|
|
حسين جمو
أكثر من عام مضى على أحداث 12آذار في المدن و المناطق الكردية في سوريا
. قيل الكثير حولها و كتب الكثير كما أطلقت وعود كثيرة تدعي انها بصدد
إيجاد حل للقضية الكردية في سوريا .
ما نحن بصدده الآن هو ضرورة مراجعة الخطاب الذي نتوجه به في سبيل حل
القضية الكردية في سوريا .فمشكلة الأكراد مع السلطة ليست خاصة بهم ,
بمعنى أنها لا تكمن بالدرجة الأولى في عدم وجود آليات حقيقية لحل
القضية الكردية , بل في غياب آليات الممارسة الديمقراطية الذي هو
المطلب المشترك بين كل أبناء سوريا .فالتحول الديمقراطي هو المخرج
الوحيد للكرد و ليست المطالب القومية الصرفة التي تدفع ربما كل الآخرين
الذين نشترك معهم في هذا البلد و نتقاسم المعاناة معاً للوقوف ضد كل
آليات حل القضية الكردية , وهذا بالطبع ناتج من آراء و خطابات بعض
الكتاب و السياسيين الأكراد الذين يقيمون في الخارج و أصيبوا بضعف في
الإدراك و الوعي لابتعادهم عن " جغرافية الحدث " و بالتالي تضاءل
شعورهم بالخطر ,لذا نجدهم دائماً يشيرون إلى الحدود الجغرافية لمنطقة
الأكراد في سوريا كنطقة مؤهلة لتقوم عليها دولة !! دون أن يكون
بإمكانهم الاقتناع أن البقاء في إطار حدود مقسمةأصبح وضعاً إيجابياً
بالاستناد إلى أن القضية الكردية أصبحت من أهم موضوعات الديمقراطية في
الشرق الأوسط , بل تعتبر كبوابة لعبور هذه الدول (تركيا , إيران ,
العراق , سوريا ) إلى الديمقراطية السياسية . بالإضافة إلى ذلك فإننا
نجد أن هذه الخطابات الحادة هي الأكثر قراءة بين الأوساط الجماهيرية ,ذلك
لأن السلطة هي التي تروج لمثل هذه الطروحات و أثبتت نجاحها في ذلك ,حيث
نجد أن الاتجاه السائد شعبياً هو الوقوف في وجه التغييرالإصلاحي لمجرد
أن الأكراد ربما يكونون طرفاً فيها ,وبذلك يتم التضحية بأكثر المطالب
الديمقراطية قداسة .
هذا الموقف حول ضرورة أن تكون الديمقراطية أولاً ليس جديداً بطبيعة
الحال لكن ما نريد التأكيد عليه أن ذلك ليس موقفاً تكتيكياً و لا
استراتيجياً بل هو موقف مبدئي نتفق " به " مع كل شرائح المجتمع السوري
المتنوع لمواجهة دعايات السلطة بإطلاق الوعود و شعارات الوحدة الوطنية
كلما تفعّل الحركة الديمقراطية نشاطها السياسي. و هي لا يمكنها
الاستمرار بهذا الأسلوب إلى الأبد , والتغيير الذي تدعي أنها تقوم به
أو بصدد إجرائه يبعث على الملل لأن التغيير الإصلاحي يجب أن يتناسب مع
ما يجري في العالم هذا إذا لم ترغب أن تكون من الأنظمة الراكدة .
وكما أن الأنظمة التقليدية تستنفذ كل مبررات استمراريتها بمضمونها
التقليدي وكما هي جريئة في قمع الحريات , عليها أن تكون جريئة في
القيام بالتغييرات المطلوبة و التي يمكن لها ردم الهوة الواسعة ما بين
المواطن و السلطة إذا ما أرادت التخلص من ضغط الرأسمالية عليها من
الأعلى و ضغط شعوبها عليها من الأسفل .
لكن من جهة أخرى هناك رهانات تعتمد عليها السلطة في سبيل عرقلة التحول
الديمقراطي و أولها كما أشرت هو جعل الطرح الديمقراطي خاصة بمجموعة
عرقية معينة و هنا تكمن خطورةالطرح الجزئي للقضية الكردية . و الرهان
الآخر هو ترويجها عبر بعض مثقفيها أن الطابع العربي لسوريا سيصبح مهدداً
إذا ما تم دفع القضية نحو الحل . هنا ينبغي الوعي لمسألة هي في غاية
الأهمية , وهو عدم النظر إلى تحقيق المطالب الحقوقية بمقاييس الربح و
الخسارة .لكن ماذا يعني الطابع العربي لسوريا ؟ .
الإجابة بسيطة و يمكن أن تأتي من أي شخص يجيب على السؤال التالي : هل
قيام إبراهيم هنانو بثورته و اشتراك الأكراد السوريين في كل الحروب
التي خاضتها سوريا كان من أجل الحفاظ على الطابع العربي لسوريا ....؟!
ما يجب الخوف عليه هو أكبر من الطابع العربي أو الكردي أو ....إلخ ,بل
الخوف من أن يؤدي بقاء الوضع على ما هو عليه الآن و استمرار انتهاك
الحقوق بهذاالشكل المشوِّه إلى نزع الطابع السوري عن الجميع ,من هذا
المبدأ نقول إذا كانت السلطة يهمها الطابع السوري فعليها العمل على
تلافي حدوث ذلك .و إذا كانت السلطة تريد أن تصف نفسها أنها ديمقراطية
فلا أحد يعترض على ذلك إذا ما سلمت هي أيضاً أن عدم المطالبة بالحقوق
هو موقف غير ديمقراطي بل انتهاك للقانون أيضاً . كما أن لا أحد يفترض
أن لديه هوية ليتفاخر بها أمام محيطه , بل لأنه كذلك تاريخاً و ثقافة
ومصلحة اجتماعية .
بقي أن نقول أن الأكراد كجزء من الحركة الوطنية الديمقراطية في سوريا
عليهم التأكيد على الهوية كموقف حقوقي ديمقراطي لا كحالة تعصب أو تشنج
, فالحركة الديمقراطية أو " الحراك الديمقراطي " في موقع القوة الآن
إلى الدرجة التي يمكن أن نقول من خلالها : فات الوقت الذي كانت السلطة
تمنحكم الفرص ,الآن يمكنكم أن تمنحوها الفرصة .
|
|