Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 
خصوصية القضية الكردية في سوريا

ميتان هوري


إن القضية الكردية في سوريا , قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية تعرض وطنه كردستان عبر التاريخ لعمليات تقسيم جائرة، ويعاني من سياسة شوفينية وتدابير ومشاريع عنصرية تطبق من قبل السلطة الحاكمة في دمشق, يناضل أبناءه منذ عقود عديدة من أجل رفع الاضطهاد والغبن القومي وتأمين حقوقه الديمقراطية والقومية المشروعة من خلال اعتماد أسلوب النضال السياسي الديمقراطي السلمي.
أما الحديث عن خصوصية القضية الكردية في سورية يستدعي حتما العودة المكثفة والسريعة إلى صفحات تاريخ المنطقة والمناطق الجنوبية الغربية من كردستان بصورة خاصة، فمنذ أقدم العصور سكنت هذه المناطق شعوب تعتبر أسلاف الكرد بحسب المصادر التاريخية، مثل السوباريين والميتانيين، بنوا عليها حضارة عريقة يشهد التاريخ على عظمتها, كما ضمت الدولة الدوستكية الكردية التي أقامها الكرد في عهد الخلافة العباسية أجزاء واسعة وهامة من تلك المناطق، وفي مرحلة الحكم العثماني أقام الأكراد عدة إمارات كردية مستقلة على أرض كردستان منها إمارة بوطان التي شملت أراضيها الجزيرة الكردية، و بموازاة ذلك كانت منطقة كرداغ خاضعة لإمارة كلس, لذلك فإن المناطق الكردية (كوباني-جزيرة-كرداغ) تاريخيًا وجغرافياً تعتبر امتداداً طبيعياً لكردستان , إلا أن المصالح الاستعمارية! وما نتج عنها من اتفاقيات وتسويات في بدايات القرن الماضي فرضت واقعاً جغرافياً وسياسياً على شعوب المنطقة أفرز بدوره كيانات ودول جديدة ناشئة، كما هو حال الدولة السورية التي امتدت على رقعة جغرافية مؤلفة من قسمين , قسم واسع من الأراضي العربية وآخر اقتطع من أرض كردستان وبذلك ضمت الدولة الناشئة جزءاً هاماً من الشعب الكردي تعداده الحالي يناهز ثلاثة ملايين نسمة، ارتبطت حياته ومستقبله بمصير العرب السوريين وغيرهم من أقليات أثنية, وتعامل المواطن الكردي بمسؤولية وحس وطني عال مع هذا الواقع الجديد من خلال مشاركته الفعالة والمؤثرة في عملية بناء الوطن المشترك والدفاع الجاد عن القضايا الوطنية العامة , ولكن مع الأسف ظل الإنسان الكردي في ذلك الجندي المجهول الذي يقدم كل ما لديه من أجل الوطن دون مقابل أو عرفان بجميل من الجانب العربي <المقصود هنا السلطة الحاكمة > الذي يشكل الأغلبية السكانية و يسيطر على مقاليد الحكم، كما أصبح الكرد ضحية سياسة شوفينية حاقدة رسم خطوطها الرئيسية أصحاب العقول المتخلفة أمثال الشوفيني المعروف محمد طلب هلال مهندس المشاريع العنصرية والقوموية الفجة , وغيره من الحاقدين على الكرد , فكان من الطبيعي أن يفكر الكرد وأبناءه المثقفون الذين أدركوا قبل غيرهم خطورة الموقف و تداعياته بالنسبة للمستقبل الكردي في سورية , بالبحث عن وسيلة و أداة تساعدهم في الخلاص والتحرر من تلك السياسة المتخلفة وتأمين حقوقهم القومية المشروعة, فكان طابع التنظيمات السياسية الكردية يختلف عن الأحزاب القومية العربية والشيوعية الطبقية وكذلك الكردستانية, تعمل من اجل القضية الكردية في سورية بالدرجة الأولى التي تشكل جزءاً هاماً وأساسياً من القضايا الوطنية السورية، بموازاة حضورها الفاعل والمؤثر على ساحة الفعل السياسي الكردستاني من خلال تنسيق المواقف والجهود القومية والدعم المتبادل على قاعدة الاحترام والتآخي القومي والاعتراف بخصوصية كل جزء، تلك الخصوصية القائمة على واقع اقتصادي وسياسي وثقافي محدد بخريطة جغرافية أفرزته إرادة دولية – استعمارية، و استمرار هذا الواقع المفروض على الكرد والعرب معاً لعقود طويلة أنشأ مجتمعاً سورياً يضم مكونات قومية واثنية وطائفية ومذهبية مختلفة ومتباينة لتشكل معا لوحة حضارية متناسقة وبديعة ساهم الجميع في عملية بنائها كمواطنين ينتمون إلى وطن واحد لا كرعايا ومواطنين موزعين بين الدرجات (درجة! أولى -ثانية -ثالثة.....