|
سؤال:
حسب نص الرواية ليست هناك
حقيقة واضحة المعالم. أو
لنقل ليست هناك حقيقة
مفردة و وحيدة. و مثالاً
على ذلك
موضوع مطر الحبر فيف
الرواية. فالحبر ربما
يكون قد هطل من السماء
عشية موت خاني و ربما لم
يهطل, و الخاني ربما يكون
قد قتل و ربما لم يقتل!
ألا يترك هذا الأمر
القارئ وحيداً في متاهة
النص و السرد و كأني
بالنص يقول للقارئ: فكر
كما تشاء! هل تريد أن
يملأ القارئ الفراغات؟
كيف تريد أن يكون شكل
العلاقة بينك و بين
القارئ؟
الجواب:
بمجرد أن يخرج النص إلى
النور يفقد المبدع علاقته
به و يصبح في عهدة
القارئ. و القارئ يعيد
بناء النص بمحض قرائته.
أي أن القراءة هي إعادة
بناء النص. و في مثلث
(كاتب- نص قارئ)
يكون القارئ هو الضلع
الأهم لذلك لا يستطيع
المبدع و لا النص
الإبداعي طرح الحقيقة
كاملة. القارئ يخلق للنص
حقيقته. لذلك ففي كثير من
الأحيان يختلف القارئ و
الكاتب أو تختلف وجهات
نظرهما. يقول القارئ:
هكذا يفصح النص عن نفسه,
فيرد الكاتب: لا لكنني
أنا أقصد الشيء الفلاني !
إن الطفل الذي يولد و
يغادر رحم أمه ليس هو بأي
شكل من الأشكال ذلك
الجنين الذي كان في
ظلمات الرحم قبل دقائق
قليلة. ستقول الأم: إنه
طفلي حملته في بطني تسعة
أشهر. لكن الذين حولها لا
ينظرون إلى الطفل بعيني
الأم. أنا أريد من القارئ
أن يقتلني بالقراءة أي
يمحوني و يقف فقط أمام
النص الذي أبدعته. بعد
ذلك يقوم ببناء النص
بقوة خياله و أفكاره.
هكذا يساعدني هذا القارئ
على خلق نصوص أخرى. لكن
عندما لا يفصلني القارئ
عن نصي فإنه يخدعني..
سؤال:
لو تفضلت سأقوم بإضافة
ضلع رابع لمثلثك ليصبح
مربعاً. سأضيف الناقد. ما
الذي يستطيع الناقد
القيام به بين القارئ و
النص و المبدع! ما هو
دوره؟ و ما هي الآثار
المترتبة على عدم أو شح
نقاد الأدب على الصعيد
الثقافي؟
الجواب:
أنا شخصياً أعزو يتم
الأدب الكردي إلى سبب
رئيس و أساسي و هو شح أو
فقدان النقاد. إلى الآن
لم تظهر هذه الشريحة
بمعالم واضحة في الساحة
الأدبية. الكاتب يبدع من
جهة و يقوم بوظيفة النقد
من جهة أخرى. الناقد الذي
أتحدث عنه هو ناقد حصيف
مثقف و صاحب مشاريع و
أبحاث جادة و له رؤى
خاصة. إن عدم وجود النقاد
يرجع أيضاً إلى ضعف النثر
الكردي الكرمانجي. طبعاً
الوضع الآن أفضل. فالنثر
يتطور قليلاً قليلاً و
يستطيع ناقد تأليف كتاب
نقدي بلغة أكاديمية. أنا
بصفتي كاتباً أصاب بخيبة
أمل عندما تصدر لي رواية
و لا أرى سوى مقالين أو
ثلاثة حول ما كتبته! أنا
أنتظر تقييماً لما يصدر
مني و أريد فهم ما يثيره
النص الذي أبدعه و كيف
ينعكس على القراء. و هكذا
فإن أساليبي الكتابية
أيضاً ستتطور. أنا شخصياً
أحب النقد. و قد مارست
هذا الفن الأدبي لذلك فلا
أضيق ذرعاً عندما ينتقدني
أحدهم. مع الأسف النقد
في مجتمعنا ذي الأسس
الإقطاعية يعتبر
عيباً!!لا يسميه الناس
نقداً بل: تهجماً!إن
المجتمع الكردي يشبه
بحيرة راكدة و هناك تخوف
من أن تصبح هذه البحيرة
آسنة. لقد قلت سابقاً
أيضاً و أكررها هنا: لو
ظهرت ملحمة مم و زين في
أي مجتمع آخر لأثارت
نقداً و تعليقات و ردود
فعل منذ العام الأول
لظهورها. لقد انتظر أحمد
خاني مئتي عام حتى تمكن
الناس من معرفته و استطاع
كتابه أن يلعب دوره.
