|
كيف يمكن
تفسير الانسحاب التركي المفاجئ من إقليم
كردستان العراق؟
صبيحة 29
شباط 2008 أعلن الجيش التركي انسحابه من
المناطق التي توغل فيها بإقليم كردستان
العراق مستهدفاً تصفية حركة التحرر
الكردستانية (حزب العمال الكردستاني)
والمكاسب القومية التي حققها أكراد
العراق.
الانسحاب
كان مفاجئاً لدرجة أن رئيس الحكومة
التركية لم يكن يعلم بها إلا بعد أن تمت ,
وحتى الكريللا الكردية تفاجأت بهذا
الانسحاب رغم أنها كانت تتمنى أن يطول
بقاء القوات التركية لتوجيه مزيد من
الضربات إليها وتكبيدها الخسائر الفادحة.
أين يكمن سر الانسحاب ؟. بعض المحرّفين
يضخمون السبب الذي يعاكس الآمال الكردية
مذ عرفناها , وهي الولايات المتحدة
الأميركية , وبالتحديد وزير دفاعها روبرت
غيتس الذي كان في أنقرة قبل يوم من
الانسحاب التركي .
لن اتبع هنا
منهج وأسلوب كتابة المقال السياسي الصرف ,
لأني لن أكون مستتراً . وأطلب قبل كل
الشيء من الذين يقرؤون هذا المقال الهدوء
لأنهم سيتعثرون في كتابتي أن جلال
الطالباني هو السبب الأساسي للانسحاب
التركي من مناطق حزب العمال الكردستاني في
إقليم كردستان العراق , وهو أي الرئيس
جلال حال دون حدوث المواجهة التي كانت
ستكون تاريخية لقوات "الكريللا" مع الجيش
التركي في محيط معسكر "زاب" الشديد
التحصين.
بتاريخ 28
شباط ,نشرت صحيفة الحياة مقالاً هو الأول
من نوعه كون كاتب المقال هو المسؤول
الاعلامي في حزب العمال الكردستاني وهو
يوسف زياد. والوظيفة الاعلامية في حزب
العمال الكردستاني ترتقي للوظيفة
الاستخباراتية من حيث ضرورة الوصول إلى
المعلومات, ولمن لم يقرأ المقال , فإننا
نورد بعض ما جاء فيها ولكم قياس تأثيرها
على سمعة جلال الطالباني في حال لم يقم
بالطلب من حلفائه الأتراك إيقاف الهجوم
العسكري فوراً لأنه " أصبح في خطر"
لحساسية المعلومات التي تم نشرها. يقول
يوسف زياد في مقاله الزاخر بالمعلومات:
"حتى قبل أن تبدأ تركيا
هجومها الجويَّ على جبال قنديل في
16/11/2008، كان «الاتحاد الوطني» وزعيمه
طالباني، يهيّئان الأرضيَّة للاجتياح
البرِّي الحالي. وبحسب الأنباء الواردة
إلينا، في مطلع شتاء 2008، قام «الاتحاد
الوطني» بسدِّ كل الطرق الواقعة تحت
سيطرته، والمؤدِّية إلى مناطق وجود
المقاتلين الاكراد التابعين لـ «حزب
العمال»، بغية الحؤول دون وصول المعونات
اللوجستية إليهم. وتم تقننين المواد
الاستهلاكيَّة للقرويين الموجودين في تلك
المناطق. وأثناء الهجوم الجوِّي التركي،
أعيقت معالجة المقاتلين الجرحى. وتم ايواء
عناصر الاستخبارات التركيَّة في المخافر
والمفارز العسكريَّة التابعة لـ «الاتحاد
الوطني»، والقريبة من جبال قنديل، وألبسوا
ثياب «البيشمركه»، وعاونهم اعضاء
«الاتحاد» على جمع المعلومات
الاستخباريَّة عن مقاتلي «العمال
الكردستاني». وجرى الضغط على بعض القرويين
كي يجمعوا المعلومات الاستخباريَّة لهم عن
تحرُّكات المقاتلين الاكراد، وتم اغراؤهم
بالمال لصالح الاستخبارات التركيَّة."
