|
z-jiyan@hotmail.com
إن التنسك و الرهبنة
ظاهرة و جدت في جميع
العقائد الدينية و
الروحية ، فقد وجدت في
العالم القديم قبل ظهور
الأديان السماوية الثلاث
اليهودية و المسيحية و
الإسلامية .
والرهبنة هي فكرة دينية
قديمة أسلوبها الزهد في
الحياة و الانصراف الى
عبادة الآلة ، و قد أطلق
على الرهبان أسم ( شهداء
عصر السلم ) . و أما
الأديرة : فهي مؤسسات
دينية اجتماعية ،
اقتصادية يعيش فيها
الطلبة بهدف إعدادهم
ليصبحوا رهبانا و رجال
دين في المستقبل .
فقد دلت الدراسات الدينية
على وجود رهبان بوذيون
اعتزلوا العالم و حياة
الدنيا ، و عاشوا حياة
التقشف و التأمل على خطى
معلمهم ( بوذا ) المستنير
و هو أمير أسمه (
غوماسيدا هارتا ) أعتزل و
تنسك ليكتشف الحقيقة
بنفسه و ليصل الى مرحلة (
النير فانا ) و هو انحلال
في الذات الإلهية
البراهمية .
و الرهبنة أو الديرية شكل
من أشكال التقشف و الزهد
الديني يتضمن تنظيما و
تقيدا و إنكار الذات في
الجوانب المادية و
الجسدية في حياة البشر
بهدف الخلاص الروحي ، وهو
هدف يمكن أن يتحقق أما
بانسحاب الزاهد من
المجتمع بمغرياته و لهوه
المفسد أو التحكم الصارم
القاسي في الحياة
الاجتماعية حتى تصبح
البيئة مناسبة للزاهد و
طبيعة حياته .
كما أن حياة الزهد و
التقشف و ترك متاع الدنيا
و اللجوء الى الجبال و
الطبيعة بكل ما فيها من
قسوة ظهرت بشكل واضح عند
( الزاردشتية ) ، حيث عاش
زاردشت في أحدى الكهوف
الجبلية و عزل نفسه عن
الناس ، و جاورته
الحيوانات من الأفعى
السوداء الى الطير كما
تروى القصص و توجه الى
الشمس و النور و التفرغ
للعبادة و الزهد عن
الحياة الفانية ، متفرغا
للتأمل في الكون و الخلق
.
و ظهرت هذه المبادئ أيضا
في تعاليم ( كونفوشيوس )
حوالي عام \ 551 \ ق-م و
الذي تميز بتربية الجسد
اعتمادا على الشدة و
القسوة و الانعزال لتأديب
الجسد و الروح في أحضان
الجبال .
و قد ظهرت أيضا في
الديانة اليهودية ، حيث
ظهرت جماعة في فلسطين و
هبت نفسها لحياة التقشف
قبل العصر المسيحي .
و في الإسلام نجد الأمثلة
كثيرة وواضحة في حياة
التصوف و الزهد في الدنيا
الى عبادة الله ، و تاريخ
الإسلامي زاخرا بقصص
المتصوفين و طرق التصوف ،
حتى أنه دخل الى الشعر و
لاسيما الغزل التصوفي و
هناك العديد من حركات
التي ظهرت في الإسلام من
النقش بندية الى الرفاعية
و الكيلاني الى الزوايا
والربط و غيرها .
و في المسيحية عاش المسيح
نفسه عيشة فقر و كفاف ، و
للرهبنة جذور في كتاب
الإنجيل و تعاليم المسيح
و الحواريين ، و خاصة
القديس بولص ، و قد أوصى
المسيح تلاميذه ( ألا
يحملوا شيئا للطريق ،
حتى و لا عصاّ و لا مزودا
و لا خبزا و لا فضة و ألا
يكون للواحد منهم ثوبان )
.
حيث فّّّّّّّّّّّّّّّّّر
عدد منهم الى البراري و
القفار وعاشوا فيها عيشة
البؤس و الطهارة مقلدين
بذلك المسيح ، و لما
اشتدت وطأة الحكم و كثرت
المظالم و الفساد و
الانحلال الخلقي هجر
المتقون قراهم و مدنهم
الى الصحارى و الجبال
طالبين حياة الزهد و
التقشف مبتعدين عن الظلم
و الفساد .
