|
((إن
ألف لذة لا تعادل ألماً
واحداً )) ميكيل أنجلو
تعد الثورة الفرنسية التي
قامت في \ 14\ 7 \ تموز
\ عام 1789م ، نقطة تحول
في تاريخ البشرية والعالم
، حيث أعطت مفاهيم جديدة
لم تكن موجودة قبل ، ولم
يكن أحدا ليصدق بأنها سوف
تصبح أمراً واقعاً ،
وتدخل حيز التنفيذ ،
وإنما كانت أقصى ما يمكن
التفكير فيها بأنها عبارة
عن أحلام يقظة تراود بعض
الخيريين الحالمين
بالخيال ، لقد بدلت
الثورة الفرنسية أحوال
فرنسا وأوربة والعالم ،
وغيرت النظام الاجتماعي
السياسي ، الذي كان
قائماً على أسس طبقية
ودينية ، ونقلت العالم
الى مرحلة جديدة ومختلفة
كلياً عن السابق ، وطرحت
شعار ( حرية – إخاء –
مساواة ) .
بعد أن أصبحت المسيحية
ديانة معترفة بها في
الإمبراطورية الرومانية
على يد قسطنطين الكبير
عام ( 305 – 337 ) م ،
بإصداره مرسوم ميلان عام
( 313 م) ، وبه تم تنظيم
الدولة المسيحية الأولى ،
وبناء العاصمة الجديدة (
القسطنطينية ) في عام
(330 م ) ، وتحولها الى
الديانة الرسمية للدولة
على يد الإمبراطور
ثيودوسيوس عام 392م ، لم
تستسلم الوثنية مما أدى
إلى تقسيم الإمبراطورية
عام ( 395م ) الى قسمين
شرقي مسيحي وعاصمتها
القسطنطينية ، وغربي وثني
وعاصمتها روما ، لينتهي
هذا الصراع الذي أضعف
الدولة الى انهيار
الإمبراطورية العظمى ،
هذا الانهيار والذي يرجعه
المؤرخ البلجيكي وأستاذ
التاريخ في جامعة غنت في
بلجيكا ( هنري بيرين 1862
-1935 ) م الى هجمات
العرب على المراكز
الحضارية في أوربة ، في
كتابه الشهير (
محمد وشارلمان )
المنشور عام 1936م على يد
أبنه .
يؤكد هنري بيرين بأن
هجمات القبائل الجرمانية
على الحضارة الرومانية لم
تكن السبب في انهيار هذه
الحضارة كما هو متوقع ،
لأنه برأيه ليس هناك
اختلافات عقائدية بينها
وبين الرومان ، ولم يكن
هناك ما يثير الجرمان ضد
الإمبراطورية سواء من
الناحية الدينية أو
العرقية ، رغم أنهم رغبوا
بالاستقرار والتمتع
بالحضارة الرومانية ،
وكانوا لا يمثلون سوى (
5% ) من السكان ، وقد ترو
منوا واكتسبوا شرف
المواطنة الرومانية ، على
الرغم أنهم نجحوا في
أقامة بعض التجمعات
القبلية التي شكلت أساس
الدولة القومية في أوروبة
.
لقد حلت القبائل
الجرمانية في شبه جزيرة
اسكندنافية ، وتفرعت منهم
الأمم ( السويدية
والنرويجية والدانمركية )
، وتفرعت منهم قبائل
الأنجل والسكسون
والبريتون الذين شكلوا (
أنجل -انجلترا – بريتون –
بريطانية ) ، وفرنجة
الذين أسسوا المملكة الفر
نجية في فرنسا ، وقبائل
الألمان، وقبائل الفاندال
في أسبانيا الذين أسسوا (
فاندالوسيا – أندلس بعد
دخول المسلمين أليها ) ،
ثم هجمات قبائل القوط
والهون المغولية ، التي
نزحت من أسيا واجتاحت
أوروبة ، وانتهت بالقضاء
على الإمبراطورية
الرومانية عام 476م على
يد ( أدو اكر الجرماني )
.
انتهت الإمبراطورية
الرومانية على يد أدواكر
بعد أن مهدت هجمات العرب
عليها الفرصة للقبائل
الجرمانية ، وتشكلت على
أنقاضها مجموعة من الدول
كا ( إمبراطورية
المروفنجية على يد
كلوفيس) الذي جعل من
باريس عاصمة له ، وشملت
حكمها حتى ألمانيا
وايطاليا ،
(والإمبراطورية
الكارولنجية ) بقيادة (
شارل مارتل 685 – 741 م
) الذي يعتبر أبرز قادتها
حيث أستطاع أن يوقف زحف
العرب في معركة (
بواتيه – بلاط الشهداء
) عام 732م ،
وشارلمان أعظم ملوك
أوروبة في العصور الوسطى
، الذي توجه البابا ليون
الثالث إمبراطورا عام
800م ، ومملكة
النورمانية في ايطاليا
حوالي القرن الحادي عشر ،
مرورا بالحملات الصليبية
التي اتخذت الصليب شعارا
لها للتعبير عن الجانب
الديني للمهمة وبحجة
أعادة قبر المسيح من أيدي
المسلمين وصولا الى حرب
المائة عام 1337- 1453 م
. 