جزء كبير من هذه المعلومات
أوردتها في مقال نشرته في صحيفة الحياة
بتاريخ 8 / 12 / 2007 بعنوان "الأكراد أمة
شقاق رغم أنف التضامن", ما اود قوله هنا
ان ما كان يفعله الطالباني لم يكن مستوراً
للدرجة التي كان يتوقعها هو وأنصاره . لكن
الجزء الذي قصم ظهر الطالباني من المقال
هي الفقرة التالية من مقال يوسف زياد
عندما كشف وبصراحة عن الخطط الطالبانية
لاقصاء مسعود البارزاني وإحلال نيجرفان
بدلاً عنه , ويقول زياد:
"من جهة أخرى، بدأ طالباني
حملة إقصاء وتقويض ضدَّ القيادات والعناصر
المناوئة لمسلكه في حكومة الإقليم عموماً،
وفي «الحزب الديموقراطي» الكردستاني، على
وجه الخصوص. والجناح المؤيد لطالباني، ضمن
هذا الحزب يشتد ويتعاظم، ويوشك أن يؤدي به
الى الانشقاق. ومسعود بارزاني على دراية
وعلم بذلك وهو منزعج جداً منه. وهناك منذ
فترة تناقضات حادة بينه وبين بارزاني، في
ما يتعلَّق بملف كركوك، واستقلال إقليم
كردستان، وسياسة التضامن القومي مع
الأكراد في البلدان الأخرى. ويبدو أن
الولايات المتحدة هي أيضاً بدأت تنفض يدها
من بارزاني، تناغماً مع مسعى طالباني،
وصولاً لاستبداله بنيجيرفان بارزاني في
قيادة «الحزب الديموقراطي الكردستاني».
ربما لأن واشنطن بدأت تلاحظ أن مسعود
بارزاني يشكِّل إرباكاً للسياسات
الأميركيَّة في العراق، ولم تنجح في
إقناعه بالسماح للأتراك كي يباشروا هجومهم
الجوي والبري على «حزب العمال»، خلافاً
لجلال طالباني، المنسجم تماماً مع
السياسات الأميركيَّة والتركيَّة. وعليه،
يتضح تنامي دور وشعبية نيجيرفان بارزاني
على حساب عمِّه مسعود بارزاني، بدعم من
طالباني، وإيعاز أميركي، وصولاً لتنحية
مسعود وتنصيب نيجيرفان، الذي تربطه علاقات
اقتصاديَّة وثيقة بأنقرة، وبخاصة بـ «حزب
العدالة والتنمية»، ولديه العديد من
الشركات والاستثمارات العملاقة في تركيا،
في مدن ميرسين وأنطاليا واسطنبول. كما
أنه، أي نيجيرفان، وضع اقتصاد الإقليم تحت
رحمة تركيا، بموافقته على عمل أكثر من 800
شركة تركيَّة في الاقليم، غالبيتها قريبة
من أوساط «العدالة والتنمية»."
لا أعتقد ان كردياً غير
يوسف زياد ملكته الجراة للافصاح عن هذه
المعلومات , لأن كل الأوساط الثقافية
والسياسية الكردية تعرف المؤامرة التي
يحيكها الطالباني ضد قيادة الاقليم ,
ووضعه في موقف حرج. وهناك جزء من
المعلومات لم يتم الكشف عنها , وبالتالي
سأدلي بما أعرفه , ولا اتمنى على أحد أن
يسأل من أين لك هذه المعلومات. قبيل
الضربة الجوية الأولى التي وجهها الجيش
التركي ضد حزب العمال الكردستاني في 16
أكتوبر 2007 وحتى بعد شهر منها , غاب
مسعود البارزاني عن الشاشات و لم يدلي بأي
تصريحات مناوئة للعملية العسكرية التركية
, وهو الذي اتصف بردوده النارية في هذه
الحالات وهدد تركيا بأنه سيتدخل في
دياربكر إذا تدخلت تركيا في الاقليم. قامت
دوائر "الدولة الخفية" في إقليم كردستان
بنشر إشاعة تقول بأن السيد رئيس الاقليم
تعرض لمحاولة اغتيال وانه يعالج في فيينا.
لم تنطلي الحيلة على الشعب الكردي الذي
اتهم مباشرة نيجرفان البارزاني "مهندس
الاشاعة" بأنه يقف وراء محاولة الاغتيال
في حال كانت صحيحة. كانت دوائر الدولة
الخفية الكردية تحاول تغييب البارزاني
أثناء العمليات التركية , ولم تكن هناك
محاولة لاغتيال مسعود البارزاني , بل تم
تغييبه.