و هكذا ظهرت الرهبنة
كاحتجاج على الأوضاع ، و
للنجاة بأرواحهم الى
الانطواء و الابتعاد عن
العالم من خلال الصلاة و
الصوم و النسك و التعزي
باللجوء الى الله . وقد
كانت لهذه الظاهرة
مجموعة دوافع .
1-
دوافع دينية : ذلك أن
للرهبنة جذور في الكتب
الدينية و تعاليم
الأنبياء ، التي شجعت
الإنسان على ترك الدنيا
والتخلص من شرورها
،وتكريس المؤمن حياته
للسمو الروحي و العالم
الآخر ، و أن يعمل على
ضمان علاقة روحية خالصة
مع الله .
2-
الاضطهاد و الظلم : أن ما
تعرض له الأوائل من
المؤمنين خلال مراحل
الأولى لظهور الديانات ،
من الاستبداد ، دفعت عددا
كبيرا الى الفرار الى
البراري و الصحارى ،
والاعتصام بالجبال و
الكهوف ، رغبة في إنقاذ
حياتهم والاحتفاظ بدينهم
. حيث ظهرت ذلك بشكل واضح
في القرون الثلاثة الأولى
للميلاد المسيحية ، و في
الفترات الأولى من ظهور
الديانة الإسلامية .
3-
الغارات و الحروب : التي
نشرت الخراب و الدمار و
البؤس في كل مكان ، و ساد
الشعور باستحالة العيش في
عالم مزقته الحروب و
الغزوات ، وعمت الفوضى و
الرعب و القلق و لاسيما
في أوربة أيام الغارات
البرابرة ، فوجد الناس في
الرهبنة داخل الكهوف أو
في الأديرة الطمأنينة و
ألأمن و السلام .
4-
دوافع الاجتماعية و
الاقتصادية : كانت دافعا
أساسيا للرهبنة ، ذلك أن
الانحلال الخلقي ، الذي
ساد في المجتمعات ، دفع
الأتقياء الى الهروب
كمحاولة للابتعاد من
الآثام و الشرور ، التي
كانت تحيط بهم ، كما أن
الأوبئة و المجاعات و
الكوارث و صعوبة الحياة
الاقتصادية ، كلها دوافع
على نمو و تطور فكرة
الرهبنة .
بالإضافة الى أن الاعتقاد
السائد بأن الرهبان و
الأتقياء هم أجدر من
يتولى الحكم ، مما جعلت
الأديرة مصدرا لتخريج
القديسين و الباباوات و
الأساقفة في المسيحية .
5-
دوافع معرفية و فلسفية :
و تكمن في الوصول الى
المعرفة ، وحقيقة الحياة
و الموت و اكتشاف الطبيعة
و أسرار الخلق و الخالق و
التأمل في طبيعة الله ، و
حياة الآخرة ، ولا يمكن
الوصول الى المعرفة
الكاملة الأ بنقاء الروح
و الصفاء الكامل ، بتطهير
الروح من آثام الجسد .
ظهور الرهبنة :
تؤكد أغلب الدراسات على
أن الرهبنة كانت في البدء
ظاهرة فردية تتمثل
باللجوء النساك الى
المغاور و الكهوف أو الى
الصحارى أو قمم الجبال
ابتعادا عن ملذات الحياة
الدنيا و مفاسدها و بحثا
عن سلامة الروح ونقائه .
و كان هؤلاء النساك
يسيرون حفاة أشبه بالعراة
أو يلبسون الثياب الرثة
البالية و يفترشون الأرض
و يكتفون بالقليل من
الطعام البسيط أو الأعشاب
، و أثبتت الدراسات
المعنية أن مصر كانت الأم
الولود للرهبنة بشكلها
المعروف الآن ، و ربما
يعود السبب الى أن
الإسكندرية كانت المركز
الثاني للفكر المسيحي –
بعد بيت المقدس – على مدى
أجيال طويلة .
هناك في الإسكندرية أعتزل
أقدم من عرف من النساك
المسيحيين و هو (
أنطونيوس ) الكبير –
المصري – عام \ 250- 356
م \ . حيث وزع أملاكه
وهجر أسرته و الناس في
عام \ 285م \ و أعتكف على
نفسه أكثر من خمسة عشر
عاما ثم انفرد في حصن
صحراوي مهجور على الضفة
الشرقية للنيل مقابل
الفيوم أكثر من عشرين
عاما في عزلة تامة ، وفي
الصلاة و العبادة .