على أنقاض هذا التاريخ
الطويل من الحروب والخراب
والدمار بدأت أوروبة
تتلمس طريقها الى النهضة
منذ نهاية القرن الحادي
عشر وبدايات القرن الثاني
عشر ، وما إن وصل القرن
السادس عشر حتى كانت
أوروبة قد دخلت عصر
النهضة التي كانت نتيجة
لعوامل متعددة ، وشملت
مظاهرها مختلف نواحي
الحياة .
فمن الجانب الفكري تأسست
الجامعات كثيرة مثل
بولونيا وبادوا ، وظهرت
النظريات العلمية (
كوبرنيكوس – كاليليو )
،وانتشرت الطباعة على يد
يوحنا كوتنبرغ مما مهد
لظهور دور النشر ( دار
نشر مانوتشة وأل مدتشي في
فلورنسه ) ، وظهر عظماء
الأدب والفكر ( دانتي –
بوكاشيو – بترارك -
ماكيافيلي – توماس مور –
سرفانتس وغيرهم .
ومن الناحية السياسية و
الدينية ظهرت النظريات
الجديدة في الحكم ، ورفض
حق الملوك المقدس في
الحكم ، وفصل الدين عن
الدولة ، وأن شرعية
الحاكم من الشعب وليس من
تتويج البابا له ، ولا
سيما عند بدء حركة
الإصلاحات الدينية ،
وانتشار الفساد في
الكنيسة بعد ظهور ما يعرف
بصكوك الغفران على يد
البابا ليون العاشر،
والتي تمنح لمشتريها
غفران الذنوب مما أثار
الاحتجاج والنقد بقيادة
مارتن لوثر الذي
تزعم حركة الأنجليين (
البروتستانت ) أي
المحتجين عام 1517م .

وفي الجانب الفني ظهر
عباقرة الفن الذين
استلهموا من التماثيل
الإغريقية والرومانية
الجمال والإبداع كا
دافنشي في لوحاته
العشاء الرباني - جو كندة
- عذراء الصخور ، والفنان
ميكيل أنجلو في
تمثال النبي موسى والنبي
داوود ،
ورفائيل في لوحة
مدرسة أثينا ومدرسة
اللاهوت ، والكثيرين
غيرهم ( تيسيان – بوسان –
ألبرت دورير – فيلا سكويز
– بيتر بروجل في لوحته
عميان يقودون
عمياناً ) .
وبعد ظهور الثورة
الصناعية في انكلترا
وامتدادها الى كامل أوربة
، وتحول الإنتاج من
المنزل الى المعامل ،
وأحداث انقلاب اجتماعي
واقتصادي في بنية المجتمع
، بدأت مرحلة الاستعمار
للحصول على الموارد
الأولية للصناعة ، وأسواق
جديدة لصرف الإنتاج ،
وساعدت على ذلك
الاكتشافات الجغرافية
الكثيرة والوصول الى
أقاصي الأرض .
نتيجة التطورات
والاختراعات والتحولات
الكبرى التي شاهدتها
الساحة الأوربية السابقة
، وتكدس المعارف والعلوم
المختلفة ، وتحول مركز
القوة الى أوربة ، وظهور
النظريات الجديدة للحكم
المستمد من الشعب ، بدأت
أفكار الثورة الفرنسية
تتخمر لتتبلور في ثورة
تعد من أهم الثورات
الكبرى في تاريخ العالم
نظراً لنتائجها التي شملت
كل العالم .
ولعل أبرز أسباب الثورة
الفرنسية تعود الى طبيعة
النظام الملكي المطلق
الحاكم في أوربة لفترة
طويلة ، والمستمدة قوتها
وشرعيتها من نظرية الحكم
المقدس ،بالإضافة الى
انتشار النظام الإداري
والقضائي الفاسد ، ووجود
طبقات متفاوتة في المجتمع
يفصل بينها تاريخ طويل من
الاستبداد ، وانحسار
الثروة والقوة في أيدي
طبقة النبلاء ، وسوء
الأوضاع الاقتصادية
لغالبية فئات المجتمع
الأوربي ولا سيما
الفرنسي ، بالإضافة الى
انتشار المعرفة وأفكار
التحرر والمساواة التي
شكلت أساس الثورة
الفرنسية .
