|
قطاف قبل الأوان
- قصة قصيرة _
ماهين شيخاني
إلى روح الصحافي والشاعر : فرهاد جلبي
الجميع غادروا ، تلاشوا رويدا رويدا
كالسراب ، تبخر ذاك التجمهر الاحتفالي،
تناثروا كذرات الغبار المتجمع فوق ذاك
القبر الجماعي في بداية تعبئته بالتراب ،
لم يعد وشوشاتهم مسموعة ولم تعد الكلمات
والبرقيات تتلى ، خيم الليل وساد الصمت
والسكون ، بقي وحيدا بين القبور ، يختبئ
وراء شاهدة كتب عليها ، الفاتحة على روح
الشهيد ( .....) مواليد 1948 حريق سينما
عامودا 1960 .تفاجئت الملائكة و النجوم
همست لبعضها : ماذا يفعل هذا المعتوه هنا
...؟
تسلل إلى القبر حاملا رفشا وبدأ بنبشه
بسرعة البرق ، أخرج أحد الجثث من التابوت
، وحملها بكل قوته ، سمع هفيف الكتب و
المجلات المتساقطة من الجثة ، حملها على
ظهره وخطى بسرعة العتال الذي يحمل كيسا
ووضعها في سيارة مغلقة ، خلف مقعد السائق
، ثم توجه إلى مقعده ، وضع رأسه قليلا على
المقود ، التقط أنفاسه ، شغل المحرك وأخذ
مساره .
بعد خروجه من المدينة ، سمع صوت ينادي
باسمه ، نظر من خلال مرآة السيارة بهلع
إلى الجثة المكفنة وقد عدلت من جلوسها
كإنسان سليم ، صاح ، حي بعد أن كان ممدودا
على المقعد ، ارتبك قليلا ثم سيطر على
مقود السيارة وتلى في سره آية قرآنية ،
يستصيخ السمع إلى الجثة وهي تقول :
- يا أبا آزاد لم هذه المجازفة ؟ لماذا
تعرض حياتك للخطر والمسائلة ، عرفتك
مسالما ، راضيا بحكم الله وقدره ، ما أنا
إلا جثة ، ماذا ستستفيد من جراء ذلك .
- ردَ وهو يهز رأسه يمنة ويسرة بحركة
عفوية : لا أعلم ....؟ ولكنني لا أتخيل
الصحافة الكردية ، والمهرجانات والأمسيات
الثقافية يدونك ؟.
- الأمة التي أنجبتني ، أنجبت الكثير من
أمثالي وهذا هو عزائي ، قل لي أين عظمائنا
، كتابنا وشعرائنا ، هذه حال الدنيا ،
وأنا العبد الفقير لا امثل نقطة من بحرهم
، استحلفك بالله عد الىرشدك ، وعد بي
الىشرمولا .
- كم أنت عظيم ، عظيم حتى في ....؟
- مماتك ؟! أليس كذلك ....؟
- لا أحبذ هذه الكلمة ، ارفضها ، ها أنت
تتكلم معي وتجادلني ، أنت حي ، حي يا أبا
لوران .
- بالله عليك ، لماذا سرقتني ، عفوك _
أخذتني _ كنت مرتاحا وقد انزاح عن كاهلي
كل المسؤوليات ، أحس بأنني غادرتكم على
طائرة نوم هادئة ، إنها استراحتي الأخيرة
، لما عدت بي .ثم هل تعلم من كانوا في
استقبالي ، لن تصدق إن قلت لك بان من بين
المستقبلين جكرخوين ومحمد شيخو ، وهل تعلم
بأننا كنا نراكم عن كثب ، وكم كانوا
فخورين بكم وبتضامنكم في السراء و الضراء
.
صدرت منه تنهيدة وقال : آه شرمولا....؟
زرتك كثيرا وسمعت هتافات شهداءك مخترقا
أذني وأنفاسي ( الحياة صراع ضد الموت
والشر ، ندعوكم لدخول مقبرتنا ، فهي
الملجأ الآمن من أوحال الظلم والشر ) . لم
اعلم بأنني سأكون ضيفك مع أعزائي ،
وسأتشرف بنيل أقامة في ملاذك . كانت
مشاركاتي وأمسياتي في منزل الشاعر الكبير
جكرخوين ، أحياننا كنت أتخيل نفسي بأنني
سأرقد بجانبه ، وسيتلو لي قصائده ،
وسأراكم تتلون القصائد والأشعار في
زياراتكم لنا....ولكن هذا ما كتبه لي
القدر .
- وقد كتب لك بأنني سأخرجك من القبر ولن
أتركك بين الأموات أبدا ، أنت حي ، حي في
المهرجانات ، حي في المناسبات ، حي في
الصحافة .
- أنت طيب القلب جدا ، أشكرك لعواطفك نحوي
_ وربت على كتفه _
- استدار إليه وقال : نعم . ثم غمغم بصوت
متحشرج ...؟
ناداه سائق السيارة وقد صاحبه مسحة حزن
كانت مرتسمة على عينيه ووجهه :
- أخي العزيز ، لم يبق أحد في المقبرة ،
قد رحل الجميع ، علينا اللحاق بالرفاق ،
أنهم ينتظرونك في السيارة منذ مدة .
انسالت دمعة دافئة ، لتحفر على خده ذكرى
صديق عزيز لن ينساه طوال حياته .
5 \11\2004
|