سؤال:
كثير من الكتاب الكرد
يعتمدون على السرد
الكلاسيكي و يهتمون
بالموضوع على حساب الشكل
الفني. في الآونة الأخيرة
يحاول بعض الكتاب تحطيم
القوالب السردية" مثال:
خوف بلا أسنان لحليم
يوسف. كلمات مذنبة لحسن
متى و الأمل موجود دائماً
لحسن حسين دنيز" و الآن
ميرنامه. كيف ينظر جان
دوست إلى هذه المسألة ؟
الجواب:
هذه الروايات التي تحدثت
عنها لا يشبه بعضها
بعضاً. يعني خوف بلا
أسنان لا تشبه كلمات
مذنبة, و الاثنتان لا
تشبهان ميرنامه."" أنا لم
أقرأ رواية الامل موجود
دائماً"" . خوف بلا أسنان
لها عمق نفسي و تتحدث عن
أحداث معاصرة. كلمات
مذنبة تلج عالم الأحلام و
اللاوعي و المتافيزيقياو
تتشح بخيال محض. لكن
ميرنامه لا تشبه هذه
الروايات .لها لغتها
الخاصة و لها فسحة الحرية
. أنا لا أمدح ميرنامه.مع
الأسف أنا أقوم
بتقييمها. يعني كقارئ
أستطيع ان أقول هذا
الكلام. و أنا مع زملائي
من الروائيين الكرد أحاول
أن أرتقي بالرواية
الكردية و أخلق لغة
بمستوى عال. أريد أن أوصل
النثر الكردي إلى ميادين
النجاح.
سؤال:
ما هي الحقائق التي يؤمن
بها جان دوست في الحياة و
الأدب؟ ما هي فلسفة
الحياة و الكتابة عند جان
دوست؟
الجواب:
الحقيقة الكبرى و الوحيدة
التي أؤمن بها هي الحقيقة
التي لا يصدقها أحد ألا و
هي الموت. في كل رواياتي
توجد مقاربات من الموت.
أريد إثارة هذه الموضوعة.
مع أنها موضوعة قديمة و
مكررة اجترتها النصوص
كثيراً منذ ألوف السنين.
لو كنت انتبهت فإن روايتي
الأولى مزاباد تتحدث عن
شخص بدأ يسمع صوت موته
مثل جرس. في ثلاث خطوات و
مشنقة هناك قصة الثائر
الكردي الشيخ سعيد أمام
حبل المشنقة و في روايتي
الأخيرة ميرنامه قصة
الخاني الذي يتحدث الجميع
عن موته و احتمال تسميمه.
أنا أريد أن أطرح هذه
الحقيقة: إننا نموت و لا
نعيش! لقد كتبت في مقدمة
الرواية الأولى مزاباد :
جان دوست يموت منذ العام
2000 في ألمانيا!
و من بين جميع الكتب التي
قرأتها هناك عبارة واحدة
أثارت إعجابي و هي من
الكتاب المقدس: الكل باطل
و قبض الريح.
يا عزيزي لم يدع لي الموت
فرصة للاستمتاع بالحياة.
سؤال:
لم يدع لي الموت فرصة
للاستمتاع بالحياة! و "
أنا أموت في ألمانيا"
عبارتان مثيرتان
للانتباه. هل تستطيع أن
توضح
لنا الأسباب؟
الجواب:
في حياتي لعب موت أقاربي
تأثيرًا رهيباً علي.
