|
مها حسن
في تأبين سيدو رشو
إلى إبن الحسيني
لم أشعر بالغيرة لوفاة النحات
والرسام الكردي السوري محمد سيدو
رشو، بل بالطمأنينة، فرغم إيماني
بالموت، وأهميته، إلا أنني في
الوقت ذاته، لاأحب الرحيل المجاني،
وإن كنت أرى في الرحيل المبكر حظا
استثنائيا.
أن تموت شابا، يعني أن تموت مدللا،
يعني أن تكون لطعم الموت تلك
المرارة المستديمة في جميع
الزوايا، يعني أن تموت بأقل خطايا
ممكنة، لأننا كلما توغلنا في
الحياة، ازددنا عبثا بها، وعبثية
بأقدارنا، وكلما فاجأنا الموت
باكرا، أضفى علينا شيئا من
الطهارة، وشذب أثامنا.
رغم ولعي بالموت المبكر، الا أنني
لا أحسد سيدو رشو، لأنه ربما لم
تكن تلك رغبته، ولو أنه خير،
لأختار البقاء .
من هنا تأتي أشكالية الموت، ليس
فقط لأنه الذهاب إلى عالم لا
نعرفه، ولم يسبق لأحد أن ذهب وروى
لنا رحلة ذهابه، ولا لأنه ذهاب
نهائي، أو طلاق بائن مع الوجود،
لا بل، وفوق ذلك، لايأتي في
التوقيت المناسب.
جميع الأشخاص الذين عرفتهم وأمنوا
بموتهم المبكر، لا يزالون على قيد
الحياة، إلا "حنيفة" التي اخترقت
إيمانها.
إلا أنني شعرت بالطمأنينة، لأن "بيت"
الحسيني، سوف يتكفل بطقوس الدفن
الفنية ـ الإحياء.
***
في إحدى رسائلي لابن الحسيني،
العفيف منهم، حكيت له عن الدفء
الذي ينشره هذا المنزل الكردي، إذ
أني، إضافة لتورطي الممتع بالشجن
الكردي، إذ كلما فتحت باب الموقع،
ومددت بصري صوب المتواجدين في
الغرفة الرئيسة، شعرت بالبهجة،
واستعدت حالتي الطفولية "الاستمتاع
بالضيوف".
لن أنقل الحديث حول الاستضافة،
والضيافة، والبهجة التي تخلقها
لدى الطفل، وخاصة في الأجواء
الكردية، بسبب الفوضى التي تعم
المنزل، والقدر الكبير من الحرية
التي ننعم بها كون الرقباء
مشغولين بالضيوف، والفلتان الأمني
على غاربه.
إذاً، ليس كل هذا ما أريد، بل
أريد أن أعبر عن الطمأنينة التي
شعرت بها، والتي أعتقد أن كل منا،
وأبشر إخوتي الأكراد بها، سوف
يموت هانئا، أن البيت الكردي
سيعلق صورته على الحائط، حتى لو
جاءت أجيال وشتمت الصور، على
الطريقة الشيوعية الحديثة في
تحطيم التماثيل، لا بل وربما وفق
جميع المذاهب الحديثة في كسر
التابوات، وإحداها "قتل الأب، أو
إماتة الإله..."، لا يهم، إن كسر
أبناؤنا صورنا، المهم أن لا يكون
موتنا عابرا، وأن يحتفى به ،
طالما لم يحتفى بولاداتنا.
هو نص مديح للموت المبكر، ونص
مديح لأبناء الحسيني، ولفتة شكر
للبيت الأليف: موقع تيريز.
باريس
www.tirej.net
|