و لما ذاع صيت أنطونيوس
لطهارته و قدسيته ، توافد
عليه عدد من النساك ، و
اتخذوه معلمهم و مرشدهم ،
فأسس أنطونيوس حولي عام \
305م \ أول تعاونية
رهبانية في جبل القلزم
غرب بحر الأحمر ، و كان
لكل راهب صومعته الخاصة
التي يمارس فيها الطقوس
التي يرغب فيها . و
يلتقون فقط أثناء الصلاة
و العبادات و الطقوس
الدينية المقررة يومي
السبت والأحد , و حتى
الآن هناك دير قديم يحمل
أسم القديس أنطونيوس .
و بعد عشرة سنوات قام
القديس ( باخوم ) و أسس
الرهبنة الجماعية ، أي أن
الرهبنة انتقلت و على يد
باخوم من كونها حركة
فردية الى حركة ديرية
جماعية . ولد باخوم عام \
290م \ و أسس أول دير له
حوالي عام \ 315م \ حيث
كانوا يعيشون في دير واحد
، إلا أنه كان لكل راهب
حجرة خاصة ، و كانوا
يجتمعون تحت سقف واحد و
حول مائدة و كنيسة واحدة
، و توفي القديس باخوم
حوالي عام \ 380 م \ كما
أسست أخته ( مريم )
رهبانية للراهبات ، و
أنتشر هذا النموذج
الجماعي بعد باخوم و عند
وفاته كانت قد تأسست تسعة
أديره للرجال ووحدة
للنساء ، وتجمع فيها
حوالي ثلاثة آلاف راهب و
راهبة .
القديس مار مارون
و انتقلت هذه الفكرة من
مصر الى باقي أنحاء
العالم و لاسيما الى
فلسطين و سوريا ( كرداغ )
و أسيا الصغرى ، فأسس (
باسيليوس ) الكبير ديرا
في البونت حوالي سنة \
460م \ .
و في القرن الرابع ظهر في
عفرين ( كرد داغ ) بجبال
ليلون و تحديدا في قرية \
برا ده \ الناسك (مار
مارون ) الذي تنسك في قمة
جبل ليلون و قضى معظم
وقته في الصوم و الصلاة و
السجود و مناجاة الله
ووعظ زائريه و إرشادهم .
و أجتذب مار مارون أليه
الكثيرين من الرجال و
النساء ، فا التفوا حوله
في صوامع و مغاور قريبة
منه ، و لما توفي في سنة
\ 410م\ نشأت أخوية
مارونية في المنطقة تعمل
بما علم به هذا الناسك
الشهير .
و اليوم تحولت هذه القرية
\ برا ده \ الى مزار ديني
للطائفة المارونية
المسيحية حيث أنتقل للعيش
فيها بعض المؤمنين من
الموارنة في لبنان
التابعين لهذا الناسك و
يأتون كل عام الى مكان
الكنيسة للاحتفاء بذكراه
.
القديس مار سمعان العمودي
ثم ظهر في نفس المنطقة
القديس سمعان ألعامودي (
سان سيمون ) في عام \
459م \ و يعتبر أكثر
النساك شهرة ، حيث أعتزل
الناس الى التنسك و الزهد
في مغاور جبال كرد داغ و
البدية كانت في كهف
الدودارية ثم أنتقل الى
موقع قلعة سمعان في جبل
ليلون ، حيث اتخذ سمعان
أقامته و لما توافد عليه
الناس لشهرته أنتقل الى
الإقامة على قمة عامود
بناه لنفسه و بلغ ارتفاعه
في المرحلة الأخيرة الى
سبعين قدما ، و عاش حوالي
ثلاثين عاما من حياته
جالسا متعبدا على هذه
القمة ، دون أن ينزل الى
الأرض ، و يقال أنه كان
يحصل على ما يحتاج أليه
للبقاء حيا عن طريق سلة
مربوطة الى نهاية حبل .
و قد تعرض عامود القديس
سمعان الى الدمار نتيجة
للكوارث و الهزات الأرضية
التي ضربت المنطقة و بفعل
الحروب و عدم الاهتمام و
ما تبقى منه ما زال
موجودا في نفس الموقع
الذي تحول بفضل شهرة
القديس سمعان الى دير
كبير ، حيث تجمع الناس
حوله لما ذاع من صيته في
شفاء الأمراض و للتبرك و
الرحمة و ما زالت قاعدة
العامود الضخمة موجودة و
حافظت على شكلها .