بدأت الثورة من الجمعية
الوطنية الفرنسية في \ 17
حزيران عام 1789م \ عندما
تم مناقشة حق التصويت
بحيث تكون بالرأس وليس
بحسب الطبقات مما يتطلب
تغيير الدستور الفرنسي ،
فقامت السلطة الملكية
لمنع ذلك الى إغلاق مراكز
أجماعتهم ، فتحولوا من
مبنى المجلس الى الاجتماع
في ملعب التنس لوضع
الدستور الجديد لفرنسا
بقيادة (
مونييه وميرابو )
أبرز وجوه الثورة
الفرنسية ، ونتيجة لرفض
الملك بدأت الحركات
المسلحة وأعمال العنف
بقيادة (
مارا و كميل دومولن
) ، واستطاعوا السيطرة
على دار البلدية في باريس
ونظموا الحرس الأهلي
للثورة بقيادة (
دولا فاييت ) ،
وسرعان ما عمت الثورة
والفوضى كل باريس وهاجم
الثوار مخازن الأسلحة
وانضمت قوات الحرس الملكي
الى الثورة ، وبدأ الهجوم
على سجن حصن (
الباستيل )
وسيطروا عليها بسرعة ،
وتفشت روح الثورة بين
الناس في المقاطعات
فهاجموا قصور النبلاء
وبعض الأديرة ، وشكلوا
لجان للأشراف على الثورة
وأستمراريتها .
وتم إعلان مبادئ حقوق
الإنسان في \ 26 أب عام
1789م \ الذي نص على :
·
يولد الناس ويعيشون
أحراراً ومتساويين في
الحقوق ، والشعب مصدر كل
السلطة ، ونص على الحرية
والمساواة ، وحق الناس في
أن يشتركوا بوضع القانون
، ومراقبة الدولة ،
ومحاسبة الموظفين ، وكل
إنسان برئ حتى تثبت
إدانته ، وحق الأمن
والملكية ، ومقاومة الظلم
، وحرية الرأي .
لقد وضعت مبادئ الثورة
لفرنسا رسالة وهي تعميم
الحرية في أرجاء العالم ،
وكسر أغلال المستبدين
والمستعبدين للشعوب .
أذاً الثورة انطلقت
واندفعت كالفيضان العارم
، ولم يجد ملك فرنسا لويس
السادس عشر أمامه ألا أن
يأخذ بنصيحة زوجته ( ماري
أنطوانيت ) بالهرب نحو
الخارج ، ولكن محاولته
فشلت وتم وضعه تحت
الإقامة الجبرية ريثما
يتم البت بأمر الدستور
الجديد لفرنسا بعد الثورة
، والذي سيحدد ليس مصير
فرنسا والملك فقط وإنما
مصير كل أوربة وربما
العالم ، وتم ذلك في عام
1791م وأكد على ( أن
السيادة مصدرها الأساسي
الأمة التي تمارسها
بواسطة الجمعية التشريعية
، وإلغاء الحق المقدس
للملك والفصل بين السلطات
التنفيذية والتشريعية
والقضائية ) .
وتم إجراء انتخابات جديدة
للمجلس التشريعي ، وعدد
أعضائها ( 745 ) عضواً
ولمدة سنتين ، وفي أول
جلسة للمجلس الجديد
بتشرين الأول عام 1791م
أنقسم المجلس على نفسه
والى ثلاثة أقسام (
تيارات ) رئيسية طبعت كل
الأحزاب والحركات التي
جاءت بعدها وفي كافة
أنحاء العالم ، ودخلت إلى
علم السياسة والقاموس
السياسي حتى اليوم وهي:
1-اليمين : ويؤيدون
الملكية المقيدة بدستور ،
ومن زعمائه ( لافاييت )
قائد الحرس الأهلي للثورة
.
2-اليسار : ويؤيدون إلغاء
الملكية ، وإعلان
الجمهورية ، وحماية
الثورة ، ومن زعمائه (
مارا و روبسبيرو و دانتون
) .
3-الوسط : ومواقفهم
حيادية بين اليسار و
اليمين .
