|
المخرج السينمائي اللامع الدكتور
علي بدرخان :
" أعتز بكرديتي والحمد لله تحققت
أمنيتي ، كنت أخاف ان أموت قبل أن
أرى كردستان "
حاوره في كردستان : هوشنك درويش
أنه المخرج السينمائي المعروف
الدكتور علي بدرخان الكبير جداً
بقامته الابداعية والمعتز بكرديته
وابناء جلدته ، هو المعّرف
بأعماله السينمائية التي كانت لها
وقعها المتألق على الجمهور ، وعلى
الوسط السينمائي والنقدي ، لذلك
هو اكبر بكثير من أن يعرف ببضع
كلمات سيما بعد هذه التجربة
السينمائية الثّرة والعميقة .
صافحته في فندق شيراتون في هولير
وعلى محياه ابتسامته التي لا
تفارقه وتواضعه الجميل ويزداد
القاً بكلماته الترحيبية باللهجة
المصرية ( تفضل أفندم .. أهلاً
أفندم ؟..) ، وقبل أن نُجري
الحوار ، قلتُ له متعمداً : أنا
من كردستان سوريا وتحديداً من
مدينة القامشلي .. إبتسمَ وقال :
كردستان سوريا .. يا الله أتمنى
ان أزورَ قامشلي وعفرين والمدن
الكردية الأخرى.. إنشاء الله في
المستقبل القريب ، وليّ أصدقاء في
كردستان سوريا ، فقلتُ له سنكون
من السّعداء بتواجد الدكتور علي
بدرخان بيننا في كردستان سوريا ،
وسننتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر ..
أجريت معه الحوار ، وأنا أكّن له
كل الاحترام والتقدير لشخصه
وأعماله الفنية وبساطته ومواقفه
وأعتزازه بكرديته .
هوشنك درويش : لا شك تجربة
الدكتور علي بدرخان في السينما
المصرية طويلة وغزيرة ، ولكن مع
ذلك دعنا نتحدث عن هذه التجربة
بشكلٍ خاطف ، أو لنقل لنعرف
التجربة البدرخانية رغم غزارتها
بومضات ؟
د. علي بدرخان : طبعاً كما قلت هي
تجربة طويلة وعميقة لانها بدأت مع
أحمد بدرخان والدي ، وكان من
الأوائل في دراسة السينما وإنشاء
السينما في مصر ، وكذلك أول من
قام بتأليف كتاب باللغة العربية
عن السينما في الشّرق ، ولكوني
مولود في بيت فني ، وترعرعت فيه ،
من الطبيعي أن أتعلق وأعشق فنون
التصوير بالذات والسينما ، ووالدي
كان سعيداً لأنني مهتمٌ بالتصوير
والمونتاج ، فالبداية أو لأقول
إنطلاقتي الأولى كانت مع الكاميرا
أصّور صوراً فوتوغرافية ، وشجعني
والدي على ذلك وجلب لي كاميرا
أكبر من السابقة ، وبدأت أعمل في
التحميض الصوري وبعدها تطورت الى
أفلام قصيرة ، الى أن انهيت
الثانوية العامة وهذا يعني انه
يجب ان أدرس الدراسة العليا ،
فقال لي والدي : ماذا ستدرس ؟
قلتُ له سادرس في الكلية البحرية
. فقال لي لا بأس ..
مع انني كنت اعرف ان والدي يتمنى
أن ادرس في المعهد السينمائي ،
فقدمت اوراقي والثبوتيات الى
المعهد السينمائي والكلية البحرية
معاً .
