياء
مدينة دمشق- كانت ساعة الصفر ، حيث
أُعتقلت، عندما هموا باعتقالي وحاولت
الافلات منهم قاموا بإطلاق النار علي،
أُصبت بثلاث طلقات، إثنتان منها في الفخذ
وواحده في الرأس ، ومن ثم حولوني إلى
المشفى قسم العناية المشدده لمدة \48\سا ،
لم يتمالكوا أنفسهم كثيراً ليحيلوني إلى
قسم التحقيق ،وتبدأ بعدها سيمفونية
التعذيب القذرة. بقينا في المنفردات مدة
زمنية، ومن ثم نقلونا بعدها إلى تدمر في
عام \1985\ . كانت حفله الإستقبال في تدمر
لا تصدق ، فقد كانت أبشع بكثير من التحقيق
البدائي لم أكن أصدق إن حياتي ستدوم بعدها
بسبب ما لقيناه من أساليب وحشية وقمعية
التي مارسوها بحقنا ، والتي كانت منافية
لأبسط معايير حقوق الأنسان بكل مقاييسها ،
وتكالب علينا العناصر وهكذا لفترة لابأس
بها ، كانت حياتنا في الداخل فظيعة جداً،
فمجرد إسم تدمر كان يخلق احساساً بالرعب
والخوف، ولحالات متناقضة جداً من هزيمة
ونصر يائس والثقة بالنفس. مكثنا في تدمر
مدة ثلاث سنوات حتى عام \1987 \ كانت فترة
الموت ، أوتدمر الموت، أو ما أستطيع أن
أسميه "مملكة الموت“ .
السيد خليل ما أصعب أن لا يجد الإنسان
مكاناً على الأقل يرتاح إليه ، هل تستطيع
أن تحدثنا عن الأفكار التي كانت تراودك
داخل المعتقلات „ المنفردات " أنذاك؟
ماذا أقول، الكائن الذي خلقه الله ليعيش
في اطار مجتمعي كان الكرباج الأمني يعزله
، وهنا لم نكن نملك سوى إيماننا بقناعتنا
، فكان التفكير في كل مناحي الحياة ،
والتفكير بهدوءٍ وبتركيز على الحقائق
النسبية ، وفي تللك الحالة كنا نفكر
بأمورٍ كثيرة ، ونوازن الافكار والأعمال
،الأقوال والأفعال.
كان من المهم لنا أن لا ندخل في حالة من
اليأس ليبقى الأمل لخطوة أخرى، وبنوعٍ آخر
نحو الهدف الذي نخطط له وهو "الديمقراطيه"
التي ضحى الكثيرون من رفاقنا في سبيلها
آنذاك ، ولا يزال الكثيرون يدفعون الثمن
حتى الآن وأنت عزيزي استاذ "مسعود" ضحيت
لأجل هذا الهدف، انت ايضا من ضحايا هذا
النظام المستبد الشوفيني، وتعرف جيداً
تفكير المنفردات كونك عشت تلك اللحظات
القاسية وبقت فيها فترة طويلة.
السيد أبو توليب لحظات الحرية لامقاس لها
، ولابثمن حتى أحياتاً الشخص لايعرف بماذا
يفكر، ولا يستطيع التفكير أصلاً . خرجت
للحرية ما كان شعورك عندما رأيت صغيرتك
أصبحت" فتاة"؟
كانت توليب تعطيني نوعاً من التوازن ،
فكنت أشعر إنني سأكون مثلها في الحياة
يوما ما ، وكان هذا العامل عاملاً مهما في
صمودنا ، بالإضافه إلى قناعاتنا وإيماننا
بحرية هذا الشعب . هذه الأمور كانت تدفعني
أكثر للصمود ، والتمسك بقضيتي ، أما عن
الحرية فلا أستطيع التحدث عنها فكلما
تحدثت أكون قد أنقصت من ثمنها، وخاصة
عندما تكون في المعتقلات السورية
الأستاذ حسين معتقلٌ سابق لاتزال آثار
الإعتقال القديمه تتجدد اليوم ، وأنت
تُعتقل مرة آخرى لاجل سوريا ولأجل أفكارٍ
تؤمن بها . ماذا وجدت من التغيرات في
المعتقلات السجون السورية ، والفرق بين
الماضي والحاضر كونك عاصرت الإثنين؟
الحقيقة في الفترة الأولى كنا مجموعه من
السياسيين من صنفٍ واحد ، وقد كان التعامل
بمستوى الوعي الذي كنا عليه ، ولكن هذه
المره أدخلونا في أماكن فيه نفايات
المجتمع "طبعاً ليس الكل"، وأجبرونا على
التعايش معهم . بالنسبة لي كان الوضع
صعباً جداً وفي ظروفٍ قاسيةٍ جدا . هذا
يعني إن السجون والمعتقلات سابقاً كانت
أفضل بكثير بالرغم من الواقع السيءً
علىالأقل كان المعتقل ينام بدون دفعٍ
للفواتير وأما الآن فالسجين ينام مع دفعٍ
للفواتير يعني إن مسيرة التطوير، والتحديث
كانت تراجعاً ، ولم تقدم شيئاً ملموساً
للشعب السوري ، فقد اتضحت لنا هذه المرة
الصورة الحقيقية للفساد التي وصلت
اليها سوريا اليوم حتى داخل السجون .
