|
كنا ونحن أطفالاً صغار
في المدرسة ، نلعب لعبة
غريبة ، لم نكن نفهم
معناها أو فلسفتها . حيث
يبادر أحدنا الى رسم
دائرة حول الأخر ونتمتم
ببعض الكلمات الغير
المفهومة ، ونعلن بأننا
حجزنا من بداخلها ولن
يستطيع الخروج ، ويجلس
المحتجز ويبكي داخل
الدائرة فنستغرب كيف لا
يحاول الخروج ، حتى يحن
قلب أحدنا فيقوم بمسح
الدائرة فيخرج المحبوس
وكأنه خرج الى الحرية
لأول مرة .
مرت الأيام والسنين قبل
أن نعرف بأن تلك اللعبة
ما كانت إلا حقيقة وجزء
من فلسفة وميثولوجيا
قديمة للديانة الأيزيدية
، أصحابها موجودون بيننا
، لنا منهم أصدقاء ،
وتربطنا بهم علاقات وثيقة
كالزواج والكريفاتي وهم
أكراد أصلاء ، ليسوا من
عبدة الشيطان كما يقول
عنهم البعض ، وليسوا
أتباع يزيد بن معاوية ،
وإنما أناس مسالمون
ويؤمنون بإله واحد ، ولهم
صومهم وصلاتهم وحجهم
وأعيادهم وطقوسهم الموغلة
في التاريخ وفلسفة الدين
.
الديانة
الأيزيدية هي من أقدم
الديانات ، وتعود الى
ألاف السنين قبل الميلاد
، بل هي أول ديانة
توحيدية عند البشر رفضت
ثنائية الإله ، ودعت الى
عبادة آله واحد لا شريك
له ، رغم أنها حافظت على
مكانة بعض القوى الأخرى
مقدسة الى جانب الله ( خو
دا ) ، ولكن هذه القوى
لم تترقي الى عظمة الله
خالق نفسه وخالق كل شيء ،
وهي وثيقة الصلة
بالديانات الكردية
القديمة ( ميزوبوتامية )
، وهناك تطابق مذهل ومثير
للاهتمام بين الكثير من
المعتقدات الأيزيدية ،
ومقدساتها مع مقدسات
وآلهة ميزوبوتامية
القديمة مثل ( الشيخ شمس
) عند الأيزيدية وأله
الشمس في ميزوبوتامية ،
و( الشيخ سن ) مع اله
القمر وتسمى ( نانا)
بالسومرية و( سين )
بالبابلية ، بالإضافة الى
تطابق في الاحتفال بأول
أربعاء من شهر نيسان
الشرقي الكردي ( نيشان –
نو جان ) باعتباره عيد
الرأس السنة عند
الأيزيدية والبابلية ،
وكما أن يوم الأربعاء من
الأسبوع مقدس عند
الأيزيدية والبابلية .
و الأيزيدية هي الديانة
الوحيدة ربما التي تتميز
بأن معتنقيها من شعب واحد
، وقومية واحدة وهي
الكردية ، أي أنها ديانة
كردية صرفة ، وأتباعها من
الكورد الذين يتحدثون
اللهجة الشمالية الكردية
( الكورمانجية ) ، فهي
أذا كردية بامتياز في
أهلها ، وعاداتها
ومعتقداتها ولغتها وأرضها
التي هي كردستان .
ولقد نالوا نصيباً ليس
أقل من نصيب الشعب الكردي
من الاضطهاد ، والظلم
ومحاولات الإبادة ، بل
كان نصيبهم مضعفاً ، فلقد
تعرضوا للاضطهاد مرة
لأنهم أكراداً على يد
العرب والفرس والترك
وغيرهم ، ومرة أخرى لأنهم
أيزيديياً على يد
المسلمين والمسيحيين
واليهود والطوائف الأخرى
.
هناك تفسيرات عديدة حول
تسمية هذه الديانة
العريقة ، فكلمة (
( E – zi - di
تعني الشخص الذي يسير
على الطريق المستقيم (
الذي يتبع الله ) أو
الروح الخيرة والغير
الملوثة ، والذي يمشي على
الطريق الصحيح ، أو عبادة
الله وحده
]
يقول جون كيست البريطاني
مؤلف كتاب عن الأيزيدية
بأن الأيزيدية لا يسمحون
لأنفسهم أبداً بالاهتداء
الى معتقد آخر ولا يقبلون
لأحد بالاهتداء الى دينهم
[
بمعنى أن الأيزيدية هي
الدين الوحيد الذي لا
يوجد فيه عمليات التبشير
والدعوة والتوسع ، لذلك
حافظوا على أقليتهم كما
الطائفة الدرزية (
الموحدون الدروز ) .
