|
الحقيقة الغائبة لـ " فرج فودة "
عرض: محمود بادلي
مقدمة لا بد منها:
ربما يسأل ساءل، لماذا يستعرض هذا الكتاب
في هذه المرحلة بالذات، وقد مرّ على نشره
سبعة عشر عاماً وأكثر؟ والجواب عليه سهل
وممتع للغاية، ذلك يعود إلى أسباب كثيرة
أهمها:
1- إن هذا الكتاب الذي بين أيدينا "الحقيقة
الغائبة" للدكتور فرج فودة، له أهمية
علمية عظيمة، من النواحي التاريخية
والسياسية والفكرية، فهو عبارة عن رؤية
فكرية جديدة وتحليلية مستحدثة للوقائع
والأحداث تستند إلى حقائق التاريخ موثقة
ومؤصلة.
2- إنه كتاب علمي ذات فكر تحليلي وتنويري
في آن واحد، أشتغل عليه الكاتب بكل صدق
وجدية، وبجرأة وشجاعة لا متناهية في
تحليله للوقائع وتقديم الرؤى في سبيل
إيصال تلك الحقيقة التي كانت غائبة - لا
بل كانت حاضرة ولكن كان هناك (جماعات
إسلامية الذين لا يرون ولا يسمعون غير
أنفسهم وربما لا يرون أنفسهم أيضاً)
يعملون جاهداً ليس فقط على تغييبها بل
تشفيرها وتشويهها - إلى الأجيال الحاضرة
والجيل الذي سوف يأتي في الغد، ومن لا
يعرف هذه الحقيقة، لكي يتعرف عليها، ومن
أجل فتح باب طالما بقي منغلقاً على نفسه،
وعلينا لسنوات طويلة وهو باب الحقائق
التاريخية، هذا الباب الذي ما زال الكثير
من الإسلاميين المتطرفين
التكفيريين،المتشددين والسلفيين،
والإرهابيين القديم والجديد منهم، يحاولون
جاهداً منع الحديث عنه، أو عدم فتح ملفاته،
وعدم التطرق إليه لا من بعيد ولا من قريب،
فهو باب محرم على المفكرين والمتنورين
والاقتراب منه أو تناوله بيد التحليل
والإجتهاد المستنير، ومن يسهم في ذلك عليه
أن يحسب حسابه ويحسم أمره، فانه معرض
للتهديد والوعيد، مهدد بالنار والجهنم،
مهدد بالقتل والذبح في أغلب الأحيان، ومن
الواجب علينا أن نذكر القارئ بأن مؤلف هذا
الكتاب الدكتور فرج فودة، أستشهد قتيلاً
على أيدي هؤلاء التكفيريين والمفسدين، لا
لشيء فقط لأنه أراد قول الحق، لأنه أراد
وضع النقاط على الحروف، لأنه دعا إلى
الإجتهاد العقلاني المستنير، لأنه دعا إلى
التفكير لا التكفير، دعا إلى الحوار
وإحياء العقل واستعمال أداة تم تجاهلها
على مدى قرون بعيدة وهي المنطق، لأنه دعا
إلى الديمقراطية والعدل والمساواة، لأنه
دعا العودة إلى جوهر الإسلام وروحه
الحقيقي، والأخذ بمضونه وجوهره لا بقشوره.
ويجب أن نذكر القارئ أيضاً بأنه تم منع
الدكتور حامد أبو زيد من الكتابة، وهو ما
صرح بنفسه، بأنه لم يعد يتناول الكتابات
المثيرة للجدل والتفكير، نتيجة المضايقة
والتهديد من قبل هؤلاء التكفيريين.