ومن هذه الاتجاهات
الثلاثة خرجت فيما بعد
الاتجاهات الأخرى كاليمين
المتطرف ، واليسار
المتطرف ، والوسط اليميني
، والوسط اليساري ،
وسرعان ما خرجت أفكار
الثورة ونتائجها من فرنسا
، وشملت كل أوربة ، وبدأت
المحاولات في الدول
الأوربية الأخرى لأتباع
نهج فرنسا والحصول على حق
تقرير المصير ، وإلغاء
الملكية المطلقة ، وهذا
ما دفع ملوك أوربة وعلى
رأسهم ليوبولد - ملك
النمسا وأخ الملكة ماري
أنطوانيت وباقي الدول
الأوربية التي خشيت على
عروشها التي اهتزت بفعل
الثورة الفرنسية – إلى أن
تعلن وبالإجماع وقوفها
إلى جانب الملك لويس
السادس عشر ضد الثورة
الفرنسية ، ومحاولة منها
لخنق الثورة ، ومنع
امتدادها خارج حدود فرنسا
إلى دولهم وشعوبهم ،
وأصدروا مرسوم أب عام
1791م ، وأعلنوا فيه عن
استخدام القوة لإعادة
الملكية إلى فرنسا
والقضاء على الثورة قبل
أن تشتد عودها ، فكانت
الحرب مع النمسا وبروسية
، ومعركة فالمي ، وما
رافقها من عمليات
الاعتقال والنفي وإرسال
إلى المقصلة .

وفي 21من كانون الثاني
عام 1793م أصدر حكم
الإعدام على الملك لويس
السادس عشر ، وأعدم بعد
أن تم إلغاء الملكية في
فرنسا وإعلان الجمهورية ،
وبذلك تأسست الجمهورية
الأولى عام 1792م ،
وأنتقل الحكم إلى حكومة
الإدارة وهم خمسة أعضاء
يختارهم البرلمان ، وكان
أبرزهم ( نابليون بونابرت
) قائد الحملة على
ايطاليا ، وهزيمة النمسا
وبروسية ، وروسيا ،
وتنصيب أخوه ملك على
أسبانيا ، وقائد الحملة
على مصر وسوريا عام 1798م
، وقضائه على التحالف
الأوربي ، والرئيس القوي
لفرنسا عام 1804م .
لقد نجحت الثورة الفرنسية
القائمة على شعارات (
الحرية – إخاء – المساواة
) ، بالقضاء على الملكية
المطلقة والحكم الفردي
الشمولي والاستبدادي ،
وتحولت فرنسا إلى معقل
للحركات التحررية في
العالم ، وأصبحت الثورة
نموذجاً يقتدى به في باقي
أنحاء العالم ، وتحولت
بطولة الشعب الفرنسي إلى
أسطورة والهام لباقي شعوب
العالم المضطهدة ، ومنارة
للحصول على حق تقرير
المصير .
إن فرنسا بقيادة ساركوزي
وهي تحتفل هذه الأيام
بذكرى هذه الثورة العظيمة
، هل حافظت على مبادئها
وقيمها ، و مازالت هي
المدافعة عن حق الشعوب في
تقرير المصير ؟ أم .....!
، تحولت بلاد ثورة
الجياع إلى نادي للمترفين
والمستبدين ؟ يبدو أنها
لعبة السياسة والمصالح
التي تتحكم بالعالم وليست
مسألة القيم والمبادئ .
بعض المصادر والمراجع :
1-
دراسات في التاريخ
الأوربي الحديث والمعاصر
: خليل مراد . جاسم .
عبد الجبار – ص 138 .
2-
تاريخ أوربا الحديث في
القرن التاسع عشر : زينب
عصمت راشد – ص 15 .
3-
تاريخ أوربة الحديث
والمعاصر : د. خيرية
قاسم دمشق – عام 1982م .
4-
تاريخ المغرب الحديث
والمعاصر : د. محمد خير
فارس – دمشق – عام 1989م
.
5-
معالم التاريخ الأوربي
الحديث والمعاصر : عبد
الرحيم عبد الرحمن – ص
160 .
6-
تاريخ إنكلترا منذ نشأتها
إلى هذه الأيام : جرجي
زيدان – عام 1893م .
7-
تاريخ أوربة الحديث
والمعاصر : حسن عبد
الفتاح – الرياض – عام
1985م .
8-
تاريخ أوربا في العصر
الحديث ( 1789 -1989 ) م
: فيشر ه . أ . ل – ترجمة
نجيب هاشم وديع الضبع –
القاهرة 1958م .
9-
تاريخ أوربة المعاصر :
راغب العلي – طليعة
الصياح – جامعة دمشق –
عام 1995م .
10-
تاريخ ليبيا المعاصر : د.
محمود عامر – جامعة دمشق
– عام 1992م .
11-
التاريخ الأوربي المعاصر
( أوربة من الثورة
الفرنسية إلى الحرب
العالمية الثانية ) : عبد
العزيز نوار – عبد المجيد
النعنعي – بيروت .
12-
تاريخ القرن العشرين :
ببيير رونوفن – ترجمة نور
الدين حاطوم – دمشق –
1960م .
13-
مختصر تاريخ فرنسا : سليم
الخوري – طبع مكتبة عبد
الرحمن الأنصاري – عام
1925م .
14-
التاريخ المعاصر : عابدين
حمادة – دمشق – عام 1935
م .
|