وهي ليست فرقة منشقة عن
الدين الإسلامي كما تدعي
بعض المؤلفات ، أو عن
المسيحية ، وليست
الزاردشتية كما يفضل بعض
الأيزيديين تسمية أنفسهم
، وهي بالضرورة ليست
ديانة وثنية كالديانات
القديمة لوجود فكرة
التوحيد فيها ولشمولها
على العناصر السماوية
التي تتلاقى مع الديانات
السماوية الثلاث ، ولأن
أتباع الأيزيدية يؤمنون
بالرسل والأنبياء جميعاً
، ولا سيما إبراهيم
الخليل الذي يعتبرونه أول
موحد ، وهم جاءوا من بعده
، ويوحدون الله ولا
يعرفون له شريكاً .
هذه الديانة مرتبطة
ارتباطا وثيقاً بالطبيعة
، ويظهر ذلك في معتقداتهم
وطقوسهم ويقولون ( أن على
الإنسان أن يصلح الطبيعة
من خلال عمليات الزراعة
والحراثة ) ، وينظرون
بقداسة الى التراب ،
والماء ، والهواء ،
والنار ، ويجب عدم
تجنيسها ، والحفاظ على
طهارتها التي لا يمكن أن
تدنس ، فالنار مقدسة ،
ويحرصون على أن تبقى
مشتعلة في معبد ( لالش )
ولا سيما يوم الأربعاء ،
وهي عادة سابقة لظهور
الديانة الزاردشتية في
معتقدات الأكراد .
ولا يجوز للمؤمن التبصق
على النار والماء و
التراب ، أو التبول في
القنوات والترع ومصادر
المياه ، كذلك قدسوا (
الطائر الطاووس ) كرمز
للطاووس الملك ، وهو رئيس
الملائكة خلقه الله من
نور – وليس من النار كما
إبليس ، وللثور مكانة
عظيمة حيث يعتقد بأن لحمه
يحافظ على الأرواح خالدة
كما في الديانة
الميثرائية ( أله الشمس )
، التي كانت منتشرة في
ميزوبوتامية ، ويمتنعون
عن إيذاء الحية السوداء ،
وهناك العديد من العناصر
الطبيعة التي تشكل جانباً
هاماً في الطقوس
الأيزيدية ، وهذا ما يرسخ
طبيعة ديانتهم التي ترتبط
بوشائج قوية مع الطبيعة ،
فالأشجار والحيوانات
الأليفة مقدسة عند الأ
يزيدي ، والدين الأ يزيدي
لا يحبذ تناول بعض أنواع
الخضروات ( يقول ملك
طاووس : أي صفتي .....
سأختبئ بين الأعشاب .....
فلا تخبري أحد بمكمني ) ،
وللزواج وحب الأطفال
والأسرة قدسية خاصة ، و
الخيانة عمل محرم في
الديانة ، وللناي قدسيته
لأن الملك الطاووس عزف
عليه ، ويحرمون لبس
الثياب ذات اللون الأزرق
أو استخدام الأواني
والأوعية الزرقاء يقول (
بكى دوموزي حتى أزرق وجه
) .
أن لغة الأيزيدية كردية
ويذكر اسم ( خو دا ) في
أدعيتهم كثيراً ، وهي
تعني باللغة الكردية (
الله ) ومعناه اللغوي هو
< خو > أي ذاته – نفسه و
< دا > أي الخالق –
المكون – المعطي بمعنى
الدلالة على أن الله خالق
نفسه بنفسه ، وهي تجسيدً
بأن الله هو خالق كل شيء
ولا خالق سواه ، ويدعون
إليه من خلال التوجه
للشمس في صلواتهم عند
الفجر والشروق والغروب ،
كرمز للنور والخير الذي
يبدد الظلام والشر ، فمن
خلال نور الشمس يعبدون
الله لأن الشمس في رأيهم
هو صورة الخالق في الكون
.
أن المطلع على فلسفة
الديانة الأيزيدية يجد
بأنهم ليسوا من عبدة
الشيطان ، وإنما يتجنبون
الشر في الشيطان من خلال
تجنب ذكر الكلمات التي
تشير إليه أو تغضبه
برأيهم ، وهناك فرق بين
الشيطان والإبليس الطاووس
، فالأول بنظرهم هو الشر
الكامل ، ولا يمكن أن
يوجد غير الشر ، وهو في
صراع مع الخير ( النور )
- الذي هو الخير كله ولا
يمكن أن يوجد غير الخير
- من خلال النفس البشرية
، وكون الغلبة ستكون
للخير على الشر في
النهاية وبالتالي زوالها
الى الأبد ، فأنهم
يحاولون تجنب شره الى أن
يأتي اليوم الموعود
بالانتصار الكلي للخير .
أما الثاني ( الإبليس )
فهو يمثل رئيس الملائكة
وهو الوحيد الذي لم يشرك
بالخالق ولم يسجد لغير
الله ، وحافظ على وحدانية
الله ، لذلك يتمتع بمكانة
عظيمة عندهم ، ويتجسد في
أشكال مختلفة ينزل الى
الأرض للإصلاح المجتمع ،
ولنشر التوحيد ، وعندها
سوف يرجع البشر كلهم الى
الديانة الأيزيدية .
لقد بقيت الأيزيدية أسيرة
الغموض مع التزام
معتنقيها الصمت والكتمان
، سواء بدافع الحفاظ على
أنفسهم في ظل الغالبية
السائدة ، والمعادية
والرافضة لهم ولدينهم ،
أو بقصد الحفاظ على
معتقداتهم من التشويه
والانحراف والتلاعب ، وقد
جاءت بعض النصوص المقدسة
في كتاب ( جلوة ) لترسخ
هذا النمط من السرية
والكتمان من خلال قول (
وهو الكتاب الذي لا يجوز
أن يقرأه الخارجون عن
الملة ) كما ورد في
المقدمة .
أن المسألة البارزة في
الديانة الأيزيدية هي
الانتقال الشفهي للإيمان
والعلوم ، والعقائد
والطقوس والأفكار ، ويطلق
عليها أسم ( علم الصدر )
فكل ما نعرفه عن هذه
الديانة ، وقيمها
ومبادئها نعرفه عن طريق
علم الصدر أو الانتقال
الشفهي ، وليس علم
الكتابة ، كما مختلف
الآداب والعلوم الخاصة
بالأكراد ، ويعود السبب
الأبرز في ذلك الى عدم
وجود كيان سياسي ، تتطلع
بمهمة جمع وكتابة مظاهر
هذه العلوم ، إضافة الى
محاولات التذويب والمنع
والتزوير التي مارست ضد
الكرد وحضارتهم .
ولا شك إن الأيزيدية هي
أحدى المجالات التي
لحقتها تلك العقلية
الرافضة لكل ما يتعلق
بالأخر ، فتعرضت للكثير –
بحكم الطبيعة البشرية
المحدودة – من التشويه
والتحريف أثناء الانتقال
من جيل الى أخر ، فإضافة
الى عدم الاعتراف بها في
مناطقها عكس المسيحية
واليهودية والإسلام ،
فأنها لا يتم دراستها
وتعلمها في المدارس
باستثناء مدارس كردستان
الجنوبية ( العراق ) .
هناك كتابان يقر بهما
عامة الأيزيدية ،
ويعتبران مقدسان ،
والمصدر الأساسي لدينهم
وهما :
( كتاب
الجلوة ) و( مصحف رش )
ولا نملك الكثير من
المعلومات عنهما أو عن
تاريخ كتابتهما ( نزولهما
) أو واضعهما ، فالجلوة
تتحدث عن الإيمان
والابتعاد عن ارتكاب
الخطايا والعقاب والثواب
، أما مصحف رش فيتحدث عن
خلق الكون والإنسان
والمحرمات .
أن بقاء الديانة
الأيزيدية على مر القرون
رغم كل التحديات ،
ومعتقداتهم المثيرة
للانتباه ، قد جذب اهتمام
العديد من الرحالة
والمستشرقين ، والباحثين
في فلسفات وميثولوجيا
التوحيد لدى البشر ،
وتاريخ ظهور الفكر الروحي
عند الإنسان ، وعلاقة
الأيزيدية بذلك ، وقد
كانت لطبيعة التضاريس
الوعرة لجبال كردستان ،
الدور الأساسي في بقائهم
.
عندما تعرضوا الى
الاضطهاد التجأ للجبال
والكهوف المقفرة ،
والمنيعة ليحموا أنفسهم
من حملات الإبادة ،
والتطهير التي مورست ضدهم
، تحت مسميات مختلفة ،
أبرزها اتهامهم بالكفر
وعبادة الشيطان أو الخروج
على الديانات السماوية
والشرك بالله . ولا يخفى
على أحد من المتابعين
للأحداث وتطورات هذا
الدين ، بأن ذلك كان
المبرر والحجة ، أما
الأسباب الحقيقية هي
كونهم أكراداً ، فتلك
الحملات هي جزء من عمليات
إبادة العرق الكردي ومحوه
من الوجود فصدق القول أن
لا أصدقاء سوى الجبال .
