H  E  V  G  I  R  T  I  N  A

REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE


اتحاد المثقفين الكورد-غربي كوردستان في الخارج
rojava@rojava.net
 

 
 

Kurdi عربيEnglishSwedishHevgirtin

 
 

 

 
     

أنا ميت إذا˝أنا موجود!
 

م . جيمكاف

 

           

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا حول ولا قوة إلا بالله... وإنا لله وإنا إليه راجعون...
هكذا قال شيخ القرية وانحنى على الميت يحثو على قبره حفنة من التراب .. وأسميه ب "شيخ القرية!" وهو لم يذهب أبدا إلى مدرسة بل تعلم القرآن والحديث على يدي أبيه الكردي الذي لم يذهب قط إلى المدينة.. وبعد أقل من نصف ساعة كان الميت مطمورا في حفرة عرضها متر وطولها متران تحت صف من رقائق صخرية وثقل حمارين من التراب الأحمر، وتم نسيانه بسرعة فائقة سوى من قبل زوجته التي عليها مواجهة مستقبل قاس وطويل ، في حين كان أولاده الصغار بعد أقل من ساعتين يلعبون على البيادر... يا لها من قرية فقدت ذاكرتها! ولكن التقاليد والأعراف تنص على العودة بعد دفن الميت إلى داره لمواساة أهله واستقبال المعزين القادمين من القرى الصغيرة المجاورة في تلك الأنحاء الجبلية التي تبدو وكأنها مقطوعة عن العالم من كل جهة، والتي لاهاتف ولادائرة حكومية فيها.. وكأنها تعيش في المنفى...
حشر الناس أنفسهم في غرفة صغيرة وجلسوا متلاصقين في صمت وحزن مصطنع وراحوا يقرؤون الفاتحة مع قدوم كل زائر جديد، بعد الترحيب به، ثم يعودون إلى أحاديثهم التي تذكر بالموت والحياة وبرحمة الله والخلود والجنة وما إلى هنالك مما يخطر على البال في تلك المناسبات.
انبرى شيخ القرية يتلو من القرآن الكريم وينتقل بعد تلاوة سورتين قصيرتين، خوفا من أن يكتشف طلاب المدرسة أخطاءه أثناء التلاوة، إلى الوعظ والتذكير بفضائل الميت وإلى الدعاء له ولأهله وللحاضرين بالرحمة والجنة، ولم ينس الشيخ نفسه طبعا.. ثم وزع أقارب الفقيد في صحون خشبية مليئة بعض الحلوى والتين المجفف والباستيق وعصير الرمان في كؤوس مزركشة، فامتدت إليها الأيادي بنهم عجيب، مما أضطر الشيخ إلى تلاوة الفاتحة ، وذلك يعني (كردياً!) انتهاء الوليمة مهما كانت عزيزة على القلب. ورفعت الصحون والأكواب لتنتشر علب السجائر والقداحات في مكانها بين الجالسين على طرفي الحصيرة الممتدة من أول الغرفة إلى آخرها.. وهمّ شيخ القرية بالنهوض متذرعا بأن التدخين من المحرمات فطلب منه شاب يرتدي الثياب المدنية أن يظل قاعدا ليجيب عن سؤال يبغي طرحه على الشيخ، فنظر الجميع بعيون ملؤها العجب وأنصتوا بآذان صاغية.
- شيخ أفندي! أنت كررت مرارا بأن صاحبنا ميت!
- طبعا ميت وعليه رحمة الله.. وقرأ "إنك ميت وهم ميتون." - ولكنه موجود! رغم أنه ميت .. - نعم.. إنه موجود بجسده ولكن روحه فارقت جسده.. - ولكن عندما دفناه لم نر له روحا تخرج من جسده..فهل رأيت شيئا كهذا؟
- لا لم أر شيئا كهذا...
- ومع ذلك فإنه موجود؟