هوشنك درويش : لماذا اختيارك
للكلية البحرية تحديداً ؟
د. علي بدرخان : لأنني أعشق البحر
، وأُجيد السباحة ومن هواياتي
المفضلة صيد الأسماك ، لي علاقة
جميلة مع البحر ، لذلك تمنيت أن
يكون لي عملاً له علاقة مع البحر
، بالاضافة الى ذلك ، بعض أصدقاء
الأسرة كانوا يعملون قبطانات على
المراكب ، فكنت معجباً بهم وبزيهم
القبطاني ، فتمنيت أن أكون مثلهم
وفي ذات الوقت كنت أتمنى ان اكون
مثل والدي ، ففي منزلنا كنت ترى
كتّاب السيناريو والمخرجين
والممثلين ، وهنا اود ان أذكر بان
جدي كان قد أخذ قطعة أرض ( منزلنا
الحالي ) من الاستوديو ، يعني
اشتراها وكانت تلك الأرض في منطقة
زراعية خالية من المباني السكنية
والبشر ، ولكن الآن فيها الازدحام
والعمارات الكبيرة ، وفي ذاك
الوقت لم يكن حول منزلنا شئ سوى
الاستديو ، وكلما كنت أعشق أن
ألعب أذهب الى الاستديو وألعب مع
العمال في الحديقة وأراقب كذلك
كيفية تصوير الأفلام وكنت اعتبر
هذا جزءا من الحياة ، على كل حال
لنعد الى موضوع دراستي ، كان على
والدي التوقيع على ورقة ، يعني
موافقة ولي الأمر ولكنه لم يرضَ
لأنني أخترت الكلية البحرية أيضاً
الى جانب المعهد السينمائي ، فقلت
له : لماذا لا توقع ربما لا يتم
قبولي في المعهد السينمائي ومع
أنه – أي والدي – كانت له علاقات
جيدة ومتينة مع النخبة السينمائية
من كتاب ومخرجين ولكنه كان بطبعه
ذو مبادئ شديدة ويكره الواسطة
والتكلم مع أحد في هذا الشأن
وخاصة مع الاصدقاء والاقارب فهو
كان يرى بان الشئ يجب أن يأخذ حقه
، وأخيراً بعد ذلك تم قبولي في
المعهد السينمائي وفي الحقيقة كنت
أشعر في المعهد بأنني أدرس شيئاً
لي فكرة مسبقة عنه وأحبه أيضاً ،
فبدأت الدراسة وأعمل أيضاً كمساعد
مع والدي الى أن تخرجت من المعهد
وحصلت على منحة تدريبية في
أيطاليا لأني كنت ضمن الطلبة
المجتهدين ، فسافرت الى روما
وبقيت هناك لسنة تدريبية في
استديوهات مدينة السينما التي
كانت معهداً سينمائياً واستديوهات
لتصوير الافلام وعرضها ، فاستفدت
من تواجدي في هذه المدينة
السينمائية الضخمة ، حيث كنت
أشاهد الافلام التي نقرأ عنها في
الكتب وأحللها أيضاً وبعد فترة
التدريب رجعت الى مصر ، ومارست
عملي في السينما لأنني قبل ان
أسافر كنت أعمل مساعد ولكن بدون
أجرة مع كلٍ من المرحوم شادي
عبدالسلام وأحمد ضياء الدين
ووالدي طبعاً الى أن عملت مع يوسف
شاهين ، وكنت أحُضّر معه قبل أن
أسافر الى ايطاليا فيلم( الأرض )
ولكن بسبب المنحة التدريبية وسفري
الى روما اضطررت الى التوقف عن
العمل مع يوسف شاهين وكنا في
بداية التصوير ، وبعد رجوعي من
روما ذهبت الى يوسف شاهين في
التصوير فقال لي الحمد لله على
السلامة ، فقلت له أود ان أحضر
التصوير .. قال أحضر .. ثم قال لي
يوسف شاهين : هل ستقف هكذا إعمل
أي شئ .. أي شئ .. أنظر حولك
وإعمل الشئ الذي يجب أن تعمله ..
فبدأت فعلاً أعمل في أشياء مختلفة
، أساعد في تركيب الاضاءة ، في
الاكسسوار وأضع قاعدة الكاميرا
وهكذا ..