كيف يتم تغييب رئيس إقليم
كردستان ؟ وهل بات لهذه الدرجة من الضعف ؟
حقيقة الأمر أن تصحيح
الأوضاع في إقليم كردستان والقضاء على
"الدولة الخفية التي يديرها جلال
الطالباني برعاية تركية أميركية" يتطلب
تحركاً شعبيا كردياً واسعا ضد المتآمرين
على مصالح الشعب الكردي وقياداته. السيد
مسعود البارزاني بحاجة إلى المساعدة ,
لكنه لا يستطيع ان يطلبها من أحد,
وبالتالي من يريد مساعدته عليه التحرك من
تلقاء نفسه , وفضح المافيات الاقتصادية
التي تدير الاقليم من خلف الستار , أقبح
عذر حتى الآن لعدم القيام بذلك هو قول
البعض أننا في مرحلة حرجة من تاريخنا
القومي ة الوقت هو وقت التكاتف بغض
النظر عن أي شيء من هذا القبيل , مثل هذه
القناعات التي يقف المتآمرون على السيد
البارزاني في نشرها تشكل الترياق التي
يستمر هؤلاء من خلالها سرقة خيرات الاقليم
وقراراته المصيرية , وسنخسر كركوك إذا لم
يتحرك الشعب الكردي.
إذا عدنا إلى مقالة يوسف
زياد , وإلى الجزء الأهم منه , يكشف زياد
عن معلومة في غاية السرّية :
"وسط
هذه المعطيات، كشف النقاب أخيراً، أن نائب
رئيس هيئة الأركان العامة التركيَّة،
الجنرال أرغين سايغون، وفي زيارته الأخيرة
لبغداد يوم 16/2/2008، قام بزيارة جلال
طالباني في مدينة السليمانية، واجتمع به
بشكل سرِّي، ولم يُكشف خبر الاجتماع وما
دار فيه للإعلام. ولكن عُلم أنه اتفق فيه
على النقاط التالية:
1- مساندة الاجتياح البري
التركي. وإن حقق أهدافه في تحرير مناطق
كاروخ وآسوس وشهيد هارون، ومناطق قنديل من
عناصر «حزب العمال»، سيتم تسليمها لـ
«الاتحاد الوطني».
2- تشكيل لجنة تنسيق
مشتركة بين «زانياري» (استخبارات «الاتحاد
الوطني») و «جياتم» (الاستخبارات
العسكريَّة التركيَّة)، لمواجهة «حزب
العمال»، تمهيداً للاجتياح التركي.
3- أثناء الاجتياح سيتم
تسليم الفارين من صفوف «حزب العمال» في
فترات سابقة، كـ «مجموعة عثمان أوجلان»،
للأتراك، وإظهارهم على أنهم هربوا توّاً
من صفوف «حزب العمال»، ونشر صورهم في
الإعلام التركي، في سياق حرب نفسيَّة ضد
الحزب. وبعد توظيفهم ضمن الحرب
الإعلاميَّة، يتم الإفراج عنهم بموجب
المادة 22 من قانون العفو التركي.
4- تم إقناع طالباني
بضرورة إنشاء منطقة عازلة، والسعي لاقناع
مسعود بارزاني بأهميَّة وجود شريط حدودي
عازل، يبدأ من وادي زاب، شلادزه، باسيان،
حاجي بيك، سهل حياة، وحتى مناطق خواكورك."
هذه الفقرة من المقال هي
التي أفقدت الطالباني صوابه , وحمله على
الطلب بالوقف الفوري للهجوم التركي من
حلفائه هناك , فالوضع أصبح خطيراً , لأن
هناك الكثير من المعلومات التي لم يتم
الكشف عنها بعد , والتي قد تودي "برجال
الدولة الخفية" في إقليم كردستان. ما يدعم
هذه الفرضية التي أوردها يوسف زياد والتي
أتفق فيه معه , يدعمه تصريح الطالباني
نفسه الذي أعقب انسحاب الجيش التركي , قال
الطالباني : "أن انسحاب الجيش التركي يؤكد
على مصداقيته وصدقيته والتزامه بما قاله
انه لا يستهدف سوى عناصر حزب العمال
الكردستاني."
في النهاية , لا بد من
مناشدة رئيس الاقليم مسعود البارزاني أن
يفضح هؤلاء المتآمرين , لأن الشعب الكردي
لا يعترف بشرعية غير شرعيته في الاقليم ,
والذين يتسلقون المناصب ويحيكون المؤامرات
يحتمون من الشعب الكردي بصمتك عنهم سيدي
الرئيس.
|