* بقلم: إبراهيم خليل كرداغي
في صباح يوم مشرق بينما كنت جالسا في الحديقة المجاورة لمنزلي
تابعت مشهدا كثير الحدوث في مجتمعنا, ولكن قلما ننتبه إليه كفعل
ومغزى: كان هناك ثلاثة أطفال يلعبون ووالدتهم تشرف على حركتهم بين
الألعاب, وقد لاحظت أن أحدهم قليل الحيلة ويعاكس إخوته في لعبهم,
فبادرت الأم إلى دفعه ليركب المرجوحة الدوارة (الدويخة) وبعد فترة
وجيزة نزل الطفل من المرجوحة وتمدد على العشب ليغفو في نوم عميق.
فكرت مليا بهذا الطفل المسكين, وتساءلت: لماذا لم تبادر الأم إلى
تعليم أطفالها قواعد اللعب بشكل جماعي أوفردي و بوجود العديد من
الألعاب المختلفة؟ ثم تساءلت هل تعرف الأم ممارسة هذه الألعاب
وأصولها والفائدة من ممارستها؟... ثم شعرت بأن قهقهة مؤلمة تراودني
وتدفعني لأتساءل عجبا: انه نفس المشهد في الساحة الكردية, حيث أن
القيادة السياسية للحركة الكردية في سورية ومنذ الثمانينات من
القرن الماضي تسعى وبكل إمكاناتها إلى وضع أحزابها في متاهة مغلقة
ليس لها مخارج؟.
عملت القيادات الكردية في سورية على بناء المتاهات المغلقة بجهود
مشتركة سميت بأسماء متعددة ( الميثاق الثلاثي- التحالف – الجبهة)
وانتهت باسم جديد ( مجموع الأحزاب الكردية) تم اختراعه بعد أحداث
آذار الماضي. وللتوقف عند وجه الغرابة من بناء تلك المتاهات يجب
مراجعة ما يلي:
1- جميع محاولات بناء أسس العمل الجماعي في صفوف الحركة السياسية
الكردية في سورية لم تساعد على تكوين حالة نضالية جديدة بل جاءت
لتقدم خدمات حزبية ضيقة ثم تتحول الى مستنقع للصراع بين نفس
الأحزاب, لأن مشاريع العمل الجماعي ومع الأسف كان الهدف من أجل
توليفها من قبل القيادات الكردية بقناعة ذاتية أو لأسباب أخرى هو:
- الإبقاء على نفس العناصر القيادية في صدارة الحزب كونه مركز
اجتماعي لا أكثر.
- الحفاظ على هيكل الحزب من الانهيار الناجم عن الجمود الحركي
السياسي والتنظيمي.
- الهاء أعضاء الحزب خوفا من الضغوط الداخلية الحزبية المطالبة
بتصحيح المسار السياسي والتنظيمي
للحزب, وتحويل المشروع الجديد الى انجاز تاريخي وحركة تصحيحية قلما
يستمر تأثيره عدة أشهر.
2- عملت الأحزاب على الهاء جماهيرها بتحريكها في متاهة من الفراغ
المظلم, كون قياداتها غير قادرة على تقديم أساليب نضالية جديدة
كفيلة بتحريك الجماهير الشعبية في الشارع السياسي حسب حاجاتها
وطموحاتها المتمثلة بتأمين حريتها و بناء شخصيتها القومية و تأمين
حقها في لقمة عيش كريمة.
3- الاستجابة لضغوطات الأجهزة الأمنية السورية التي عملت على إرهاب
كل الساحة السياسية في سورية داخل و خارج الجبهة السياسية لحزب
البعث الحاكم, انطلاقا من مفهوم الحفاظ على نظام الحكم البعثي, عبر
سياسة إلغاء وجود كل من يعمل على تغيير النظام أو الدستور.
4- عدم تمكن القيادات السياسية الكردية من رسم منهج نضالي واضح
يمكنها من تحريك الساحة السياسية والجماهيرية باتجاه حقوقها
السياسية والثقافية, حيث لم تستطع أن تربط بين مفهومي النضال
الوطني السوري والنضال الوطني القومي الكردي, وكأن الحزب الكردي
إذا عمل وفق منهج النضال الوطني يجب عليه أن يتنازل عن نضاله
القومي أو بالعكس إذا عمل وفق منهج النضال القومي يجب عليه أن
يتنازل عن نضاله الوطني, وهذه الإشكالية أربكت الساحة السياسية
الكردية في سورية عموما أحزابا وجماهير, و وضعتها في حالة من
ضبابية المفاهيم, مما خلق تباعدا رهيبا بين مكوني الحركة السياسية
الكردية في سورية بين الجماهير وأعضاء أحزابها, وهذا ما فسر حالة
اللامبالاة بين عامة الشعب بصدد ضرورة العمل السياسي وأهميته.
