|
|
سموم تركيا و صمت العالم
جان دوست
من الواضح أن الساسة الأتراك من ورثة
الامبراطورية العثمانية و المنغمسين في "عسل"
أحلام التوسع و وحول "وهم التفوق" لا
يريدون لنزيف الدم أن يتوقف في كردستان و
تركيا. و هم" ورثة الكمالية" من جهة أخرى
يغضون الطرف عن اليد الممدودة للسلام من
داخل السجن البغيض في إيمرالي و يصمون
الآذان عن النداءات المتكررة التي أطلقها
الزعيم الكردي الأسير عبد الله اوجلان عن
ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار و إفساح
المجال لمساعي حل القضية الكردية سلماُ,
مأخوذين باعتقادهم أن عزل القائد الكردي
وراء القضبان و في ظروف صعبة ستوهن عزيمة
الكرد و تفت في عضدهم .
تركيا الكمالية, و ريثة تقاليد العثمانيين
في تصفية القادة الكرد و قتلهم و نفيهم ما
تزال تعيش على أوهام إنهاء القضية بإنهاء
زعاماتها, و هي التي لم تعتبر بدروس
التاريخ حيث خبرت قدرة الكرد على النهوض
من الرماد مراراً و تكراراً بعد كل
انتكاسة. لقد نفى العثمانيون بدرخان بك
الكبير و تنفسوا الصعداء زاعمين أن
المسألة قد انتهت و لكن سرعان ما قام
يزدان شير بانتفاضته . ثم قام الملا سليم
الخيزاني بثورته إبان الحرب العالمية
الأولى فأعدمته السلطات العثمانية على باب
القنصلية الروسية معتقدة أن الجمرة انطفأت,
كما أعدمت الشيخ عبد السلام البارزاني و
تآمرت مع الحكومات المجاورة لسحق ثورات
الكرد. و قام الشيخ سعيد بثورته العارمة
لتعدمه تركيا الكمالية و ينبري قادتها
للقول أمام العالم أجمع: في تركيا لن يعيش
سوى الترك, أما هؤلاء الذين يسمون الأكراد
فالأفضل لهم أن يذهبوا إلى أدغال افريقيا
حيث الغابات و الوحوش.
و انتفض المارد الكردي من جديد فقامت ثورة
آكري, و بعد القضاء عليها برزت نبرة
التشفي واضحة من خلال رسم كاريكاتوري
مشهور ساخر يقول فيه الأتراك إن كردستان
الخيالية قد دفنت في قمة أرارات. و تبين
أن خيال الكرد أقوى من أن يدفن في جبل
احتضن ثورتهم فقامت ثورة ساسون ثم انتفض
سيد رضا ليعدمه الأتراك.
لقد كان الأتراك في كل مرة يقمعون فيها
ثورة كردية يزدادون زهواً و خيلاء و
يكررون اسطوانتهم الممجوجة" لقد انتهى
الكرد هذه المرة و إلى الأبد" و بالفعل
بدا الأمر كذلك إلى حين بروز الحركة
الكردية المعاصرة في كردستان الشمالية و
التي لم تكن تشبه الحركات السابقة
فاستقطبت جميع شرائح المجتمع و تقاطر
الشبان الكرد و الشابات الكرديات من كل فج
عميق ليلتحقوا بالثورة و يهرقوا دماءهم
العزيزة على صخور كردستان مما أخرج
العسكرتاريا التركية عن أطوارها, تلك
العسكرتاريا التي لم تعهد حركة مماثلة
وعدت" مواطنيها" بالقضاء قريباً على "
العصابات القادمة من خارج الحدود" و
انطلقت حنجرة تانسو تشيلر بترنيمتها
الشهيرة" إما أن ينتهوا أو ينتهوا". لكن
تانسو الشقراء انتهت و لم ينتهوا هم. و
كان هذا دأب بولند أجاويد و مسعود يلماظ و
أردال اينونو و من بعدهم السلطان رجب
أردوغان. و بدل أن يمارس الساسة الأتراك
الواقعية السياسية التي تفرضها انقلابات
زمننا نراهم يمارسون طقوسهم المتوحشة في
تصفية الزعيم في محاولة لوأد القضية من
جدزرها. إنهم في قتالهم لمن قاتلهم كانوا"
معذورين" على الأقل من وجهة نظر المنطق
العسكري أما أن يقدموا على تسميم من
يسالمهم فهذا ما لا يستطيع أي منطق مهما
كان أخرق من تبريره.
