|
محمد فؤاد
رشو هناك، في بلجيكا
كان يمكن أن أنسى محمد سيدو رشو،
لولا أمرين: تمثاله الصغير الذي
أهداني إياه من أكثر من 15 سنة
وهو في وجهي طوال هذه الفترة،
والسفرة المفاجئة التي جاءتني إلى
بروكسل... قال لي نهاد الترك: "رشو
هناك، في بلجيكا"!
ـ "معقول؟، أريد عنوانه، أنا لا
أعرف أحداً هناك"
ـ "لكنه مريض، مريض جداً، وضعوا
له بطارية لتساعد قلبه الضعيف"
والله لم أكن أعرف أنه مريض، أنا
كنت سأذهب إلى هناك، وكنت سأجعله
يعتقد أنني مشتاق له، وأنني
أتذكره يومياً، وكنت سأجعله يندم
من الشوق على ترك حلب، وسأحكي له
كم نحن سعداء ونشفق عليهم هؤلاء
المشتتين، كنت بكلمتين اثنتين
سأجعله يبكي ويحن إلى أيامنا وإلى
منزله الضيق الرطب الكئيب كنت
سأقول له: "ولو يا رجل، نحن في
سيرتك كل يوم" وكان سيأخذني
بالأحضان من اللهفة وسيدور بي في
بروكسل ويدعوني إلى البيرة
السوداء ويحمّلني هدايا وبوسات
إلى كل من يسأل عنه..... لكنه مات،
الكردي الصغير، الضئيل، الطيب
القلب، مات.. دونما اعتذار أو سبب
يقدمه لي.. لم أعرف أنه مريض،
والله لم أصدق أنه مريض بما يكفي
ليموت، أنا في صغري كنت أظن أن
الموت للكبار، ومحمد حين غادر منذ
ذلك الزمن الطويل لم يكن كبير
السن، ثم أنه صغير الحجم وأنا كنت
أظن أن الموت يخطئ فيحسبهم هؤلاء
القصار صغاراً ويتركهم... لكنه
مات، وأنا ذهبت إلى بروكسل بعد
موته بأيام ولم أجده هناك، ولم
يدلني أحد أين يمكن أن أجده ولم
أعرف أحداً في بروكسل ولم أفهم
لماذا مات قبل أن أصل ويأخذني
بالأحضان وأخدعه بأننا نذكره كل
يوم وبأننا لن نتوقف أبداً عن حبه.
* بورتريت سيدو رشو، من عمل خالد
بابان.
حلب
www.tirej.net
|