5- عمل العديد من الأحزاب وفق توجيهات مباشرة أو مبطنة لأجهزة
النظام مما عرقل الكثير من إمكانات العمل المشترك الجاد بين
الأحزاب الكردية في سورية, إضافة إلى الأحزاب التي عملت وكأنها جزء
من الأحزاب الكردستانية المجاورة,وهذا بدوره لم يمكن تلك الأحزاب
من دفع جماهيرها نحو الدفاع عن حقوقها القومية والوطنية في سورية.
6- لم تقدم الأحزاب الكردية في سورية إلى بناء بنيتها التحتية من
مؤسسات أو منظمات جماهيرية مما أفقدها إمكانية بناء أحزاب جماهيرية
قادرة على استثمار طاقات الجماهير الكردية ودفعها نحو نيل حقوقها
القومية والوطنية في سورية, وبالتالي تقوقعت معظم الأحزاب الكردية
في سورية إلى تجمعات مغلقة سياسيا واجتماعيا لا تملك حولا و لا قوة
بصدد تغيير ذاتها أو محيطها.
7- اعتمدت كل الأحزاب في عملها اقتصاديا على طاقات جماهيرها
الفقيرة ولم تعمل على استثمار إمكانياتها المتواضعة تلك مما أفقدها
القدرة على تطوير ذاتها من حيث آليات العمل وبناء المؤسسات,
وبالتالي لم تتمكن من استقطاب الناشئة الكردية باتجاه الانخراط في
العمل السياسي.
إن ما تقدم من توضيح لأسباب الحالة السياسية الراهنة يؤكد ضرورة
البحث عن العديد من الحلول لمعالجة أزمات الحركة السياسية الكردية
في سورية, وكمواطن كردي سوري غيور على مصلحة وطنه وشعبه أقدم
المقترحات التالية آملا أن تلقى دراسة متأنية من كل مفكر وسياسي
كردي مخلص لقضية شعبه ووطنه:
أولا:
الاقرار بمبدأ: ضرورة السعي إلى تأطير جهود العديد من الأحزاب في
إطار واحد أو مجموعة من الأطر بهدف تحقيق المزيد من القدرات
النضالية, عبر إشراك المزيد من الشباب الكردي في عملية الدفاع عن
حقوقه القومية والوطنية, وهذا بدوره يؤكد ضرورة العمل من أجل بناء
أحزاب قوية قادرة على احتضان شريحة واسعة من الأعضاء في منظماتها
وبالتالي البدء ببناء مؤسسات حزبية تشمل مختلف جوانب الحياة
الثقافية والاجتماعية وتدعمها مؤسسات اقتصادية حزبية, وبالتالي
تتمكن الأحزاب الكبيرة من خوض الحراك السياسي بفاعلية كبيرة على
المستوى الشعبي في حالات التجمع والتظاهر والاحتفالات المناسباتية
والانتخابات العامة.
ثانيا:
في القرن الحادي والعشرين, عصر الإعلام المفتوح والتواصل السريع لا
يمكن الابتعاد كثيرا عن حدود الشفافية سلوكا و تعاملا في مختلف
المستويات الفردية أو الجماعية كأحزاب, وهذا يفترض العمل على أساس
ممارسة مفهوم الحرية الفكرية ودمقرطة منظمات ومؤسسات الحزب من أجل
التوصل إلى أعلى مستوى من الفاعلية والإنتاجية في مختلف مجالات
الحياة العملية, وهذا يتطلب تحديث جميع آليات العمل الحزبية من
اعلامية وتنظيمية وسياسية ومالية.
ثالثا:
بناء الحزب السياسي أصبح من ضرورات العصر كقوة فاعلة على المستوى
الاجتماعي كونه يملك القدرة على توجيه عمليات التطور في المجتمع
وفق برامج مدروسة مسبقا مما يساعد على خلق بيئة مرنة وملائمة قادرة
على استقطاب كل الجهود الفردية والجماعية من أجل بناء مجتمع قادر
على استيعاب مستجدات العصر وتجنب أية انهيارات للقيم الفردية
والاجتماعية, وهنا على الحزب أن يعمل على توفير الكوادر المتخصصة
في مختلف الدراسات الفكرية ثم تكليفهم بقيادة العمل المتخصص
والمبرمج.
رابعا:
ضرورة دراسة الواقع الجغرافي والسكاني للمناطق الكردية في سورية
كجزء كردستاني تاريخيا, الى جانب دراسة حالة مناطق التوزع السكاني
الكردي في مختلف المحافظات السورية, هذا الواقع السكاني والجغرافي
يفرض على الأحزاب السياسية الكردية برنامج عمل سياسي شفاف واضح
المعالم قادر على رسم برنامج استراتيجي للنضال القومي للشعب الكردي
في سورية يؤمن حقوقه القومية والوطنية في الوطن السوري كجزء جغرافي
واحد متكامل, وأي تغير جغرافي سياسي في الخارطة الوطنية أو خارطة
المنطقة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية والقومية
الكردستانية للشعب الكردي في سورية.
_______
* كاتب كردي سوري