3- إنه قراءة جديدة من أجل استنارة العقول
حاضراً ومستقبلاً، خاصة وأننا نعيش في
القرن الواحد والعشرين، وما زال الكثير من
المسلمين ومنهم الجيل الناشئ لم يتعرفوا
بعد على تلك الحقيقة الساطعة في ثنايا هذا
الكتاب، قراءة جديدة للخلافة في العصور
الثلاثة: الراشدين، الأمويين، العباسيين،
والتي تم نقلها لهم وفي الكثير من جوانبها،
نقلاً مشوهاً ومنقوصاً عبر المناهج
المدرسية والإعلام والمنابر المختلفة
بكافة أشكالها، إنه كتاب فكر ورؤية وتصحيح
ما تم تشويهه باسم الإسلام والعقيدة
والأحاديث الوضعية، من قبل تلك الجماعات
التكفيرية، والذي أصبح يتسع قاعدتها يوماً
بعد يوم، ليس في العالم الإسلامي وحده بل
في كل بقاع العالم، حتى أصبحت الإرهاب
مشكلة عالمية، إرهاب الناس المسالمين
وفزعهم وقتلهم وذبحهم على مرأى العالمين،
ونشر أفعالهم الشاذة على التلفاز
والإنترنت والصحف، دون ذنب وبلا شفقة ولا
رحمة، فما الفائدة التي يجنيها هؤلاء على
الإسلام والمسلمين، من قطع الرؤوس وذبح
الناس وإعدامهم، وتفجير السيارات، وقتل
الكورد على الهوية، وقتل من كائن يكون
مسلم أو غير مسلم، باسم الدين والعقيدة
والإيمان، أ إلى هذا الحد يخلو الدين
الإسلامي من الإنسانية والتسامح والعدل؟!.
إن الإسلام ليس هكذا يا إخوان، فالإسلام
وكما يقول الدكتور فرج فودة، أنه دين حق
وسماحة، دين حوار وشورى وعدل ومساواة، دين
يرفض العنف والقسوة، دين الرحمة والغفران،
دين عدم التفرقة ونبذ التعصب، دين يحمل في
طياته الكثير من القيم والمبادئ الإنسانية
النبيلة.
إن ما يجري اليوم في العراق وفي افغانستان
والسعودية ومصر والعالم كله إنما هو جنون
ومرض عقلي وتخلف وجهل بقواعد الدين الصحيح
وجوهر الإسلام الحنيف.
وفيما يلي عرض الكتاب متوخين منها إفادة
القارئ وإشعال الرغبة في داخله لكي يقرأها
دون تأجيل أو تردد:
يتحدث د.فرج فودة، شهيد الكلمة الحرة وقول
الحق، في بداية فصل الحقيقة الغائبة،
متوجهاً بحديثه إلى القارئ، حيث يقول: هذا
حديث قصدت فيه أن أكون واضحاً كل الوضوح،
صريحاً كل الصراحة، زاعماً أن الوضوح
والصراحة في الموضوع الذي أناقشه استثناء،
فقد صبت في المجرى روافد كثيرة، منها رافد
الخوف، ومنها رافد المزايدة، ومنها رافد
التحسب لكل احتمال، وخلف ذلك كله يلوح سد
كبير، يتمثل في الحكمة التي يطلقها
المصريون، والتي تدعو إلى (سد) كل باب
يأتيك منه الريح، فما بالك إذا اتاك إعصار
التكفير، وارتطمت بأذنك اتهامات أهونها
أنك مشكك، وأسئلة أيسرها – هل يصدر هذا من
مسلم؟ -، وواجهتك قلوب عليها أقفالها،
وعقول استراحت لاجتهاد السلف، ووجدت أن
الرمى بالحجارة أهون من إعمال العقل
بالبحث، وأن القذف بالإتهام أيسر من إجهاد
الذهن بالإجتهاد..
هذا حديث دنيا وإن بدا لك في ظاهره حديث
دين، وأمر سياسة وحكم وإن صوّره لك على
أنه أمر عقيدة وإيمان، وحديث شعارات تنطلي
على البسطاء، ويصدقها الأنقياء، ويعتنقها
الأتقياء، ويتبعون في سبيلها من يدّعون
الورع (وهم الأذكياء)، ومن يعلنون بلا
مواربة أنهم أمراء، ويستهدفون الحكم لا
الآخرة، والسلطة لا الجنة، والدنيا لا
الدين، ويتعسفون في تفسير كلام الله عن
غرض في النفوس، ويتأولون الأحاديث على
هواهم لمرض في قلوبهم، ويهيمون في كل واد،
إن كان تكفيراً فأهلاً، وإن كان تدميراً
فسهلاً، ولا يثنيهم عن سعيهم لمناصب
السلطة ومقعد السلطان، أن يخوضوا في دماء
إخوانهم في الدين، أو أن يكون معبرهم فوق
أشلاء صادقي الإيمان.
