|
إبراهيم إبراهيم
سيدو رشو قادم بألوان الموت إليكِ
يا "شران"
(نحن أكثر شعوب الأرض نموت قلباً)
كان الليل يتقدم بي رويداً...
رويداً إلى منفاي الاختياري،
وكانت عفرين، تلك، التي حمل مرآة
القلب في حلم عشقه الممشط بجدائل
ألوانه، بجدائل مطرقة تشبه القبلة
الشرسة لامراة عصية على غبار حجر،
يحمل في جرحه تفاصيل قلبك الصغير
أيها العفريني الملحمة..!!
سيدو رشو.. ليكن اسمك مايكن،
ولتكن حلب أو مقهى قصره الذي
التهمت فيه ما كنت ترشدني به من
النبيذ تارة والقهوة التي تشبه
عينيك تارة أخرى.
ـ افعل ما تشاء يا إيبو، ولكن
حذار أن تبلل جرحك الكردي بلهاث
العابرين في ثنايا النرجس، فهاهي
الجيوش تعبر أزقتنا دون أن تترك
للصمت مناديله.
إذاً، ماذا علي أن أفعل أيها
الكردي الخالص؟ هل أحمل ملحمة
الحلم إلى رومانيا التي أبقيتها
خلف مسارك الطويل والطويل جداً...؟
هل أخبئها في مشرحة المشفى
البلجيكي المحتضر بشاطىء أحلامك...؟
أم أحلام نهاد الترك الذي اخترقت
جرحه لتلون به ضفاف عفرين...!! أم
حسكو ذاك القروي الجميل أم ليلى
الترك تلك السمراء من قرية أم
شران ـ العذوبة، وذاكرة البيارق
التي ارتوت بأتعس أغنية موت لأجمل
ميت في الكون.
بالأمس فقط كنت سأعانقك لولا
النبيذ الدنماركي والمشرحة
البلجيكية. كم كان هذا القدر
يعشقك وكم كان هذا القلب يحمل من
الزبيب الأسود والمدفأة وقليل من
الزواياه الحلبية الميتة في مدن
الضجيج. بالأمس فقط كنت أرسم
خارطة الأسئلة التعيسة، فنحن
يارشو من أكثر شعوب الأرض محاصرين
بالأسئلة، ونحن أكثر شعوب الأرض
نموت قلباً.
كنت ابحث عن رسالة تسير باتجاهك
أيها العابر من جراح أمة غفت على
أضرحة التاريخ، ورحلت مع القادمين
من أكذوبة القدر السكران بأشياء
تذوب في ضربات أصابعك الصبية. هل
في رأسك أيها العزيز المنتشر في
أنحاء عفرين ما تبيح به للملائكة...؟
عشر سنوات أو أكثر لم نلتقِ، في
الخانجي حلب، أو في السيد دمشق؛
وفي كل مرة كان نهاد الترك هذا
والآخر حسكو يرسمونك لي بقصصهم
البرتقالية في صباحات الزيتون
المثقلة بالشموس والفضاءات.
رشو من أنت..؟ رشو ما أخبارك..؟
رشو أين هذا النحات المرتعش دائماً
بأوراق الصمت الجميل الذي غاب في
الحجر ثم تنطق سكينة لا بل مطرقة
لا بل، وهذا سر القدر التافه في
احتضانك دون أن يعلن هذا الزحف
المقدس رشو أو سيدو، أن ينطق
القدر نفسه ويرسم بحفنة من حكايات
الشمال لوحتك الأبدية تلك.
وهذا العفيف الحسيني يخترق القلب
فيما بعد الليل بقليل، ليجاورني
الجرح بما يشبه ملامحك السمراء،
ليعلن انك رحلت، وبأنك آت دون أن
يكشف الكلمات نبضه الملقى على
ابتهالات رحيلك المستبد به..!!
ها هو محمد عفيف الحسيني يكلل
الحزن بنبأ حكاية أزقة أو مقاه أو
صالات عبرَتها أشرعتك أيها الخصب
المرتعش بغبار حجر داعبتك بخجل،
ثم ضحك ضحكته وترك عنواناً؛ ها هو
رشو يرسمني كي أصير عاشقاً مهاجراً
بين الحكاية والسؤال، وبرادة
الحديد المنتشرة في زواياك، تكحل
بلطف رائع حلمك المتمازج بهموم
ثلج عفريني، كان ينتظرك منذ أن
كنت في حلمك الممتد كالماء.
لم تعد تملك شران عاشقاً أسمر،
ليسترخي نهاد أو ليلى أو حسكو
الجميل في سهوله.
هل تمحو أيها العزيز عفيف، رسوم
الغياب المحدق بكروم العنب
المجففة المنتشرة على ضفاف
الحكاية الأولى...؟؟
هل تتركنا نغرق مرة واحدة في مقهى
"القصر" الحلبي المنتشي دائماً
بتبغ رشو العابق على أثداء
الملائكة الطغاة...؟؟
ها أنك أبكيتني مع أول خمرة متجهة
إلى بيادر الحزن التي أشعلتها
بدخانك المبلل بلحظة ماء عفريني.
رحل النائم في منديل وردة والقلب
يطلق همسته الخريفية بقطرات ممددة
بالحزن وقليل من صمت لوحات مليئة
بحكايات الكثير من أحبة وأصدقاء "شران"
المهزومة اليوم بكل انهزام، نحو
البحث عن ذاك الملقى في زنزانة
الموت، ذلك الممنوع من الجهات رشو.
هكذا كان النص كما أنت أيها
العزيز الراحل..
سلاماً... سلاماً... عفرين وأنت
تحملين محمد سيدو رشو نرجساً...
سلاماً نهاد الترك....
سلاماً حسكو...
حسكو والترك أيها المنتمون لألوان
الشمال.
أبناء الفن وأحفاد الزيتون
رشو الجميل سلاما...
لم ألتقِك في آخر وردة كنت قد
حلمت بها في بلاد الغربة.
ماكنت أدري أن الورود أيضا تبحث
عن ثكلى الموت.
ماكنت أعرف أن قلبك أصغر من حبك
الكبير هذا.
إذاً ستبقى لوناً ومطراً
أو لا تدخل عمق حجر الحكاية، فأنت
الحكاية وأنت عمق الحجر
وشران تلك المشنقة الجميلة لخفايا
ألوانك المباحة
لم تعد تملك سوى نصف الرغبة
ونصف الحكاية.
دانمارك
www.tirej.net
|