|
بداية لابد ان نشير الى ان الثقافة بشكل
عام هي العامل الاساسي في تحديد و تسيير
نوعية و شكل الحكم و مضمونه، و ان المثقف
الحقيقي مخطط و مبرمج و مؤثر فعال على
الوضع السياسي و في كافة المجالات و ان لم
ينتمي الى اي حزب او تيار و ان كان بشكل
غير مباشر ، فالقدرة الواسعة التي يمكن ان
يتمتع بها المثقف و يستخدمها في توضيح و
تعين و تحديد الطرق السليمة امام السلطة
وبسبل كثيرة التي لها الدور الكبير في
المسيرة السياسية لاية حكومة و في اية
منطقة ، و لكن بنسب تتراوح تاثيراتها من
درجة لاخرى حسب المستوى الثقافي العام و
وعي الشعب و ادراكه لما يجري و حيويته و
اشتراكه العقلاني في الحكم كسلطة كانت او
معارضة ، و يكون اشتراكه مستندا على وضع
المنطقة و مدى عمل الراي العام و شكل
الحكم و الوضع الاجتماعي و الثقافي و
الاقتصادي و تعامل الشعب و السلطة و
ارتباطهما مع البعض و مستوى ترسيخ
المباديء الاساسية و الخبرة و نسبة
المثقفين و الواعين للعملية السياسية و
مدى ادراكهم و تحليلهم للمعادلات السياسية
الواقعية و نظرتهم الى الحياة و تاثيرات
التاريخ و العلاقات الاجتماعية و
الموروثات على عقليتهم و عملهم . و عند
تمحصنا و تدقيقنا لما هو عليه المثقف و
ماهي مواقع عمله و مؤثراته،نراه كثيرا
كناقد متشدد و احيانا محافظا على نظرات و
فلسفات النظام القائم ، او ثوريا او شبيها
لموظف حكومي من حيث العمل و الفكر او
متمردا في الاوساط الثقافية و الاجتماعية
العامة، و يدلي بما لديه من الاراء و
المواقف المختلفة حول القضايا العامة
مستندا على عقليته و معتقداته و تفكيره و
كيانه الذاتي بشكل عام و من خلال قرائته
للظروف و الوقائع و المفاهيم التي يحملها
، و يختلف من حيث الفكر و العمل و التاثير
عن الاخر ، و يقف ضد السلبيات المفروزة و
المؤثرة على حياة المجتمع بشكل من الاشكال
. و يتعامل المثقف مع القادة و الحكم بما
يفيده ان كان يفكر من زاوية المصلحة
الخاصة ، اما ان كان مثقفا بحق و حقيقة و
هو لن يدع مصالحه الخاصة تسيطر على عقليته
و تعامله مع الاحداث و مايجب ان يكون جل
تفكيره من اجل الشعب بشكل عام ، و عليه ان
ينظر الى اعمدة الحكم و السلطة بتجريد
كامل عما لها من العلاقة الوطيدة مع حياته
الشخصية و يجب ان يكون شخصان في كيان واحد
، عندئذ يمكن ان يكون لرائه وقعه وقوته و
تاثيره المباشر على الحكم و القيادة ، و
لمواقفه العامة دور في توجيه الراي العام
و من ثم السلطة ، و هو لن يرتمي بنفسه في
حضن اي طرف مهما كانت ملذات المعيشة
مرتبطة به ، و يجب ان تكون له القدرة و
السيطرة على الذات و ما يخص نفسه و يكون
مجتهدا في اختصاصه و نظيفا و بريئا و
منقذا ، و هو يختلف عن غيره بالصفات و
الجواهر و العمل و الانتاج
.
و كلما ننظر الى دور المثقف و الثقافة
بشكل عام و تاثيرهما على السلطة عبر
التاريخ نكتشف الوجهين المضادين نتيجة
تعامل المثقفين الحقيقيين و المحسوبين
عليهم دون وجه حق او ممن خلقهم السلطات و
القيادات للاستفادة منهم عند وقت الحاجة ،
و اكثرهم مواليا للحكم و مثبطا لعزيمة
الاصلاحيين،و ان اردنا ان نصف المثقف و
جواهره هو الذي يجب ان يكون المدافع عن
الحقوق و الداعم الشعب نحو التقدم و
التنمية ، و يجب ان لا يكون موقف المثقف
مستقرا على راي حول كافة القضايا كما نرى
اليوم و هو منقسم بين الرفض و التايد و
الدعم حسب موقعه و ارتباطاته ، و ان لا
يكون التعبير عن الراي مستندا على عواقبه
من حيث المصالح في توجيه القائد او
السياسيين نحو ما يفتح الطريق امام عموم
الشعب وفق الظروف السياسية و الاجتماعية .
و دور المثقف لا يقتصر على موقفه و رايه
حول السلطة او معارضة او المعارضة و انما
مساحة عمله و ارائه و افكاره و مؤثراته
على المجتمع و تكون لها مؤثراتها المباشرة
و السريعة على مسيرة الحكم في اية منطقة ،
و يجب ان يتصف المثقف قبل غيره بالصفات
التقدمية و يكون في الطليعة من حيث العمل
او الموقف و منفتح و مدرك لجوهر الحقائق
على الارض في كافة المجالات و محلل بارع
للقضايا و دارس و باحث متعمق في
الاختصاصات التي يهتم بها و مؤمن بفكره و
عمله و مواضب في اداء واجباته و قاطع
لطريق نشوء الدكتاتوريات و مهتم بتفصيلات
و دقائق و مضامين ما يهم مستقبل الاجيال
.
www.hawlati.info
|