| |
عبد الهادي شماع
أبو السيد
علّمونا في دروس العلوم الطبيعية
عندما كنا صغاراً أن حجم قلب
الإنسان يساوي تقريباً حجم كف
مقبوض, وعلمونا أيضاً أن القلب
حين يتوقف عن النبض تتوقف الحياة.
لكنا حين كبرنا قليلا وازدادت
تجاربنا في هذه الحياة وتعرفنا
أكثر على ناس غيرنا، وعلى حالات
طيبهم وحالات اضطرام الشر في
طبائعهم, عرفنا حينها أن قلوب
الناس ليست متساوية في الحجم, كما
أنها غير متشابهة أبداً في قدرتها
على إنتاج المحبة أو الحزن أو
التوتر أو الرضى.
فأنا أعـتقد أن قلب "أبو السـيد"
مثلاً, كان شاهقاً في الارتفاع،
فسيحاً في الاتساع.. وما كان له
الا أن يكون كذلك كي يستطيع
احتواء كل تلك الأحـزان، وكل تلك
المحبة التي عرفتها فيه.. وأيضاً
كي يستطيع استيعاب كل ذلك الإبداع
الذي لم ينتهِ بعد.. كان قلبه
مؤلف من ألف من الأذينـات وألف
آخر من البطينات التي كانت معاً
تضخ دماً يصل إلى أصابع مشـدودة
على أزميـل ينحت السـكون، فيولد
منه موسيقى الضجـيج, ويكسر القشر
البارد لينبت حرارة الأفـكار.
سيدو الذي أنطق النوافذ ونفخ في
الستائر الروح.. سيدو الذي أسرى
مراكب البرونز على صفحات الرخام..
سيدو الذي آلف بين الرموز القديمة
فأحيا لغات البصر.
وكما قلت, كان لأبي السـيد قلب
كبير فـسيح ترامت أطرافه بين
الشرق والغرب.. لكنه مع ذلك كان
واهناً وعاجزاً عن استيعاب نهـر
أحلامه الأخضر المتدفق, هاقد خذله
قبل أن يكمل نحت انكساراتنا
ومسراتنا وفوضانا المؤلمة.
أبو السيد كان له قلب اتسع البحار
والنساء والعصافير والمدن وكل
الأحبة.. فقولوا لي كيف لمن له
مثل هذا القلب أن يتسعه التراب؟!.
الشام
www.tirej.net
|
 |
|
عبد الهادي شماع
|
|