في هذا الحديث يريد الكاتب أن يقول للقارئ
بأنه يخوض في موضوع قريب إلى ذهنه، ويشير
في ذلك إلى الانتخابات السياسية والنقابية
في مصر، حين ارتفعت وما تزال ترتفع،رايات
مضمونها (يا دولة الإسلام عودي، الإسلام
هو الحل، إسلامية إسلامية)،- ونحن جميعاً
شاهدنا وسمعنا مثل هذه الشعارات في الآونة
الأخيرة عندما جرت الانتخابات النيابية في
مصر-،وهي رايات لا تدري أهي دين أم
سياسة،حيث أن مصدّريها ينطلقون من أن
الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، والدين
والسياسة في نظرهم وجهان لعملة واحدة،وهنا
يضعنا الكاتب أمام وجهتي نظر، كل منهما
تقبل الإجتهاد، بل وقبل كل ذلك كله، تقتضي
الإجهاد، ويقصد بذلك كله إجهاد الفكر
بحثاً عن حقيقة غائبة.
حيث أن وجهة النظر الأولى تتمثل في أن
المجتمع المصري مجتمع جاهلي أو بعيد عن
صحيح الدين، وبين مقولة تجهيل المجتمع،
ومقولة الابتعاد عن صحيح الدين، تتدرج
مواقف القائلين بين التطرف أصحاب المقولة
الأولى، والاعتدال للقائلين بالثانية،
لكنهم جميعاً متفقون على أن نقطة البدء
بالحل تكمن في التطبيق الفوري للشريعة
الإسلامية، وأصحاب وجهة النظر هذه يطرحون
خلف ظهورهم خلافهم حول رأيهم في المجتمع
الحالي، ويستقرون عند التمسك بدعوة تطبيق
الشريعة، مؤكدين أن هذا التطبيق (الفوري)
سوف يتبعه صلاح (فوري) للمجتمع، وحل (فوري)
لمشاكله.
أما وجهة النظر الثانية،فهي تتناقض كلياً
مع وجهة النظر الأولى، وهنا يبادر الكاتب
لكي يطمئن القارئ لها،حيث يستطرد قائلاً
بأنها لا تتناقض الإسلام بل تتصالح معه،
ولا تأتي من خارجه بل تخرج من عباءته، ولا
تصدر عن مارق بل عن عاشق لكل قيم الإسلام
النبيلة والعظيمة..
إن وجهة النظر الثانية تستند إلى مجموعة
من الفروض يمكن عرضها فيما يلي:
أولاً: إن المجتمع المصري ليس مجتمعاً
جاهلياً، بل هو أقرب أحد المجتمعات إلى
صحيح الإسلام إن لم يكن أقربها، حقيقة لا
مظهراً، وعقيدة لا تمسكاً بالشكليات، بل
إن التمسك الأصيل والشديد بالقيم الدينية
يمكن أن يمثل ملمحاً مصرياً،والشواهد على
ذلك كثيرة، بدءاً من تردد المصريين على
المساجد وحماسهم لبنائها، وتنافسهم على
مراكز الصدارة في عدد الحجاج من بلاد
العالم الإسلامي كله، واحتفائهم بالأعياد
الدينية، بل وتحول شهر رمضان إلى عيد ديني
قومي لا يمكن تبرير الشغف به، والاحتفاء
بحلوله .... وانتهاء بما ساهمت به مصر في
مجال العقيدة والإجتهاد، بدءاً بالليث بن
سعد، وفقه الشافعي في مصر، وانتهاء
بالأزهر الشريف ودوره كمنارة للفكر
الإسلامي.
ثانياً: إن تطبيق الشريعة الإسلامية ليس
هدفاً في حد ذاته، بل إنه وسيلة لغاية لا
ينكرها أحد من دعاة التطبيق وأقصد بها
إقامة الدولة الإسلامية...