حينها عرفت بأن يوسف شاهين يعرف
تفاصيل المهنة المتعددة ، فتعلمت
منه خاصة أنا تلميذه في المعهد
وأتعلم على يديه في التدريب ،
ولذلك ركزت على تعلم المهنة
المختلفة مثل يوسف شاهين .. فكل
مهنة أختار الشخص الذي يقال عنه
نمرة واحدة فيها ، وأنظر اليه
،ماذا يفعل ، لأنني يجب أن أتعلم
هذه المهنة كلها بتفاصيلها
الكبيرة والصغيرة ، إذا كنتُ أود
أن أكون مخرجاً جيداً ، يعني
بأختصار يجب تعلم كل شئ ، لأنني
عنما أطلب شئ يجب أن أطلب ما هو
منطقي وصحيح ، وهو بحاجة الى عمل
، فمثلاً كي لا يأتي مدير التصوير
ويقول : هذا العمل صعب ما بينفع ،
او مدير الاستديو يقول : هنا لا
أستطيع التصوير ، فقبل أن أطلب
يجب أن أعرف أنا ، لأن الوقت من
ذهب في العمل ، والقرارات يجب أن
تكون حاسمة وسريعة ، وبالتالي
وأنت في التصوير كل مَن حولك
سيحترون عقليتك وإدراكك للمهنة ،
كي لا يأتي أحد من عناصر التصوير
ويتبجح بأن هذا الشئ لا يصلح
ليذهب الى البيت ، فعندما أكون
ملماً بالمهنة أقول له : بل يصلح
، إعمل كذا وكذا .........
فالمخرج يوسف شاهين تعلمت منه
الكثير ، علمني الدّقة ، كان
دقيقاً في عمله بتوجيه الممثل ،
علّمني أن السينما لغة لها
قواعدها ، وإذا كنت سأخاطب الناس
والجمهور بهذه اللغة ، يجب أن
أكون متمكناً من مفردات اللغة ،
مثل الكاتب عليه أن يعلم قواعد
اللغة التي يكتب بها ، والمخرج
كذلك ، يجب أن يعرف القواعد ويجيد
استخدامها ، ليس مجرد أن يصور ما
يحدث أمامه بشكل جميل وأنتهى ، لا
بل يكون معبراً ويوصل الاحساس ،
وعليه أن يكون عارفاً بالعناصر
التي تساعده في التصوير ، الإضاءة
باذا تساعده ، والديكور والعدسات
كذلك ، يعرف مستوى الكاميرا ،
حركتها ، وفي الواقع ثمة عيب في
الجيل الجديد ، يعمل المخرج للآلة
، لا الآلة تعمل معه ، إذا لماذا
أُخترعت الآلة ، والمخرج الكبير
هو الذي يستخدم الآلة بطريقة
صحيحة ، هذا ما تعلمته من يوسف
شاهين أكثر من والدي أن حياتك
مكرسة للعمل ، يجب أن تقوم
بالنظام ، أن تسمع الموسيقا ،
يعني النظام العام للمهنة ، فأنا
عندما أترك الاستديو ، أبقى
مخرجاً في حياتي العملية ، أحدق
في تفاصيل الأشياء من حولي ،
أراقب الناس وانفعالاتهم ، كل ذلك
مخزون للفنان ، يستطيع أن يستخدمه
عندما يقتضي الأمر ، فيجب أن يكون
عنده بمثابة ذاكرة بصرية ، أو كما
يقول المرحوم صلاح أبو سيف في
المعهد ( المفكرة الإبداعية ) معك
مفكرة تكتب عليها كل شئ يلفت نظرك
، كالطرفة ، أو نظرة أو كلمة
سمعتها ، أو بائع متجول ينادي على
الناس بطريقة مميزة ، كل هذا
يساعد المخرج في أن يضفي على عمله
تفاصيل حياتية جميلة .
عملت كذلك مع الاستاذ رأفت
المهيني في أول فيلم لي ( جسم
الحب الذي كان ) الفيلم من إخراجي
وسيناريو الأستاذ رأفت وبطولة
المرحومة سعاد حسني ، وبالمناسبة
تعلمت الكثير من المرحومة سعاد
حسني وكانت من الشخصيات التي
تأثرت بها ، فتعلمت من سعاد ، كيف
أتعامل مع الممثل والفصل بينهم في
الحياة ، نحن زوج وزوجة ، وممثل
ومخرج في العمل ، هي أيضاً كانت
دقيقة جداً ، ولكن دقيقة الى درجة
الوسوسة ، يعني تبقى مترددة
وخائفة جداً جداً الى أن توافق
على أن تلعب هذا الدور أو ذاك في
الفيلم ، وأنا أيضاً دقيق ولكن
ليس الى درجة الوسوسة ، ولذلك
عملت طيلة حياتي الى الآن ( عشرة
أفلام ) ، وسبعة أفلام قصيرة (
تسجيلية ) وطبعاً أعمل في مهن
أخرى ، فأنا أدرس السينما ، وكذلك
في كلية الاعلام أعمل في التدريس
، وعشقت التدريس ، لأن أساتذتي
كانوا جيدين وعلموني الكثير . ومن
الشخصيات التيى عملت معهم المرحوم
الأستاذ سعيد الشيخ كان يدّرس في
المعهد ، وهو مونتير ( توليفة
الفيلم ) ، ويمتاز بدقة العمل ،
وكذلك تأثرت بالأستاذ المرحوم
صلاح شاهين الشاعر ، الرسام ،
وممثل أيضاً ، كان رجل كتعدد
المواهب ، دائماً كان يقول :
الانسان لا يعرف كل شئ ، لذلك يجب
أن يسأل ويذهب الى أصحاب الخبرة ،
ولا يترك شئ للصدفة والتخمين .
بكلمات مختصرة تعلمت من كل الناس
حتى العمال ، عمال الكهرباء ، لأن
هؤلاء أصحاب خبرة في مهنهم .
هوشنك درويش : عذراً للمقاطعة رغم
كلامك الجميل والسلس ، كما قلتُ
تجربة د. علي بدرخان غزيرة ، دعني
أسألك : كيف يرى الدكتور علي
بدرخان كردستان والشعب الكردي ،
وما هو مشاعره الآن ، يعيش بين
الكرد ، ويتمشى في شوارع كردستان
؟ .
د. علي بدرخان : طبعاً أنا من أصل
كردي ، وأعتز بكرديتي ، فأول
زيارة لي الى كردستان كانت قبل
سنة تقريباً ، وبالمناسبة عمري
الآن ستين سنة ، وغداً سيكون عندي
ستين سنة يعني ( 25 ابريل ) ،
طوال هذا الوقت كان عندي أمل أن
أرى كردستان ، وكنت أخاف أن أموت
قبل أن أرى كردستان والحمدلله
تحققت أمنيتي ، رأيت كردستان
وأبناء جلدتي ، وأنا سعيد جداً
الى درجة لا يتصورها أحد .
هوشنك درويش : هل الدكتور علي
بدرخان إرتدى الزي الكردي ؟
د. علي بدرخان : طبعاً وكان لي
إصرار على أن أرتدي الزي الكردي ،
وأنا فخور بهذا الزي .
هوشنك درويش : كيف تنظر الى هذه
المهرجانات والمؤتمرات الثقافية
التي تقام في كردستان ؟
د. علي بدرخان : هذه المهرجانات
والمؤتمرات واللقاءات بين البشر
والاحتكاك مفيدة لكل الأطراف ،
فكل مَن يزور كردستان ، يتعرف على
قضية ، لم يكن في السابق يعرف
عنها إلا القليل وربما لاشئ أيضاً
، ولكن الآن بعد هذه المهرجانات
والمؤتمرات ، فالزائر يرى بأم
عينيه شعب بسيط فقط يريد أن يعيش
بسلام ، شعب يعشق بلده والبناء ،
وأنا معجب جداً في الواقع بهذه
المشاريع العمرانية في كردستان ،
الناس هنا يحبون الحياة رغم
الظروف .
هوشنك درويش : أرحب بكَ مجدداً د
. علي بدرخان في كردستان ،
ودائماً سنراك جميلاً بعد هذا
العمر ، والشعب الكردي في كردستان
فرحٌ بوجودك معه ..
د. علي بدرخان : وأنا فرحٌ جداً
لأنني بين أهلي في كردستان .
|