- نعم جسده موجود.
- إذا يمكن القول حسب الفلسفة :" أنا ميت إذاً أنا موجود."
- إن شئت أن تقول ذلك فقل. ونهض الشيخ مستغربا لفلسفة هذا الشاب وهو يفكر في طريقه، في حين استمر الشاب في حديثه ليؤكد للجالسين، ومعظمهم من أهل القرية الذين لم يذهبوا إلى المدرسة، أو ذهب بعضهم إليها لسنوات قلائل، بأن الميت حي يرزق، لأنه موجود. والموجود في رأيه لابد وأن يشعر بأنه موجود، وطالما يشعر بوجوده فإنه حي، إذ أن الميت لايشعر.
هذه قصة يمكن إيجاد موازيات لها في النظر إلى الأحزاب الكردية السورية التي تشعر بأنها موجودة وتقول بأنها موجودة ولكنها في حقيقة الأمر تعاني من سكرات الموت وقد لا تدري أن داء التشرذم قد أنهك أجسادها وأرهق أمعاءها وأصاب رؤوسها بالصداع والصراع، ولم يبق لها سوى أبدان نحيفة مقوّسة أعمدتها الفقرية وتحتاج إلى التنفس الاصطناعي لابقائها على الحياة.
الأكراد يقولون بأنهم لا يقلون عن المليونين والنصف أوالثلاثة ملايين كردي في سوريا، أي أنهم يتجاوزون – حسب احصاءاتهم التقديرية – 15% من مجموع السكان السوريين، فلو كان لهم حزب واحد أو حزبان، أحدهما ديموقراطي يميني والآخر اشتراكي يساري، لكان بالإمكان تحولهم إلى قوة لها تأثير في سياسة الحكومة والمعارضة على حد سواء. ولكنهم في حالهم هذه غير قادرين بمجموع أحزابهم على كش الذباب عن عسلهم الذي انكب عليه الآخرون ينهمونه، وأقصد به الشعب الكردي... والدعوات التي تطالبهم بالوحدة والاتحاد وجمع الشمل لاتلقى آذانا صاغية، بل نرى بعض "السياسيين!!" يظهرون أمام الجماهير المتعطشة لسماع ورؤية ما هو جديد، يبشرون بقيام تكتل جديد، ثلاثي أو رباعي يضم اليساريين ويعتبرهم أمل الشعب الكردي ونواة وحدتهم، وهم جميعا في تحالف مع بعضهم أو جبهة تضمهم... أليست هذه شرشحة! وسخرية بالشعب الكردي؟ أوليست هذه محاولة هروب نحو الأمام؟ ... فإما أن يعلن هؤلاء وحدتهم أو يفضوا تحالفهم بعد هذا الذي يطرحونه دون حياء، في وقت لابد فيه من توحيد الشعب الكردي على أساس ديموقراطي سليم وضمن إطار معارضة ديموقراطية سليمة ترفض تدجين الحركة الوطنية الكردية وتبني مواقفها حسب مصلحة الشعب الكردي وليس مصالح النظام الذي لايخفى أنه يعمل المستحيل لمنع انفلات الحبل من يديه. هذا النظام الذي حشر عملاءه في صفوف معظم القوى اللبنانية والسورية خلال فترة طويلة من حكمه الدموي الإرهابي.
طبعا لست في موقع أتمكن فيه من تقديم النصح والارشاد للأكراد وزعاماتهم الكثيرة كثرة أوتاد خيمة عربية كبيرة، ولكن يجدر تذكيرهم بمقولة ذلك الشاب الفيلسوف: "أنا ميت إذً فأنا موجود!."
وأملي أن لا أكون قد أغضبت من يرى هذه الحركة ميتة وغير موجودة، كما لا أكون قد أغضبت من يراها حية وقادرة على القيام بمبادرة عظيمة.. وأعني به مبادرتهم في العام الماضي حينما تمكنوا من قطع أنفاس "انتفاضة شعبية عارمة"....

 

 
 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE