|
عندما كنا طلابا ً على
مقاعد الدراسة في جامعة
دمشق ، كثيراً ما كان
تدور أحاديث ، ومناقشات
طويلة بيننا وبين زملائنا
من الطلاب العرب في
الجامعة ، حول قضايا
الإنسان الشرقي بكل
مكوناته وأطيافه عرباً
وكرداً وغيرهم من أشكال
الطيف الوطني ، وكنا نردد
كثيراً مقولة أننا مهما
تطورنا ودرسنا يبقى في
نفس كل واحداً منا عرقاً
شرقياً متعفناً .
نحن الشرقيين كرداً
وعرباً قدّر لنا أن
نتجاور ونتشارك هذه الأرض
منذ الخليقة ، وكنا
نتعايش بوئام وسلام طوال
العقود الماضية ، حتى
ظهرت الأفكار القومجية
والعنصرية ، ثم لتأتي بعض
القوى الدولية على
تأجيجها ، وتقسيم المنطقة
حسب مصالحها وبما يضمن
لها السيطرة والتحكم بنا
وبمستقبل المنطقة من خلال
عشوائية التقسيمات دون
مراعاة الجوانب
الاجتماعية والسياسية
والقومية للمنطقة ،
والهادفة الى إبقاء بؤر
التوتر دون حلول ، وليكون
المدخل لها إذا ما دعت
الحاجة الى التدخل في
شؤون المنطقة ، والتحكم
بها متى أرادت ذلك .
لقد نالت كل شعوب المنطقة
نصيبها من تلك التقسيمات
والاتفاقيات غير العادلة
والبعيدة عن مصالح وأمال
شعوبها ، وكان للشعب
العربي نصيبه من التقسيم
والتفتيت الى مجموعة من
الأمارات (الكيانات )
العشائرية ، كما الشعب
الكردي الذي كان له
النصيب الأكبر ربما من
تلك المظالم ، فإضافة الى
تقسيم أراضيه الى أكثر من
أربع كيانات وحرمانه من
أبسط حقوقه ، وضع كل جزء
من أرضه تحت سيطرة أحدى
الدول الأخرى التي
أنشأتها لتكمل مخططاتها
الاستعمارية ، وتكون
الحارس لمصالحها .
لقد قامت القوى المعادية
وأصبغت على الحدود
الجديدة صفة قانونية
وشرعية ، حتى لا يستطيع
أحداً أن يغيرها ، من
خلال قوانين ما عرف بعصبة
الأمم المتحدة ( التي
أنشأتها دول الحلفاء
المنتصرة بعد الحرب
العالمية الأولى في مؤتمر
الصلح في باريس عام 1919م
) والشرعية الدولية ، ومن
خلال بعض التكتلات
الإقليمية التي أنشأت
بأيدي غربية كجامعة الدول
العربية التي أنشأتها
انكلترا ، وبالتعاون مع
باقي الدول الحلفاء ،
فبموجب دستور الجامعة
العربية لا يجوز المس
بحدود الدول القائمة على
اتفاقية سايكس ييكو وما
أعقبتها من الاتفاقيات
الأخرى ، أي الاعتراف
بحدود كل دولة موجودة في
الجامعة واستقلالها ،
بمعنى أخر جاء دستور
الجامعة ليغلق الطريق
أمام العرب الى أية وحدة
حقيقية ، والحفاظ على
التقسيمات السابقة وعدم
المساس بها ، ومنذ ذلك
الوقت ونضال هذه الشعوب
لم يهدأ من أجل معالجة
نتائج سياسات الاستعمارية
التقسيمية ، فاندلعت
ثورات كثيرة ، وانتفاضات
، وحركات مقاومة مسلحة
وسياسية ، وتشارك الجميع
في عملية التصحيح والنضال
كرداً وعرباً .
وفي غمرة المناقشات
الحماسية كنا نبدي
تأييدنا ، ودعمنا وحتى
سعينا الى تحقيق أماني
وطموحات زملائنا العرب ،
ولاسيما فيما يتعلق
بالقضية الفلسطينية (
محور كل القضايا العربية
) أو تشجيعنا للوحدة
العربية ، وكانوا
يستغربون موقفنا هذا !!
فكيف لكردي بنظرهم أن
يدعم الوحدة العربية أو
القضايا العربية الأخرى ،
وليل نهار يقال لهم بأنهم
أعداء يريدون تقسيم ما هو
مقسم ، وأن الكردي في
أحسن الأحوال عميل وخنجر
في خاصرة الأمة العربية ،
ولم يقل لهم يوماً بأنهم
ضحوا بأنفسهم عن هذه
الأرض وترابها ، وأن
كردستان كانت وما زالت
البوابة الحضارية الوحيدة
على بلاد الشام والعراق ،
نقلت الحضارات الفارسية
والهندية وأسيا وأوربة
إليهم ، وكانت الحاجز
الذي منع الهجمات على
الوطن العربي ، والصخرة
التي تكسرت فوقها كل
الغزوات .
أما نحن فلم نكن نستغرب
هذه المواقف منهم ، لأننا
نعلم بأن مواقفهم هذه
وثقافتهم هي نتيجة ٍلعقود
من التشويه و التغير ،
والأيديولوجية الشمولية
التي زرعتها أنظمة دول
المنطقة ، والتي هي وريثة
حقبة الاحتلال العثماني
بكل تخلفه ، وحقبة
الاستعمار الغربي بكل
سياسته الأقصائية ، و
الأمحائية ضد الكيانات
الوطنية حتى تسود ثقافتهم
ولغتهم وأيديولوجيتهم
الاستعمارية ، أو هي (
ثقافتهم ) أحدى إفرازات
سياسة التشويه والعنصرية
، والشوفنية مارستها
الأحزاب الشمولية التي
ورثت السلطة ، وسلبيات
الاستعمار الغربي ،
والمتغذية من حقبة
الجاهلية العربية القائمة
على سلطة شيخ القبيلة ،
أو من الأفكار
الثيوقراطية الدينية
المنحرفة ، والتي أعطت
حكمها صفة القداسة
الإلهية كونها مستمدة من
الله ، وشرعية الحكم
الديني ، وهي وريثة أو
أنها تتستر بمقولة
الكواكبي بضرورة استرجاع
العرب لحقهم في الخلافة
من الأعاجم ، وأن العرب
أنسب الأقوام لأن يكونوا
مادة الإسلام الأولى ،
ويجب أن يحكم دون غيرهم
من الشعوب الإسلامية
الأخرى الغير العربية ،
وأن اللغة العربية هي لغة
أهل الجنة ، وهي اللغة
الأم لكل البشر، ومن قول
الرسول (ص) من يبغض العرب
فقد أبغضه .
وكنا نتوه في النقاش
والشرح عن منطلقات
مواقفنا المؤيدة للقضايا
العربية ، والنابع من
اعتقادنا بأن العرب
عندما يصلون الى مرحلة
يستطعون فيها تحقيق
الوحدة العربية يكون قد
توصلوا الى مرحلة من
التطور ، و الرقي المعرفي
والحضاري ، والوعي الذي
يمكنهم من فهم كل القضايا
الأخرى ، وعلى رأسها
القضية الكردية ، وحقه
العادل في تقرير مصيره
بنفسه كإحدى مكونات
الأساسية الأولى للمنطقة
.
بمعنى أخر عندما يكون
العرب من حيث الوعي
قادرين على قبول بعضهم
بعضاً في وطن واحد ،
ويؤسسوا عقد اجتماعي واحد
عندها يكونوا قد تخلصوا
من الحقبة العشائرية ،
وتحولوا الى أمةٍ حضارية
قادرةٍ على أن يتفهموا
حقوق غيرهم كما يفهمونا
حقوقهم ، ويبنوا دولة
مدنية خالية من العقد ،
والمتحررة من كل
الموروثات العفنة التي
تعيق بناء الدول وتقدمها
.
عندما نقول أن هذا إنسان
واعي فهذا القول ينسحب
على كل مظاهر الحياة ،
ولا نقصد بذلك مجال محدد
بذاته لأن عملية تشكل
الوعي ليست وليدة قرار أو
فعل محدد بمكان وزمان
محدد ، و أنما هي عملية
تراكمية غير مجزئة ، وهي
شاملة لأوجه الحياة
المختلفة ، وهنا نحن لا
نقصد الموسوعية التي كانت
تطبع ثقافة المفكرين
والمصلحين في الحقب
الماضية عندما كان الفرد
الواعي يشمل وعيه كل
مظاهر العلوم .
ولكن نقصد تحديداً هنا
الجانب الثقافي السياسي
والحضاري من الوعي ، وليس
الجانب العلمي التخصصي ،
عندما نقول بأن الفرد
الفلاني يعرف ، ويؤمن أن
من حق الشعب الفلسطيني أن
يقرر مصيره بنفسه دون
ضغوط أو تدخل خارجي فهذا
يجب أن ينطبق عليه أن
يعرف ، ويؤمن بأن لكل
الشعوب نفس الحق ،
والمبدأ في تقرير مصيرها
، أي كما تقرّ حق ما لفئة
ما يجب عليك ومن منطلق
الوعي الإنساني الحضاري ،
أن تقره لكل الفئات
الأخرى التي تتمتع بنفس
المقومات القومية من أرض
وشعب ، ولغة وقيم وتقاليد
، وتراث .....الخ .
وعندما لا يقر العربي أو
أياً كان بذلك فهذا
يحيلنا الى مسألة أخرى
ليست لها علاقة بالوعي
الحضاري ، وإنما يدخل هذا
الموقف في خانة
الازدواجية ، والنفاق
السياسي ، وفي أطار
الثقافة العنصرية
الشوفينية ، والمشوهة ،
والمحمولة بفيروسات
الهمجية السياسية ،
والبربرية المنقرضة إلا
من بعض الناس ، ومن بعض
الفئات التي تتغذى على
موروثات التخلف ،
والجاهلية كا الطفيليات
الموبوءة .
انطلاقاً من هذه الجزئية
الهامة ، ومن التاريخ
الحضاري ، والنضالي
المشترك والطويل لشعوب
المنطقة مع بعضها البعض ،
ولاسيما كرداً وعرباً ،
وفي مختلف مراحل التاريخ
بدءاً من العصور القديمة
حيث عاشت الشعوب ، وواجهت
معاً الأخطار التي كانت
تهددهم ، ومروراً بالعصور
الإسلامية عندما كان لا
فضل لعربي على أعجمي ألا
بالتقوى ، حيث تعايشوا
وشاركوا الإنجازات
الحضارية في ظل الخلافة
الإسلامية سواءٍ في مرحلة
صدر الإسلام أو المرحلة
الأموية والعباسية
والفاطمية ، مروراً
بالزنكية والأيوبية التي
جسدت أروع ملاحم التضامن
والوحدة بين الكرد
والعرب ، وأنتهاءاً
بمرحلة ما قبل
الانقلابات القومجية حيث
كانت دولة المواطنة
الحقيقية .
لقد كان الكردي وفي مختلف
تلك العصور معترفاً به ،
وبشخصيته وأفكاره ولغته ،
بأعياده وطابعه الخاص
كشعب ضمن الدولة
الإسلامية ، حتى كان
مهرجان ( نيروز ) من أكبر
المهرجانات الرسمية
الموجودة في الخلافة
العباسية ، ويحتفل به
الشعب الكردي مع الشعوب
الأخرى في ظل الدولة
العباسية ، ويشارك
الخلفاء مع أفراد الشعب
الكردي في أقامة
الاحتفالات بكل سلام
ومحبة .
أن مشاركة الكرد في
البناء الحضاري للمنطقة
كان أكبر عندما كانت
القوانين لا تفرق بينه
وبين العربي في ظل الدولة
الإسلامية ، وتلك
الانجازات أعظم وأكثر من
أن تحصى ، وهي موجودة
ووضحه وجلية أمام كل ذي
منصف ومتحرر من النظرة
العنصرية ، ومشاركتهم
تكبر عندما يعترف بهم
وتقدر شخصيتهم القومية
المتمايزة ضمن دستور
حضاري وطني متحرر من
العقد ورواسب التخلف .
أن الكردي قريب من
العربي والتركي والفارسي
، ومتضامن معهم في كل
قضاياهم بمقدار قرب هولاء
من ذاتهم الإنسانية ،
ومبادئ العدل والمساواة ،
والاعتراف لهم بحقهم في
تقرير مصيرهم بنفسهم ،
وبقدر ابتعادهم عن
الشوفينية ، والإنكارية ،
والعنصرية التي طبعت
حكمهم طوال المراحل
الماضية ، فكلما أقترب
العربي من تلك القيم
أقترب الكردي منه و العكس
صحيح .
وأخيراً هي دعوة من كردي
مجبول بنضال وقيم وعدالة
قضيته ، ومن دماءٍ كثيرة
أريقت دفاعاً عن هذه
الأرض ، ومجبول بتراب
ميزوبوتامية منبع الحياة
البشرية ، والقادم من
شانيدار وجارمو حيث ثورة
التدجين الأولى والثورة
الزراعية الأولى ، ومن
مغاور الدود ريه حيث
إنسان النياندرتال أصل
الإنسان الحالي والجد
المباشر للبشر على الكوكب
، والمنطلق من قمم جبال
جودي حيث رست سفينة نوح ،
والمؤمن بقدسية دماء
شهداء قامشلو .
ندعو لمد يد المحبة
والتسامح ، هي دعوة لنعيش
معاً المستقبل كما الماضي
، وعندها فقط يمكن أن
نسود فمن الجهل السياسي
أيها العربي أن تعادي
قضية عادلة لأربعين مليون
كردي ، كانوا من أوائل من
سكنوا هذه الأرض وما
زالوا وحتى نهاية الحياة
.
|