|
الشرق الأوسط : غياب العدالة أم صراعات
تاريخية
إبراهيم خليل
إن مايحصل الآن في المنطقة من صراعات
مختلفة وأزمات سياسية يدل دلالة قاطعة على
إن شعوب المنطقة باتت تبحث عن هويات جديدة
لها تعبر عن انتمائها بعد أن ضاق بها ما
ألبست عنوة وقسرا منذ قرن من الزمان أي
بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة
العثمانية حيث تم تقسيم المنطقة بما فيها
من شعوب وأمم بشكل جغرافي مجحف وافق أهواء
مصالح الدول الاستعمارية الكبرى التي
انتصرت في الحرب آنذاك ولم تراعي فيها تلك
الانقسامات والاختلافات والثقافات
المتعددة التي تشكل فسيفساء متنوعة قلما
توجد في منطقة أخرى من بقاع الأرض من حيث
تعدد الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف
التي عانت من الصراعات والتناحر على مدى
قرون من الزمان عبر التاريخ وبذلك تم خلق
خرائط جديدة للمنطقة ضمت دولا تعيش فيها
شعوب من اتجاهات وأعراق ومذاهب مختلفة
وذلك عبر سياسة عرفت بـ( فرق تسد ) وذلك
للتحكم فيها واستغلالها من خلال ميزايين
قوى متعددة وتأليبهم ضد بعضهم البعض.
وبعد الاستقلال الذي جاء عقب الحرب
العالمية الثانية وتكريس المد القومي الذي
طال شعوب المنطقة ووصول بعض رموزه إلى سدة
الحكم وخاصة المد القومي العربي الذي
استقى الكثير من أفكاره من النازية
والفاشية التي كانت سائدة في أوروبا قبل
الحرب وتأثيره المباشر على بعض التيارات
القومية العربية التي أوصلت جمال عبد
الناصر إلى سدة الحكم في مصر وفيما بعد
سوريا ثم فيما بعد انقلابات حزب البعث
العربي الاشتراكي في كل من سوريا والعراق
إلا أن واقع الحال اثبت إن هذه التيارات
رغم الشعارات القومية والعلمانية لم تكن
تمثل سوى طوائفها ومذاهبها وبذلك فشلت
فشلا ذريعا في دعم وتطوير المشروع القومي
العربي وذلك بسب تحول هذه الأنظمة إلى
أنظمة شمولية يقودها الفرد الواحد وعائلته
وممارسة كل أنواع الاضطهاد بحق الآخرين من
( قوميات ومذاهب و.....) وبذلك تحولت إلى
أنظمة شبه ملكية كالتي تحكم عددا من دول
المنطقة كا آل سعود في الخليج والهاشميين
في الأردن أما في لبنان الذي أوجد له
الفرنسيون في زمن الانتداب نظاما توافقيا
في حكمه من خلال الدستور فبقي رهنا
لسياسات الدول المجاورة التي مارست نفس
السياسة الاستعمارية السابقة من خلال
تأليب الطوائف ضد بعضها البعض مما أدى إلى
إشعال حرب أهلية دامت سنوات عديدة ولم
ينته الصراع فيه رغم إيقاف الحرب إلى
يومنا هذا والذي يبدو اليوم اقرب إلى حرب
أهلية أخرى في ظل الظروف التي تمر بها
المنطقة عموما مثلما نشهد في العراق من
اقتتال دموي لا يبدو له نهاية في وقت قريب
.
أما في تركيا فقد استخدم الأتراك سياسات
متنوعة ومختلفة تارة باستخدام الدين
الإسلامي كذريعة لابادة الأرمن و
المسيحيين وتارة تحت شعار العلمانية
لمحاربة الطوائف الإسلامية المتعددة وتارة
تحت شعار القومية لقمع الشعب الكردي
ومحاولة إدماجه قسرا في القومية التركية
حتى أصبح المرء يتساءل عن ماهية الدولة
التركية حقيقة.