وهنا ينتقل النقاش إلى ساحة جديدة، هي
ساحته الحقيقية، وهي ساحة السياسة، وهنا
يطفو على سطح النقاش سؤال بسيط وبديهي،
ومضمونه أنهم ما داموا قد رفعوا شعار
الدولة الإسلامية وانتشر أنصارهم بين
الأحزاب السياسية يدعون لدولة دينية
يحكمها الإسلام، فلماذا لا يقدمون إلينا –
نحن الرعية – برنامجاً سياسياً للحكم،
يتعرضون فيه لقضايا نظام الحكم وأسلوبه،
سياسته واقتصاده، مشاكله بدءاً من التعليم
وانتهاء بالإسكان، وحلول هذه المشاكل من
منظور إسلامي.
ويبدو أن تقديم مثل هذا البرنامج السياسي
للحكم يشمل حلولاً لكافة القضايا
والمعضلات الاقتصادية والتعليمية
والاجتماعية والحقوقية..الخ،صعباً ما زال
يعانون منه دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية،
والسبب كما يوضحه لنا الكاتب، يعود إلى
عقم الإجتهاد، وعجز القدرة.
وهناك عشرات الأمثلة على صدق حقيقة فيما
يطرحه الكاتب ومنها ما يتعلق بقوانين
الأحوال الشخصية وفي ضمنها قضية حقوق
المرأة وحقها في العمل وأزمة الإسكان
القائمة من حكم الشقة المستأجرة أو (التمليك)
وهي كلها أمور أوقعت العلماء في حيص(وهي
الاختلاف بينهم)، وفي بيص (وهو الخلاف
بينهم من ناحية وبين قطاعات كبيرة في
المجتمع من ناحية أخرى)، وفي الأحوال
الثلاث أي القوانين الثلاثة، وجد العلماء
ضالتهم من الانتقال من مالك إلى أبي حنيفة،
فإن لم يجدوا انتقلوا إلى فتاوى فقهاء أقل
حظاً من الشهرة من أمثال سهل بن معاوية،
وهم في كل الأحوال لم يتجاوزا القرن
الثاني الهجري قيد أنملة، أو إن شئنا
الدقة قيد عام.
ماذا سيكون الحال إذا تطرق الأمر إلى مجال
الاقتصاد، وشغل دعاة الدولة الإسلامية
أنفسهم بقضية الإنتاج في المجتمع، وفوجئوا
بحجم استثمارات القطاع العام التي تتراوح
بين ثلاثين إلى خمسين مليار جنيه، يعتمد
تمويلها على مدخرات المصريين في بنوك
القطاع العام، والمدخرات في صورة ودائع،
والودائع تستحق فوائد، وآخر اجتهادات
القرن الثاني الهجري، والتي لم تعاصر
قطاعاً عاماً أو بنوكاً أدخلت العائد
الثابت للمدخرات في دائرة الربا، وآخر ما
وصل إليه الداعون للدولة الإسلامية هو
الركون إلى اجتهادات هؤلاء الفقهاء،
وكأنها تنزيل من التنزيل، ماذا سيكون
الحال؟..
ثم يتطرق الكاتب إلى الأمور التي تتعلق
بالحاكم وأسلوب اختياره، ويستطرد قائلاً:
لنبدأ بالحاكم، وبديهي أن أول ما سيتبادر
إلى ذهنك هو الشروط التي يجب أن تتوافر
فيه، وقد تتصور أن الشروط سهلة، وأنها
يمكن أن تتمثل في كونه مسلماً عاقلاً
رشيداً إلى آخر هذه الأوصاف العامة، لكنك
تصطدم بشرط غريب، تذكره كثير من كتب الفقه،
وهو أن يكون (قرشياً)، وقد تتعجب من أن
ينادى البعض بهذا الشرط باسم الإسلام،
الذي يتساوى الناس أمامه (كأسنان المشط)،
والذي لا يعطى فضلاً لعربي على عجمي إلا
بالتقوى، وقد يتبادر إلى ذهنك خاطر غريب،
وإن كان صحيحاً، يتمثل في أن هذا الشرط قد
وضع لكي يبرر حكم الخلفاء الأمويين أو
العباسيين، وكلهم قرشي، بل قد يتداعى إلى
ذهنك ما قرأته في كتب التاريخ القريب عن
الملك فاروق في أول عهده، حين قدمه محترفو
السياسة إلى المصريين في صورة الملك
الصالح، وظهر في الصورة بلحيته ومسبحته
ونصف إغفاءة من عينيه، وتسارع بعض رجال
الدين (الطموحين) إلى المناداة به ملكاً (وإماماً)
للمسلمين،واجتهاد الأذكياء منهم في إثبات
نسبه للرسول، وتبارى الإعلام في الإعلان
عن هذا النسب وتأكيده. (منوهاً الكاتب
قائلاً على الرغم مما هو ثابت من أن جده
لوالده هو محمد علي باشا الكبير (الألباني)
وجده لوالدته هو سليمان باشا (الفرنساوي)).