و قد تميزت الرهبنة في
كرد داغ عنها في باقي
الأماكن بقدر كبير من
الصرامة و الشدة و التطرف
و حمل الأحجار و الحديد و
أكل الأعشاب ، و تعريض
الجسم للعذاب و الحرارة و
البرودة و القضاء على
الشهوات و الصمت و العزلة
و أماتت الجسد و تخليصه
من الآثام و تنقية الروح
و السمو به .
عامود كي مار تحفة أثرية
نادرة
والى الشمال من عامود مار
سمعان و كنيسة مار مارون
في قرية برا ده و
بالانتقال الى قرية كي
مار نجد تحفة لا تقدر
بثمن فريدة من نوعها في
العالم و هو عامود كي مار
و أعتقد أنه آخر الأعمدة
الباقية في العالم من
أثار العموديين .
و قد أطلق عليه عامود كي
مار نسبة الى اسم القرية
الموجودة فيها ، و الى
حين اكتشاف المزيد من
الآثار التي تدل على هوية
الناسك صاحب هذا العمود
الفريد .
قرية كي مار تقع في جبل
ليلون من سلسلة جبال كرد
داغ و تتبع أداريا مع
باسوطة و برج عبد الو و
عين داره ( كانيه داره )
الى مركز مدينة عفرين ، و
تقع على بعد \ 15 \ كم
الى جنوب الشرقي مدينة
عفرين و الى شرقي باسوطة
و برج عبد الو \ 3 \ كم
خط نظر و على ارتفاع أكثر
من \ 500 \ م عن سطح
البحر و يصل أليها بعدة
طرق منها ( حلب - عفرين
- باسوطة – كي مار ) أو (
حلب – صوغانه – كي مار )
أو ( حلب – باصوفان – برا
ده – كي مار ) و هي منطقة
جبلية يعيش سكانها على
زراعة الزيتون و الحبوب
البعلية و تربية
الحيوانات و نسبة كبيرة
من أبنائها هجرت القرية
للعمل في المدن كحلب أو
الى لبنان و أوربة.
و كانت في العصور القديمة
مركزا لعصر الزيتون و
العنب و استخراج الزيت (
الذهب الأخضر ) و النبيذ
و يظهر ذلك من آثار
المعاصر القديمة المحفورة
في الصخور ، و الأجران
المنتشرة فيها و الأحجار
الكبس المدورة التي كانت
تستخدم للعصر و مجموعة من
الأقنية و الآبار
المحفورة في الصخور و
التي كانت تستخدم للتخزين
المؤن و المياه و الزيت و
غيرها من المواد اللازمة
لطقوس العبادة مثل النبيذ
.
و يلاحظ الزائر الى قرية
كي مار العديد من آثار
الأبنية مثل الكنائس ،
حيث نجد فيها آثار ثلاثة
كنائس ربما تعود و
اعتمادا على نقوشها الى
القرن الخامس الميلادي ،
بالإضافة الى أبنية أخرى
كمجمعات سكنية ، و لكن
ما يلفت الانتباه أكثر من
أي شيء أخر هو العمود
الأثري الموجود فيها
والذي حافظ على أجزائه
كاملا و الممدد الى جانب
قاعدته الضخمة بالإضافة
الى رأس العمود ، وكان
ارتفاع العامود يزداد
كلما أزداد عدد المجتمعين
حوله للاستماع و الوعظ .
فكان العمود و ما ينتهي
به من كوخ صغير هو المكان
المثالي للنساك حيث مكان
بين الأرض و السماء و
يوفر له مكان مناسب
للعزلة و العبادة و
التخلص من ضجيج الأرض و
التسامي في السماء
الطاهرة ، وقد أحتفظ
عامود كي مار على أجزائه
كاملا ، و يتألف من \ 11
\ أحد عشر جزء ملقاة الى
جانب قاعدته الصخرية ،
بحيث نستطيع أذا ما تم
ترميمه أن نعيده الى شكله
الأصلي بمقدار كبير من
الدقة ، و قاعدة العمود
عبارة عن كتلة حجرية ضخمة
مرب |