أما في إيران والذي كان النهج القومي هو
المسيطر في عهد شاهات إيران فرغم قيام
الثورة الإسلامية في إيران والذي حاول فيه
آيات الله إضفاء الصيغة الإسلامية على
حكمهم إلا أنهم فشلوا في إخفاء النزعة
القومية عن توجهاتهم الفكرية وذلك من خلال
تصدير أفكار المذهب الشيعي الذي يدين به
الفرس والصفويون في إيران وامتدت بذلك
أصابعهم إلى باقي دول المنطقة لزيادة
نفوذهم وتحقيق أحلامهم في إقامة
إمبراطوريتهم التي خاضوا من اجلها حروب
عديدة.
أما بالنسبة إلى الشعب الكردي الذي كان
ضحية صراعات المنطقة فقد كان وربما لا
يزال قسم منه يعيش في نظام شبه قبلي ولم
يصل بعد اجتماعيا إلى مرحلة الاندماج
الكلي في النظام القومي وإنشاء دولة خاصة
به وان اتجه نحو اعتناق الأفكار القومية
مع بدء المد القومي في بداية القرن الماضي
وقد رفع عن كاهله تجارب مريرة من الصراعات
القبلية والمذهبية أو حتى الدينية فقد
كانت التجربة الكردية في العهد الإسلامي
مريرة وكان ضحية صراع امتد لقرون بين
الدولة العثمانية والصفوية . إلا أن المد
القومي لدى الشعب الكردي لم ينضج بشكل
كافي وسريع فحتى الثورات الكردية التي
تفجرت هنا وهناك وعلى امتداد الرقعة
الجغرافية الكردستانية يلاحظ فيها إن
قادتها كانوا إما من رجال الدين أو زعماء
العشائر ورغم إن ذلك لا يقلل من مصداقيتها
إلا أنها لم تلاقي النجاح لعدم النضج
القومي .
إلا انه في بداية السبعينات من القرن
الماضي بدأت الصورة تتضح بشكل أفضل مع
انطلاق تيارات فكرية ذات توجهات علمانية (
اشتراكية أو ديمقراطية ) وتغلغلها في
الحركات السياسية الكردية وقد لاقت إقبالا
ايجابيا نسبيا وأقول نسبيا لأننا يجب أن
نعترف بحقيقة إن التأثير العشائري مازال
مهيمنا في العديد من المناطق ( حيث لا
تزال توجد أحزاب كردية تتباها بانتمائها
لبعض العشائر وذلك لمد نفوذها واستغلال
العواطف القبلية ) . ( وهو مايستلزم بحثا
خاصا )
وبالعودة إلى المنطقة وصراعاتها المختلفة
فعلى مايبدو إن البحث عن هويات جديدة
لشعوب المنطقة سيستغرق وقتا طويلا فكما
أسلفنا إن انهيار المشروع القومي العربي
الشمولي ولد لدى جماهير المنطقة العربية
وما حولها مشاعر الانتماء إلى مستويات
غيرت الانتماءات الوطنية والقومية التي
كانت تجمعها فأصبح العودة إلى الطائفة أو
العشيرة سمة المجتمعات في الشرق الأوسط
وهو ناتج عن الهروب من الواقع المأساوي
الحالي الذي اثبت فشله وعن ذلك التعصب
الذي لا مبرر له وهو نتيجة غياب العدالة
عن جميع النظم الحاكمة التي أ خضعت
المنطقة لسلطانها من جمهوريات وممالك
والذي أدى إلى انكماش المذاهب والأعراق
على نفسها بغية الحفاظ على وجودها
وتماسكها في ظل الحروب التي مورست ضدها
لإدماجها قسرا في أعراق ومذاهب مختلفة
عنها بدلا من التعاطي معها بمفهوم عصري من
خلال القبول بالتعددية والحوار البناء
الذي يساعد على التعايش المشترك .
لذلك فان محاولات تفخيخ العلاقة بين شعوب
المنطقة من قبل البعض لن يقود إلا إلى
دمار المنطقة وهو ما يشكل دلالة قاطعة على
فشل الأنظمة القائمة وهي بذلك تتحمل
المسؤولية كاملة على كل ماحصل أو سيحصل في
القريب العاجل .
|