[ ولكن لزاماً علينا أن ننوه أيضاً بأنه
هناك خطأ شائع في نسب واصل محمد علي باشا،
وترجيح هذا النسب إلى الأصل الألباني،
ولكن الأصح وللحقيقة التاريخية نؤكد بان
محمد علي باشا هو من أصل كردي، لكنه إبان
الحكم العثماني جاء إلى مصر قائداً للحملة
على رأس جنود ألبانيين، وبما أنه كان
قائداً للحملة فسر على أنه الباني].
ثم يستطرد الكاتب في حديثه إلى القارئ،
لعلك مثلي تماماً لا تستريح لهذا الشرط
الذي يصنف المسلمين إلى أصحاب دم أزرق وهم
القرشيون الحكام، وأصحاب دم أحمر ينتظم
الأغلبية، لكنهم يواجهونك بحديث نبوي
مضمونه أن الإمامة من قريش، وتتبادر إلى
ذهنك في الحال عشرات الأحاديث التي وضعها
الوضاعون، والتي وصولوا فيها إلى تسمية
الخلفاء العباسيين وتحديد موعد خلافتهم
بالسنة واليوم، وهي كلها أحاديث وضعها من
لا دين لهم إلا هوى الحكام، ولا ضمير لهم
ولا عقيدة، لكنك في نفس الوقت تخشى من
اتهامك بالعداء للسنة، خاصة من الذين
قصروا دراستهم للأحاديث النبوية على أساس
السند وليس على أساس المتن (أي المعنى
والمضمون ومدى توافقه مع النص القرآني)،
ولا تجد مهرباً إلا بتداعيات اجتماع سقيفة
بني ساعدة في المدينة، والذي اجتمع فيه
لانتخاب سعد بن عبادة، وسارع أبو بكر وعمر
وأبو عبيدة الجراح إليهم ورشحوا أبا بكر،
ودار حوار طويل بين الطرفين، انتهى
بمبايعة أبي بكر، وأنت في استعراضك للحوار،
لا تجد ذكراً للحديث النبوي السابق، وهو
إن كان حديثاً صحيحاً لما جرؤ سعد بن
عبادة سيد الخزرج على ترشيح نفسه.. ويكفي
أن تعلم أن سعد بن عبادة ظل رافضاً لبيعة
أبي بكر إلى أن مات، ولم يجد من يأخذ بيده
إلى هذا الحديث فيبايع عن رضى وهو الصحابي
الجليل ذو المواقف غير المنكورة في
الإسلام....
ثم ينتقل الكاتب في حديثه إلى الخلاف
والشقاق الذي جرى في اجتماع السقيفة، لما
رفض علي قبول تولية أبي بكر ومبايعته على
اختلاف في الرواية بين رفضه المبايعة
أياماً في أضعف الروايات، وشهوراً حتى موت
فاطمة في أغلبها، بل أن أسلوب السقيفة لو
كان هو الأصح، لاتبعه أبو بكر نفسه وترك
تولية من يليه إلى المسلمين أو أهل الحل
والعقد منهم، وهو ما لم يفعل حين أوصى
لعمر بكتاب مغلق بايع عليه المسلمون قبيل
وفاته دون أن يعلموا ما فيه، وهو أيضاً ما
خالفه عمر في قصر الإختيار بين الستة
المعروفين، وهم علي وعثمان وطلحة والزبير
وابن عوف وسعد، وهو ما اختلف عن أسلوب
اختيار علي ببيعة بعض الأمصار، ومعاوية
بحد السيف، ويزيد بالوراثة.