„عندما السجين يريد أن يأكل السجين داخل
السجن“ فإذا كانت حالنا هكذا داخل السجون
فأين هي مسيرة التطوير والتحديث يا عزيزي
.
السيد خليل أنت الآن رئيس مكتب العلاقات
العامة في تيار المستقبل الكردي ، كيف تم
لم هذا الشمل تحت مظله واحدة ، وبالرغم من
الفوارق الفكرية التي كانت موجوده سابقا؟
في الواقع إن ذلك قد تم من خلال بعض
النقاشات التي كانت تدور بين هذه
الشخصيات المكونة لهذه
التشكيلة، و كانت بدايه اللقاءات بين هذه
التشكيله منتدى جلادت بدرخان . هذا كان
العامل الذي لعب الدور الأهم في وحدة هذه
الشخصيات ، أما عن تيار المستقبل الكردي
أنا أرى إنه كان من الضروري أن يؤسس خطابا
في سورياً طبعاً هل تحقق ذلك أم لا ؟.
طبعاً أنا ايضاً أتسائل،ولكن رغم هذا أنا
أيضا لا أعرف ، وبعد خروجي من المعتقل لم
أجد شيئاً ، ولكن أقول بطريقة أخرى يجب
علينا أن نناضل لنجعل القضية الكردية
جزءاً من الثقافة العربيه ، ونحن لا نتميز
عن بعضنا في معظم الأحزاب الكرديه ،
فمثلاً "يكيتي وتيار المستقبل" متقاربان
من بعضهما في الخطاب السياسي ،والآن
الواقع يفرض علينا تأسيس الخطاب السياسي
ومن نوع جديد ومقبول على الساحه السياسية
الكردية ومقبول على الساحة السياسية
العربيه بكل توجهاتها ، وأظن إن البيان
التأسيسي للتيار وجد أرتياحاً في الساحتين
العربية والكردية .
السيد أبو توليب : برأيك لماذا كانت هناك
ضرورة على توقيعكم على إعلان بيروت دمشق
بالرغم من إعتقالكم بمسرحية كوميدية بعد
التوقيع بفترة لابأس بها ، وكونك كردي
ماذا يعني لك هذا.
السبب الأول :هو لأول مرة الطيف العام في
سوريا يوافق على توقيعٍ وثيقة من هذا
النوع وهذه الوثيقة كانت لأجل التوافقات
الوطنية في سوريا ، أما السبب الثاني :إنه
جزءٌ من مهام الحركة السياسية وكوني سياسي
أعمل ضمن هذا الإطار مع كل الأخوة في هذا
المجال فلا فرق من حيث المبدأ بين كردي
وعربي طالما إننا ندعوا جميعاً إلى
الديمقراطية،التي تحفظ وتصون حق الشعب
الكردي كثاني قومية في البلاد، ويعيشون
على أرضهم التاريخية مع كل الأقليات
الموجوده في البلاد.
السيد خليل حسين أيَ من فترتي الإعتقال
كنت مرتاحاً فيها أكيد لا يرتاح المرء في
المعتقل ونعلم هذه الحقيقة .
أنا أجد نفسي الآن أكثر راحة الآن وكوني
على تماسٍ مباشر مع قضيتي وقضية شعبي لهذا
أجد نفسي مرتاحاً أكثر الآن .
„ من طلب عظيماً ضحى بعظيم „ السيد خليل
أنت الآن ملاحق والنظام البعثي الذي يعمل
جاهداً على بعثنة البشر والحجر، ماذا تقول
في التهم الموجهة إليك ، والحكم الذي قد
يصدر بحقك في حالة تم إعتقالك ، والشيء
الثاني كيف هي الطريق إلى الديمقراطية
التي تتحدث عنها ؟.
أكيد تعلم أنت وكل متابع للواقع السياسي
في سوريا إن التهم التي وجهت لنا كلها
باطله ، ولا صحة لها ، فنحن كنا نعبر عن
آرائنا وفق الدستور السوري ، ولكن النظام
السوري يعمل بكل الوسائل ، وبكل قواه على
قمع الحريات مستخدماً أبشع الأساليب
معتمداً على نظامه الأمني في هذه المسائل
، وأكيد الحكم الذي قد يصدر بحقي بعد
الإعتقال سيكون سياسياً بامتياز، و أنني
الآن أمام قضيةٍ لا أزال مقتنعاً بها، و
هذا فخرٌ لي وجزءٌ يسير ،و قليل جداً من
ما تستحقه القضية الديمقراطية في بلادنا .
الطريق إلى الديمقراطيه من وجهة نظري لها
صعوبات كثيره، القوى التي تناضل من أجل
التغيير الديمقراطي بطبيعتها بعيدةٌ عنها
فأطياف المعارضة السورية عليها أن تنحدر
بأتجاه هدفها الأساسي، ويجب على الجميع أن
يعملوا من أجل سوريا ، وأنا أجد إن
الديمقراطيه تستحق ليس سنوات السجن
والملاحقة بل مئات الشهداء .