التأثير الأكبر كان بسبب
وفاة والدتي , موتها هز
كياني من الأعماق و جعلني
سوداوياً حتى فقدت القدرة
على الضحك! بعد وفاة
والدتي لم أستطع الابتسام
على مدى عام و نصف. في
منتصف الليل كنت أنهض
كالمجنون و أذهب لزيارة
قبرها. لم أكن أصدق موتها
حتى بات أهلي يخشون علي
من الجنون. بعد ذلك
استشهد أحد ابناء عمي و
كان صديقاً مقرباً لي,
بعد التحاقه بمقاتلي حزب
العمال الكردستاني. مات
أبي و قضى أخي الأصغر
نحبه في حادث سيارة. مات
من أبناء عمومتي بضعة
شباب. أحدهم و كان في
السادسة عشرة من عمره و
من جيلي انتحر شنقاً .
ابن أختي الذي كنت أحبه
كثيراً مات فجأة و هو في
ريعان الشباب. ثلاثة من
أولاد أخي الصغار ماتوا
متتابعين.
أنا نفسي كدت أقضي برصاصة
أثناء خدمتي في الجيش
السوري. جاءت الرصاصة فوق
رأسي بمقدار خمسين
سنتمتراً. أصبت بجراح.
شاهدت زملائي من الجنود
القتلى. شاهدت أدمغتهم
التي تتغلغل فيها الديدان
في الخوذات المعدنية. هذ
ه الأحداث جعلتني أفكر في
فلسفة الموت بشكل مرضي.
لقد كنت فيما مضى متديناً
و كانت حياة ما بعد الموت
تسلية لي و لكن عندما
تحررت من الدين و اقتربت
من الفكر الماركسي تعمقت
في التفكير بالموت. أنا
لا أخاف الموت لكنني
أكرهه. و مع ذلك لي رجاء
عند الموت: أتمنى أن يأتي
الموت خفية و فجأة. أرجوه
ألا يريني نفسه و ألا
يصبح ضيفاً في فراشي. أنا
أخاف ركوب الطائرات
كثيراً و أقول لو حدث
طارئ في الجو فسأعرف و لو
للحظات أنني مقبل على
الموت. لا يمكنني
الابتعاد و لو للحظة عن
التفكير في الموت. هذا
بالنسبة لي مرض نفسي. في
الحفلات و الأفراح تصيبني
الكآبة و الغم و أقول:
أسفاً على هذا الفرح الذي
سيطويه الموت. من هذا
المنطلق أقول دائماً لو
أن هناك تكريماً لي كمبدع
فليكن ذلك في حياتي. لا
أريد أن يكتب الناس
مقالات تقريظ عني بعد
موتي فذلك لن ينفعني و
لا أريد أن يحيي أحد
ذكراي فذلك سيؤذي عظامي
في القبر. ما دامت هذه
الحياة قد أصبحت من نصيبي
فليكن لي فيها قدر من
السعادة.
سؤال:
في الحقيقة فإن ما تحدثت
عنه صعب, أي هذه العلاقة
مع الموت. السؤال هو: بغض
النظر عن الحزن إلى أين
أوصلك التفكير في الموت.
لقد " أصبحت تعرف الموت
عن كثب" فما هو الموت.
كيف يجب أن نقترب منه؟
الجواب:
الموت كما قلت لك حقيقة
لا يمكن تصديقها. و هي
الحقيقة الوحيدة. و
موضوعة الموت قديمة و من
عهد كلكاميش و الأنبياء و
الفلاسفة و الأدباء
يحاولون الولوج إلى عوالم
الموت و فهم مغزاه و
الوقوف على حقيقته و لكن
دون جدوى. إنها الحقيقة
التي لا يمكن الإحاطة
بمعناها. لقد عبرت سن
الأربعين و أقول: الحياة
دين في عنق الإنسان يدفعه
بالتقسيط و أنا في هذا
العمر قد سددت نصف هذه
الأقساط كحد أقل! و النصف
الباقي و كما يظهر
سأدفعه بمرارة و
صعوبة.هناك شاعر عربي
معروف هو أبو العلاء
المعري عاش قبل ألف عام
يقول في قصيدة له:
جسدي خرقة تخاط إلى
الأرض فيا خائط
العوالم خطني
إنني أحسد في الحقيقة
أولئك الذين لا يفكرون في
الموت و لا يهتمون به و
أقول ليتني كنت مثلهم
لأهنأ بهذه الحياة و أعرف
طعمها و لكن هيهات هيهات.
سؤال:
أريد أن تحدثني قليلاً عن
حياة الغربة. يشيع بين
الجيل الصاعد من الكرد
نوع من الهوس بالرحيل.