أنت هنا أمام ستة أساليب مختلفة لاختيار
الحاكم، يرفض المتزمتون تجاوزها، ويختلفون
في تفضيل أحدهما على الآخر، وواقع النظم
الإسلامية المعاصرة في عالمنا الحديث دليل
دامغ على ذلك، فهناك بيعة أهل الحق والعقد
(المختارون) في السعودية مع قصر الترشيح
على أفراد الأسرة المالكة، وهناك المبايعة
على كتاب مغلق يكتبه الحاكم ويوصي فيه لمن
يليه، اشتقاقاً من أسلوب اختيار أبي بكر
لعمر، في السودان في عهد النميري، وهناك
ولاية الفقيه في إيران، وهناك اعتبار
الموافقة في الاستفتاء على الشريعة
الإسلامية موافقة ضمنية على الحاكم
واختياراً له في الباكستان، وهناك في كل
الأحوال مانع جديد يضاف إلى ما سبق، وهو
أن مدة تولية الحاكم في كل الأحوال
السابقة مستمرة مدى حياته، ولا عبرة في
ذلك بأن البيعة على أساس الالتزام بكتاب
الله وسنه ورسوله، وأن الحاكم يعزل إذا
خالف ذلك، فما أكثر ما خالف، دون أن يعزل
أو حتى يعترض عليه قديماً كان أو حديثاً...................
ثالثاً: يثبت الكاتب بأن صلاح المجتمع أو
حل مشاكله ليس رهناً بالحاكم المسلم
الصالح، وليس أيضاً رهناً بتمسك المسلمين
جميعاً بالعقيدة وصدقهم فيها وفهمهم لها،
وليس أيضاً رهناً بتطبيق الشريعة
الإسلامية نصاً وروحاً، بل هو رهن بأمور
أخرى كما يوضحه لنا مستنداً على المنطق
كدليل، وعلى وقائع التاريخ، حيث يقول:
وليس كالمنطق دليل، وليس كالتاريخ حجه،
وحجة التاريخ لدىّ مستقاة من أزهى عصور
الإسلام عقيدة وإيماناً، وأقصد به عصر
الخلفاء الراشدين.
يستطرد الكاتب في حديثه حيث يقول: أنت
أمام ثلاثين عاماً هجرياً (بالتحديد تسعة
وعشرون عاماً وخمسة أشهر) هي كل عمر
الخلافة الراشدة، بدأت بخلافة أبي بكر (سنتين
وثلاثة أشهر وثمانية أيام) ثم خلافة عمر (عشر
سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً) ثم خلافة
علي (أربع سنين وسبعة أشهر).
وحسب الكاتب أنه في العهدين المذكورين
كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من
هموم الدولة وإرساء قواعدها، حيث أن خلافة
أبي بكر قد انصرفت إلى الحرب بين جيشه
وبين المرتدين في الجزيرة العربية، وكذلك
خلافة علي خلال الأربعة أعوام والسبعة
أشهر قد انصرفت إلى الحرب بين جيشه في
ناحية وجيوش الخارجين عليه والرافضين
لحكمه في ناحية أخرى، بدءاً من عائشة
وطلحة والزبير في موقعة الجمل، وانتهاء
بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات
الحروب مع الخوارج عليه من جيشه.
أما بالنسبة لعهد عمر وعهد عثمان، حيث
يقول الكاتب انه يمكن أن تتعرف فيهما على
الإسلام الدولة في أزهى عصور الإسلام
إسلاماً، وأحد العهدين عشر سنين ونصف (عهد
عمر)، والثاني حوالي اثني عشر عاماً (عهد
عثمان)، فعمر وعثمان من أقرب الصحابة إلى
قلب الرسول وفهمه، والاثنان مبشران
بالجنة، وللأول منهما وهو عمر مواقف
مشهودة في نصرة الإسلام وإعلاء شأنه، وهي
مواقف لاتشهد بها كتب التاريخ فقط، بل
يشهد بها القرآن نفسه، وللثاني منهما وهو
عثمان مواقف إيمان وخير وجود، ويكفيه
فخراً أنه زوج ابنتي الرسول، أما عن
المحكومين، فهم من صحابة الرسول وأهله
|