لقد قال هؤلاء الساسة أنفسهم عشية اختطاف
أوجلان منذ ثماني سنوات إن" المسألة انتهت"
و أنه تم سحق " رأس الأفعى" و وعدوا
مواطنيهم بحقبة من الرخاء و استقرار
الأمور. و لكن شيئا من هذا لم يحدث.
لذلك تفتقت عبقريتهم عن خطة جديدة للقضاء
على الحركة الكردية من خلال قتل زعيمها
تدريجياً و هو الأعزل من كل سلاح سوى
مناشدته المتكررة و المطالبة بإحلال
السلام المشرف للفريقين و طي صفحة نزاع
طال أمده.
إن تسميم عبد الله أوجلان بحسب ما أعلنه
المحامون في أوائل هذا الشهر الكردي "
النقمة" يدل أولاً على خوف تركيا من
السلام الذي يعني قبل كل شيء انهيار
الايديولوجية المتخلفة التي يتمترس خلفها
العسكريون الأتراك, و بالتالي زوال نفوذهم
العفن على مقدرات البلاد .
و لكن المؤلم في الموضوع هو صمت العالم
الذي لا يقل خطورة عن سموم تركيا. و كأن
العالم بصمته المريب هذا متواطئ مع
الأتراك و متفق معه في ضرورة القضاء على
اوجلان و حركة الشعب الكردي المقاومة في
وجه الطغيان الفاشي التركي. إن هذا الصمت
حتى بعد نشر الموضوع و إعلانه اشتراك في
عملية القتل العلنية و البطيئة التي يتعرض
لها أوجلان في سجنه منذ مدة طويلة.
و لكن ماذا عن صمت الأكراد؟ هؤلاء الذين
تثور ثائتهم و تقوم قيامتهم لخبر اعتقال
ناشط كردي" مع احترامنا لنضال جميع
النشطاء الكرد أينما كانوا". مهما يكن من
أمر فإن عبد الله أوجلان قائد كردي و
تسميمه المتعمد" أو لنقل مرضه الخطير"
يقاس على الأقل بالوعكة الصحية التي تعرض
لها جلال الطالباني حيث تتالت برقيات
الاطمئنان على صحته من الشرق و الغرب و
تمنت " و نحن من بين من نتمنى" له الشفاء
العاجل و القيام بالسلامة. و امتلأت
مواقعنا الكردية الالكترونية بأخبار مرضه
و نقله إلى المشفى في الأردن ثم تماثله
للشفاء و برئه من المرض.
من جهة أخرى طبلت و زمرت مواقعنا الكردية
و صحافتنا لخبر اعتقال زعيم حزب سياسي
كردي في كردستان الغربية و مشت الجماهير
في مسيرات احتجاجية للمطالبة باطلاق سراحه
و ناشدت الهيئات و المنطمات الدولية للضغط
على الحكومة السورية من اجل معرفة مصيره و
تحسين ظروف اعتقاله . و خرج الخطباء
المفوهون يعتلون منابر الانترنيت و هم
يكادون يقطعون حناجرهم صراخاً في وجه"
الظلم" الذي حاق بزعيم هذا الحزب الكردي.
أما أن تصمت مواقعنا و تصوم كلامياً عن
خبر تسميم اوجلان الذي يدفع من صحته و
حياته ضريبة التواطؤ الدولي مع تركيا فهذا
ما لا يمكن تفسيره إلا من زاوية واحدة و
هي ازدواجية المعايير و انتقائية الاحتجاج
و ضيق الأفق الحزبي و السياسي و الفكري.
|