| |
لقمان ديركي
خرج من شرّان، وعاد إلى شران
تعود علاقتي بـ سيدو رشو الى
منتصف الثمانينات في مدينة كانت
وقتها مدينة، وكان اسمها حلب,
وكانت الحركة الثقافية في حالة
غليان لا مثيل لها في هذا الوقت,
وبين كبار الفنانين التشكيليين
امثال وحيد مغاربة، سعيد الطه،
سعد يكن، وحيد استانبولي، عبد
الرحمن مؤقت, برز اسم سيدو رشو،
ذلك النحات الشاب القادم من جبل
الأكراد، والمتشرب لثقافة حلب
وحواريها وبيوتها القديمة، ولم
تكن هذه الخلطة في تجربة سيدو
الانسانية بمنعزلة عن فنه، فكانت
منحوتاته مزيجا من عفوية الفنان
الفطري الجبلي، وثقافة و تقنية
الفنان المديني, بل وانه وصل
بتمازج هاتين الثقافتين الى نتائج
مدهشة وجديدة على فن النحت السوري,
وتم استقبال اعماله وقتها بدهشة
واعجاب شديدين من الوسط الثقافي
الحلبي, ولكن ذلك لم يزده الا
خجلاً اتسم به، وهو ينجز التجربة
تلو الأخرى، ويقدم المعرض تلو
الآخر, لم يكن سيدو رشو يحمل في
داخل أحلام يقظة عما سيكون عليه
وعما ستجنيه له الشهرة، ولم يكن
يعتبر اعماله مشاريع او حتى
محاولات للتجديد والاختراق, كان
بكل بساطة يحب ان ينحت, كان سيدو
يقضي معظم وقته في مشغله بخان
الزيتون, وكنا نزوره كلما انقطعت
بنا السبل, نجلس ونثرثر، بينما
يتابع هو عمله بكل شغف, وكان
الفنان التشكيلي عنايت عطار
يأخذني الى هناك، ويحدثني عن
المنحوتات المحيطة بنا بشغف كبير
وكأنه هو الذي نحتها. ما ادهشني
في سيدو رشو هو بساطته في التعامل
مع الأشياء وتحرره من كل الأيديو
لوجية التي كانت ذات جاذبية في
ذلك الوقت, وكان لي ان اتعلم منه
كيف اكون حرا امام ورقتي كما كان
امام منحوتاته، فمن الحالة
الكونية التي كان ينتمي إليها،
إلى تفاصيل الحياة اليومية التي
ينتمي اليها ايضاً، بالاضافة الى
موهبته الساطعة والثقافات
المتعددة التي يحملها كانت اعماله
ومنحوتاته. وبعد خمول الحركة
الثقافية في حلب في نهاية
الثمانينات، بدأ هاجس السفر يتحرك
داخله, ولم أسمع الا وهو في
بلجيكا, ربما اعرف انه مضى الى
رومانيا لفترة، وانتهى به المطاف
في بلجيكا, وهناك سمعت أيضا ان
البلجيكيين احتفو به و بأعماله،
بل وبدأ بانجاز بعض النصب
والمنحوتات في الساحات هناك.
كنت دائما أسر بأخبار ذلك الصديق
البعيد, كانت أخبار تتضمن نجاحات
مستمرة تليق بموهبته, وكانت هذه
الأخبار طبيعية بالنسبة لي، فقد
كنت مؤمنا بموهبة سيدو، ومعجباً
بطريقة تفكيره, لكن خبر مرضه
فاجأني, وكان هذا الخبر يحمل لأول
مرة فشلاً تبوء به روح سيدو الهشة
والرقيقة, ولكنني في نهاية الامر
اعتبرت ذلك طبيعياً أيضاً، فقد
كانت حساسيته شديدة الرهافة، وكان
يتأذى من اقل ملاحظة، أو سلوك خشن,
وكنت اقول له ستقتل نفسك قهرا في
نهاية المطاف, فعلى العكس مني،
كان سيدو لا يملك آليات مقاومة
تجاه اي سلوك غبي، وكان يعتبر ان
منحوتاته هي رده الوحيد. ومع ذلك
فقد زرع روحه المتمردة على
تعقيدات الايديولوجيات الشائعة في
معظم من كان يدرسهم، وخاصة الطلبة
الكرد منهم, فقد وجدوا فيه ملهمهم
ومثلهم الاعلى, وكان يقول لي
دائماً بأنه لن يرد على احد فهو
ليس مضطرا لأن يفهمهم او يزيد من
وعيهم, وكان يضيف: "طلابي أولى"..
فكان طلبته يسمعون منه مايفترض
فيه ان يكون مرافعات دفاعية في
الفن في رد على الاطراف المتخلفة،
ويمضون معه في عالم من النقاء،
قلما وجد في فنان.
سيدو رشو مر سريعاً، ولكنه ترك
اثراً لن تمحوه الايام, خرج من
شران إلى حلب إلى أوروبا وعاد الى
شران......
الشام
www.tirej.net
|
 |
|
لقمان ديركي
|
|