وهناك قدر لا بأس
به من كتابنا في
المغتربات. قرأت في
زاويتك التي تحررها في
موقع ديارنامه مقالاً
حزيناً لك عن حياة
المنفى.
الجواب:
و أنا تبعت هذا الحلم
الكاذب. كنت أظن أن سبب
كآبتي و حزني هو ذلك
التراب و ذاك المجتمع. و
إذا بي أتيت بهمومي معي
إلى هذه الديار! لا
أستطيع أن أقول لأحد لا
تأتي إلى هذه البلاد.
إنها بلاد الضياع و لا
أحد يصدق مرارتها حتى
يذوق طعم هذا السم
بنفسه. من الجائز أن
يكون البعض قد وفق في
مسعاه و فتحت لهم السعادة
أبوابها. لكنني شخصياً
لم أشعر بأي سعادة. إن
غربتي ليست غربة جغرافية
فأنا كنت أحس وأنا بين
أهلي و في وطني بالغربة.
غربتي نابعة من الم
داخلي. و هذه الغربة
الروحية لم تلق العلاج
بالجغرافيا. تغيير التراب
ليس حلاً بل هو داء جديد.
غربتي في روحي. بالإضافة
إلى أن هذه البلاد هي
بلاد أعمال و شغل و على
هذا فإن واحداً مثلي
سيتوه لا محالة هنا.
ستتفاقم آلامه و سيشعر
بنفسه قريباً أكثر من
الموت.
سؤال.
كيف هو ألمك الداخلي هذا؟
هلا أفصحت عنه قليلاً؟
الجواب:
إنه يبدو كألم يحتاج إلى
علاج طبي! صدقني لقد صار
لي ثمانية أعوام في هذه
الغربة أنظر حولي فأرى
طبيعة خلابة رائعة, اشاهد
حياة متنوعة كقوس قزح
فاعرف أن الحياة جميلة
هنا و أن هذه البلاد بلاد
رائعة. لكن أحاسيسي تقول
غير ذلك. أي أنني أعرف
بعقلي أن الحياة هنا
جميلة, أما بإحساسي بقلبي
و روحي فلا اشعر باي متعة
أو جمال. أرى الأشجار
الخضراء فلا تهزني. أحضر
الأفراح فلا أفرح و لذلك
أقول إن آلامي هي آلام
داخلية روحية. من الداخل
أشعر بألم مجهول و عميق.
نيران حريق في القلب لا
يستطيع حتى الحبر أن
يطفئه.
سؤال:
نأمل أن تشعر بروحك و
أحاسيسك بالسعادة و أن
تنطفئ النيران المستعرة
في قلبك لكي لا تبعدنا
عنك. كنت أتمنى أن أغوص
عميقاً في عالمك الداخلي
و لكن يبدو أن ذلك لا يتم
ببضعة أسئلة. فليبق هذا
موضوعاً لحوار آخر. أشكرك
على أجوبتك الحميمة و
الصريحة.
الجواب:
و أنا بدوري أشكرك. و لكن
لا تنتظر أن تنطفئ نيران
قلبي. لأنني لن لأعود إلى
الكتابة بعد ذلك فأنا يا
سيدي أنا أكتب على ضوء ما
يستعر في قلبي من نيران.
أعذرني فلم استطع البوح
بكل ما يخالجني و يدور في
رأسي من أفكار. لم أحدثك
عن عملي عتالاً في هذه
البلاد, لم أخبرك عن شغلي
كعامل نظافة, لم أتحدث عن
تنظيف القبور و ما أريتك
أظافر قدمي التي اسودت و
سقطت بسبب المشي الطويل
أيام الأحد و الأربعاء و
أنا أوزع الجرائد و
الإعلانات. لم أخبرك بغسل
الأواني و لا تظيف
المراحيض. فليبق ذلك إلى
مرة قادمة فيما إذا كان
الزمان كريماً و جاد
علينا بمرة قادمة! شكراً
لذلك القارئ الذي رافقنا
إلى نهاية هذا الحوار.
إنه كان مجنوناً مثلنا.
الحوار مترجم عن موقع
Netkurd.com
الجزء
الأول
حوار
مع جان دوست حول روايته
الأخيرة ميرنامه:
أريد أن تكون رواياتي
جرساً لا خرزة نوم
أجرى الحوار بالكردية:
حسن
درويش
|