لا يكلف الله أبا توليب إلا وسعه فإلى إي
مدى ما تزال العزيمة تمكث بداخلك للنضال
؟.
أعتقد إنه إلى الرمق الأخير ...... يعني
حتى يتحقق التغيير الديمقراطي في سوريا ،
التغيير الذي من أجله ضحيت سابقاً، وأضحي
الآن، ولاحقاً حتى يصبح كل مواطن في سوريا
له نفس الحقوق والأمتيازات لا سيد فوق
سلطة القانون ، وكل الناس يخضعون له .
أستاذ خليل في هذه الفتره هل من توقعات
للتغيير في فكر النظام ؟ وهل يستطيع تجاوز
المرحله التي تمر بها البلاد؟ وعن الوضع
الكردي برأيك؟
النظام لم يتغير منذ أربعة عقود ولا أظنه
يستطيع أن يتغير الآن وخاصة بعد هذه
الحملات من الإعتقالات العشوائية في صفوف
المثقفين والسياسيين ودعاة الرآي وقمع
الحريات الصحفية ..و..و......الخ فلا أظن
حقيقةً إنه يستطيع التغيير أما تجاوز هذه
المرحلة التي نعتبرها حساسة جداً و خطيرة
جداً النظام لا يملك طرق الخلاص منها
والمطلوب من الحركة السياسية السورية عامة
والكردية خاصة أن تكون معارضة بدلالات
داخليه فالمحكمة الدولية يستطيع الشعب
الإستفادة منها ، ونحن كمعارضة يجب أن
نكون على التماس مع الشعب من كل النواحي
السياسية ولإقتصادية والإجتماعية ...وإلخ
وإنني أجد الآن النظام في مأزق حقيقي
ولكنه لم يصل إلى ذلك الحد ليتنازل
للمعارضة والنظام يعتمد على الإنتصارات
الخارجية التي تدور في فلك المنطقة
والمعارضة السورية في الحقيق ضعيفة تقدم
برامج وخطط ومهامات أكبر من حجمها وتدعو
إلى التغيير السلمي ولكن لم تضع آليات
لهذا التغيير ويجب على المعارضة أن تراجع
حساباتها وخاصة بعد إعلان دمشق ولم تحصل
على أيةِ إمتياز لذا عليها مراجعة
حساباتها والمعارضة يجب أن تعطي الأولوية
للمهمه الديمقراطيه بدلاً من أن تضع عشرين
مهمه ولا تستطيع تحقيق أَيِ منها . أما عن
الوضع الكردي فالحركه تعد لاعباً أساسياً
في الساحة السياسية وبعد إنتفاضة \آذار\
المباركة تخطت بعض الحواجز الهامه نوعاً
ما ولكن تراجع الحركة وعدم أستثمارها لتلك
الخطوه أبقتها مكانها فيجب على الجيل
الجديد أن يضغط على القيادات حتى يتم
إعادة النضال الديمقراطي الكردي إلى وجهته
الصحيحة والإستفادة من عدم الإستقرار في
المنطقة في هذه المرحلة وإعادة النضال حتى
يمكنهم أن يصبحوا رقماًأساسياً واضحاً في
الساحة السياسية والكرد لوحدهم لايستطيعون
أن يقدموا شيئاً لهذا يجب أن تكون هناك
إتفاق عام مع كافة فصائل المعارضة السورية
لتكون الثمار والإنتاج مشتركاً.
ماذا يريد السيد خليل ابو توليب أن يقول
لنا في نهاية حديثه ؟ وخاصهً هناك لك رفاق
لايزالون قيد الإعتقال؟ .
في الحقيقة يعني كل ما أستطيع أن أقول هو
الحرية لهم لكل المعتقلين الذين لا يزالون
في تلك المعتقلات التي لا تمت بصلة
لإحترام حقوق الإنسان و لإحترامهم
كمواطنين سوريين أعلم جيداً إنهم يشعرون
بالراحة والأمان لما يسمعوه بأن الشعب في
سوريا يقف إلى جنبهم ومتضامنيين معهم .
شكراً للأستاذ خليل حسين حسين الذي أفصح
لنا عمَ يريد ويرغب به في المستقبل وأنا
أيضاً أشاركه التضامن مع كل المعتقلين
السياسين ودعاة الرآي والناشطين في مجال
حقوق الإنسان وفي مقدمتهم المحامي والناشط
السوري الإستاذ أنو ر البني ومحمود عيسى
وميشيل كيلو والخبير الإقتصادي الدكتور
عارف دليلة الذي لاتزال صورته أمامي عندما
كان يمشي في معتقل "غوانتناموا" عدرا في
سوريا ومعتقل التأخي الكردي العربي
الأستاذ رياض عرار. والحريه لكل المعتقلين
الكرد في المعتقلات السورية.
ناشط في مجال حقوق الإنسان
mesudh75@hotmail.com
|