وقد فرضت تلك التهديدات
المستمرة منذ الألف
الثالث قبل الميلاد على
الأيزيدية ، طبيعة مسالمة
في تعاملهم مع غيرهم من
أتباع الديانات الأخرى ،
وذلك من خلال احترام الأ
يزيدي كل المعتقدات
الأخرى ، حتى قاموا
باقتباس بعض من طقوسهم
والاحتفاء بها كجزء من
طقوسهم ( احتفالهم بعيد
خدر ألياس مع المسيحيين
أو استخدام بعض الطقوس
الإسلامية مثل مراسيم
الختان \ الكريفاتي \ ،
عندما يقومون بختان
أبنائهم في أحضان أحد
المسلمين الكرد ، وبذلك
تنشأ علاقة روحية
واجتماعية مقدسة بين
العائلتين الأيزيدية
والمسلمة تعرف ب(
الكريفاتي) .
ومن العوامل الأخرى التي
ساعدت الأيزيدية في
الحفاظ على وجودها في ظل
مجتمع أسلامي طاغي ، سواء
على المستوى الشعبي أو
على المستوى الرسمي ، ومن
خلال سيطرة الدولة
الإسلامية ، وفي ظل سيادة
الرغبة لنشر الدعوة
الإسلامية على مناطق
تواجد الأيزيدية ،
وبالتالي خضوعهم لقوانين
ومبادئ وتشريعات الدين
الإسلامي ، كان لا مناص
للأيزيدي من الانعزال
الاجتماعي ، وتجنب عمليات
الاختلاط ، والتزاوج من
أفراد الديانات الأخرى ،
وبحصر عمليات الزواج ضمن
ديانتهم للحفاظ على
وجودهم من الانحلال في
وعاء الأغلبية المسلمة ،
رغم أن هذه الفكرة تراجعت
في الآونة الأخيرة ، أمام
تصاعد المشاعر القومية
وظهور بوادر اليقظة
الكردية ، والتي أصبحت هي
المقياس الذي حل مكان
الدين سواء عند الأكراد
المسلمين أو الأكراد
الأيزيديين أو عند غيرهم
من الطوائف الدينية
الأخرى الموجودة في
المجتمع الكردي ، لقد
حافظت الأيزيديين على
وجودها من الضياع
والاندثار ، سواء
بالتجائهم الى الطبيعة
لحمايتهم من جور أخيه
الإنسان ، أو من خلال
انتهاجهم لوسائل السلم
والتقرب من باقي مكونات
المجتمع ، لدرء خطرهم
وتجنب الدخول في الصراع
مع الإمبراطوريات
الإسلامية ، والمسيحية
السائدة ، والتي فقدت قيم
التسامح والسلام والعيش
المشترك .
أعياد الأيزيدية : هناك
عدد من الأعياد ولكل منها
مناسبة وطقوس خاصة ومعاني
خاصة بها وأهمها
1-
عيد سرسال : تمتد جذور
هذا العيد في أعماق
التاريخ الكردي القديم ،
عندما واجهوا القوى
الطبيعة وقدسوا القوى
التي عجزوا عن تطويعها ،
فلاحظوا تعاقب الفصول
والشهور والأيام والسنيين
وما يرافقها من جفاف وبؤس
، أو الأمطار والخير
والازدهار ، ففسروها على
أنها صورة أخرى للصراع
بين الخير و الشر فيما
وراء الطبيعة ، حيث تتجسد
مظاهر هذا الصراع في
الطبيعة ، وتعاقب الخير
والرفاه بانتصار آله
الخير ، أو الخراب
والجفاف بانتصار الشر ،
فكان سرسال ورأس السنة
الكردية ، أو ما يعرف
بالأربعاء الأحمر ( جار
شمه سور ) ويصادف
الأربعاء الأول من شهر
نيشان الكردي ( الشرقي )
ولأسمه دلالة على قيامة
الإله الملك طاووس ،
والدم الذي يراق فيه ولون
الأحمر القادم من شقائق
النعمان ( كان كليك )
ونيشان ( نو جان ) تعني
اليوم الجديد ، وهو أقدس
الشهور، لأنه رمز للخصب
والنماء والحياة ، وشهر
تزاوج الإلهة ، لذلك يحرم
زواج البشر فيه ، أو
حراثة الأرض والزراعة ،
لأنه يعتقد بأن الأرض
حبلى لا يجوز حفرها لأن
ذلك تدخل في شؤون ا& |