| |
إلهام رشو
سيدو رشو الذي تحققت نبوءته
يضيق الوطن بمبدعيه فيرحلون الى
بلاد البرد والغربة, الى عالم
يتعايشون مع أفراده مسايرةً
ويتعلمون لغتهم قسراً, وفي
أعماقهم توق لدفء الوطن وضجيجه,
لرائحة ترابه, لصوت الباعة
الجوالين, لأحيائه القديمة..
لعشقهم الأول, لمرتع طفولتهم
وصباهم, لكوب سحلب أو لصحن فول
يتناولونه بشغف وحب.. لكنهم لا
يعودون إلا في نعوش باردة
لتحتضنهم مساحة صغيرة من ترابه،
تظلل على قبورهم أشجار زيتون
فتمنح أرواحهم الراحة والسلام،
بعد أن تعبت أجنحتهم من الطيران.
هكذا كان سيدو الذي يشبه منحوتاته
المفعمة بالحب والحنو المتعشق
لثنايا نوافذها المفتوحة أمام
عاشقة تنتظر من تحب, أو كرسي تقف
على مسنده حمامتان تهدلان, أو
بيوت متعانقة ومتداخلة، وكأن كل
من سكانها يعيش في قلب الآخر.
لم تكن المرحومة أمنا - الجزائرية
الأصل- تكذب علينا, لكنها ومن شدة
حرصها على قلوبنا الفتية.. كانت
تقول لنا بعد كل موجة من الضحك
تدمع لها عيناها وعيوننا الصغيرة
(إن من يضحك حتى تدمع عيناه سيموت
في بلاد غريبة).. وكلنا نحن
أولادها الستة قد ورثنا عنها
غزارة الدمع، فنبكي حين نحزن،
ونبكي حين نضحك..
لم يخطر ببالي يوماً وأنا الأخت
الكبرى أني سأرثي أخي الذي يصغرني,
بل كنت دائماً أمازحه قائلةً:
ـ بعد موتي هل ستصنع لي تمثالاً?
فكان يرد دون تلكؤ:
ـ هذا إذا ما مت أنا قبلك..
.. وكان له أن تحققت نبوءته باكراَ.
اليوم نحن أخوته الخمسة قد قدمنا
من معظم القارات لنجتمع بعد سنوات
من الغياب منتظرين نعشه القادم من
بلد بعيد وبارد، لنلقي عليه نظرة
وداع، ونوسده قبراَ يسمح لطيور
الحمام التي كان يجسدها في أعماله
أن تبني عليه أعشاشها، وتنفخ من
روحها بعضاً من هدوء وسكينة تؤنس
وحشته ووحدة روحه، فوداعاً للجسد
الذي رحل باكراً وسلاماً للروح
التي ستظل باقية.
الشام
www.tirej.net
|
 |
|
إلهام رشو |
|