|
أصابه دوار خفيف أثناء فتحه باب
غرفته المفتقدة
للتهوية........بالكاد استطاع مد
يده إلى زر الإضاءة......مشى
متثاقلاً ثم ارتمى على فرشة
الإسفنج الرطبة التي تلاصق الجدار
بادئاً بذلك رحلة نومه المضطربة
حيث الكوابيس المتلاحقة،
والاختلاجات ،واصطكاك الأسنان .
استفاق صباحا عند التاسعة و النصف
ليجد نفسه متكورا، ًو قد انزاحت
البطانية عن الجزء السفلي من
جسمه.
أجال بصره في أنحاء غرفته الكئيبة
باحثاً عن أي سبب يجعله يعاود
النوم إلا أنه أخفق في مسعاه، حتى
أنه لم يتذكر تفاصيل ما حلم به
رغم تأكده من كونه قد حلم بشيء
ما.
عزف عن محاولة التذكر، فقد خانته
ذاكرته مرارا ًبعد إطلاق سراحه من
معتقل بقي فيه خمس سنين متنقلا
ًما بين زنازينه، و منفرداته اثر
انخراطه في سلك من يعارضون
القائمين على دحرجة المصائر.
بعد تأمل مصحوب بإغفاءاتٍ قصيرة
ألفى نفسه متسمراً على النافذة
إثر سماعه لزعيق شيطاني صادر عن
فرملة سيارة مسرعة.
أعمته الشمس وهو يطل على الشارع ،
لكنه سرعان ما فسر المشهد، و ميّز
الفتاة المقذوفة إلى جانب الرصيف
،و قد صبغت الدماء قميصها الأبيض
فبدا اللونان متطرفين إلى حدود
تفجير مكامن ذاكرته البليدة،
فمجريات حلمه المجبول ببرد الليلة
الفائتة بدأت تتسرب إلى ذهنه
تباعاً .
شاهد في حلمه ثلة أطفال ذوي سحنات
غريبة يعبثون بتراب أسود، وأحدهم
يهيل التراب على رؤوس أقرانه
بينما انزوى آخر وحيدا ًليستدير
فجأة مُظهِراً وجهه الدميم
الممتلئ أخاديدا و ندباً مقطَبة.
هاله الأمر وندم على استدعائه
لتفاصيل ذاك الكابوس....أحس
بقدميه تخذلانه عن متابعة الوقوف
فجلس لا إرادياً.....أطرافه
المتخشبة جعلت جلوسه عذاباً
إضافياً .
عاود التمعن في مكونات غرفته
الرطبة كأنه يبحث عمّا يسعفه من
الدوار، و من قتامة اللون الذي
ران على بصره ....آنئذٍ أدرك
صعوبة استحواذ الهلع عليه و هو
يستهل نهاره الصيفي الطويل.
أطلق زفرة ذات وقع غير معهود
لديه........لم يستطع استنهاض
قواه، فكل ما يحيط به يحدث في
النفس أسى لا يُحَد .
أصوات المارّة و الجيران
المحتشدين أمام الجثّة المغطّاة
بالجرائد و همهماتهم استنفرت
الطّاقة الهستيرية في داخله،
فأجهش بالبكاء.....أراد أن تطبق
على أذنيه جهات الأرض كي لا يسمع
سوى الصمت، و لا شيء آخر غيره .
مسح دموعه بكم قميصه و نهض
....ترنّح قليلاً....لمعت في ذهنه
فكرة إعداد الشاي فلطالما داهمته
أعراض فقر الدم و هو في المعتقل،
وكانت الوصفة الإسعافية التي
أخذها من المساجين ذوي الُدربَةِ
كأساً من الشاي الثقيل المحلّى .
توجه للمطبخ بمشية نصف عرجاء، و
ثبّت إبريق الشاي على الموقد
المتهالك بينما كانت صورة الفتاة
المدهوسة تقفز إلى ذهنه بين
الفينة و الأخرى، وكعادته نسي
الإبريق حتى فار، فأطفأ الموقد
ووضع الكأس الكبير ذي الزوايا على
طاولته الزجاجية .
استلقى على الأريكة القديمة
الموحيّة بجو غرائبي، وقد استقرت
فوقها شراشف ووسائد كيفما اتفق.
لثوان معدودة اعتراه شعور بالإثم
و الندم، وأحس في قرارة نفسه أنه
متوحش و بوهيمي لمجرد تفكيره بشرب
الشاي بعدما شاهدة من خلال نافذة
الشؤم تلك .
تمتم بطلاسم و أومأ بعينيه ثم فرد
ذراعيه و أطبقهما بعنف على فخذيه.
عويل سيارة الإسعاف زادت سحنته
وجوماً....................
صبّ السائل ذي اللون الأسمر فبدا
الكأس الكبير أشبه بمدينة من
الألوان، بعد أن استحالت إحدى
زواياه إلى موشور يترجم الشعاع
المنبثق من النافذة إلى ألوان
الطيف بكامل قيافتها.
مدّ يده ليلتقط شريحة من الورق
المقوّى كان قد دوّن عليها بعض
خواطره ......حدّق فيها ثم ارتسمت
على شفتيه ابتسامة صفراء غير
متساوقة مع ملامح وجهه الموغلة في
الكآبة .
شرد ساهماً و كأنه يصيخ السمع إلى
الصخب المموسق الآتي من
الشارع....نسي كأس الشاي الذي
برد وما لبث أن اختطفه ،و كرعه
دفعة واحدة فدخلت وريقات الشاي
المترسبة في قعر الكأس إلى فمه
،فتلبسته الحيرة ثم قرر ابتلاعها
مغمضا عينيه.
نهض باتئاد ثم خرج صافقاً الباب
خلفه بعنف، فدب الذعر في قطة
الجيران التي اصطدمت بقدميه وهي
تعدو إلى الطابق الأعلى .
بدأت الصور و الأخيلة تتزاحم في
ذهنه ..............طفولته التي
أمضاها في العبث بالتراب .....أمه
التي ماتت كمداً بعد غيابه
القسري......أخوته القاطنون
ماوراء البحار.....أقبية
التحقيق.......السجانون
.....أصدقاؤه الذين
تشتتوا......الفتاة الغارقة في
دمها..........العبثيّة
اللامتناهية التي التهمت حياته.
تجاوز مدخل البناء المعتم ليقف
مذهولاً أمام أرتال السيارات، و
جموع البشر غير الآبهين به ، ولا
بظله المنهك الممدود على الإسفلت
.
|