الخ )، ولكن الانقلابات العسكرية وخاصة انقلاب حزب البعث (1963) واستيلاءه على زمام الأمور شوه تلك اللوحة الحضارية بتطبيق مبادئه الإيديولوجية والشمولية وفي مقدمتها المادة الثامنة من الدستور التي تعتبر البعث الحزب القائد للمجتمع والدولة في ظل غياب قانون حضاري ينظم عمل الأحزاب السياسية وكذلك غياب الحريات الديمقراطية العامة وسيادة منطق الحزب الواحد وعدم الاعتراف بالآخر المخالف وبل إلغائه بقوة الأجهزة الأمنية التي تحكم البلاد فعليا ، بحيث أصبحت مهمة البحث عن الذات القومية وحتى الطائفية والمذهبية مهمة ذات شأن وقيمة لدى كل طرف ومكون من مكونات المجتمع السوري، خوفا من الاندثار والانصهار في بوتقة القومية العربية المسيطرة. ومن هنا طغى على السطح حالة الانعزال القومي والاهتمام المفرط بالمميزات والخصائص القومية لدى كل طرف دون استثناء، فأمعن الجانب العربي المتمثل بالسلطة الحاكمة والشوفينيين في سياسات التمييز العنصري والاستعلاء القومي تجاه الكرد والإفراط في التركيز على عروبة سوريا وعدم الاعتراف بالتنوع القومي الموجود! كواقع طبيعي في سوريا، مما أثر سلبا على الجانب الكردي ودفعه نحو انتهاج سياسات قومية وقائية من خلال التمسك بالخصائص القومية وتنمية الشعور القومي كخطوة دفاعية في مواجهة السياسة الشوفينية ومشاريعها العنصرية التي تستهدف الوجود الكردي ، وبالتالي نشأت حالة احتقان عامة في الشارع السوري بدلا من الوفاق الحضاري الذي يرسخ دعائم السلم الأهلي الذي ينشده الشعب الكردي وحركته السياسية التي كسرت دائرة العزلة القومية ونقلت نضالها إلى الشارع الوطني السوري عبر التفاعل الجاد مع الوسط العربي بمختلف فعالياته الاجتماعية والثقافية والسياسية كرقم أساسي وهام في المعادلات السياسية السورية وكشريك في الوطن والمصير، فالوجود الكردي الفاعل والمؤثر في -إعلان دمشق- دليل وتجسيد واقعي وعملي على ذلك، إذ تعامل الكرد كشريك حقيقي في عملية بناء الوطن السوري رغم السياسة الشوفينية المطبقة بحقهم ورغم الخصوصية التي تميز قضيتهم عن سائر فئات الشعب السوري، فالشعب الكردي يعيش حالة اضطهاد قومي ويعاني من سياسات تمييزية ومشاريع عنصرية استثنائية من جهة، ويتمتع بثقافة وتاريخ ولغة خاصة به من جهة أخرى، بالإضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية والتراث القومي المميز،...هذا على صعيد الوطن السوري، أما على! صعيد القومي الكردستاني فيمكن تلمس ملامح خصوصية القضية الكردية في سوريا فيما يلي: * فشل سياسات بعض الأطراف الكردستانية بإمكانية تمثيلها للحركة التحريرية الكردية في سائر أرجاء كردستان و شطب دور الحركة الكردية في سوريا وخلق منظمات بديلة تابعة لها . بالإضافة إلى اعتبارهم الشعب الكردي في سوريا رافداً داعماً يمد الساحات الكردستانية الأخرى بالدعم المادي والبشري، وتجربة حزب pkk المريرة في المناطق الكردية في سوريا خير مثال على ذلك، ومازال أبناء شعبنا يعيش تداعياتها ، وكذلك أن سياسة المحاور الكردستانية لم تجد نفعاً.
* - فشل دعوات البعض في بدايات الحركة السياسية الكردية في سوريا إلى (تحرير وتوحيد كردستان) لعدم ملاءمتها للواقع وعدم امتلاك أصحاب تلك الدعوات الحد الأدنى اللازم من الوعي السياسي لقراءة واقع الشعب الكردي في سوريا وقضيته بأسلوب علمي وموضوعي، بتعبير آخر تجاهل هؤلاء الظروف الموضوعية والذاتية، إلا أن القيادة الكردية أدركت مبكرا خطأ ذلك الشعار (تحرير وتوحيد كردستان ) وتبنت شعارات بديلة تعتمد على القراءة السليمة والموضوعية للواقع الفعلي.
*- الاختلاف والتباين في الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية لكل جزء من كردستان، فالمواطن الكردي في سوريا يعيش ظروفاً سياسية واقتصادية وثقافية مختلفة عن ظروف المواطن الكردي في كردستان تركيا مثلا، وإن تشابهت وتماثلت في بعض الجوانب فيبقى التباين والاختلاف قائما. فالسياسة الشوفينية التي تمارسها السلطة الحاكمة في سوريا تجاه الكرد مختلفة عن سياسات النظام الإيراني الإسلامي والسلفي، وبناء عليه تختلف أساليب النضال وأدواته لدى الأحزاب الكردية في كل جزء وفق الخصوصية التي تميزه عن الآخر.
وفي الختام لابد من تأكيد حاجة القضية الكردية في سوريا لأحزاب سياسية تعمل على الساحة الوطنية السورية بشكل جدي ومسؤول وتعمل على تشكيل مرجعية موحدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية وباستقلالية القرار، وتنتهج خطاب إعلامي مناسب يعبر عن خصوصية القضية ويجسدها.

 


------------------
نقلا عن جريدة الوحدة التي يصدرها حزب الوحدة الديمقراطي الكردي ( يكيتي) في سوريا، العدد 156
 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE