|
"خـوف بـلا أسـنان"
رواية تؤرِّخٌ لحرائق الرُّعب التي تمضغ
الوطن والغربة.
هوشنك أوسي
بعتبةٍ حملت عنوان " العين الثَّالثة"
يبدأ القاص والرِّوائي الكردي حليم يوسف،
تشييده للمحطَّة الثَّانية في مشواره
الرِّوائي التي عنونها بـ" خوف بلا أسنان"
والصَّادرة مؤخَّراً عن دار أفيستا في
اسطنبول. وتحت هذه "العين الثَّالثة"،
هكذا تفاتحنا الرِّواية.. ( مكتوبٌ على
شاهدة قبر كاتب ميّت: " جياد سنيني
الآفلة، قد أوسعت جسدي عضَّاً. وسنوني
الباقية، تمضي مترعة بالآلام التي خلقها
ذلك العضُّ في روحي"). وتتوالى فصول الخوف
الذي يمضغ المكان والزَّمان بفكَّين
كبيرين خاليين من الأسنان، محدثة عذابات
وآلاماً جسدية ونفسية هائلة، تشكِّل هئية
الموت البطيء الذي يخيم على جغرافية
طبيعية وبشرية معينة، دوناً عن غيرها،
هارساً أجساد قاطنيها، كما تحزِّز
السِّكين المثلومة في الجسد الذَّبيح
جيئةً وذهاباً. وتدور أحداث الرِّواية في
الفترة الممتدَّة بين مطلع السَّبعينات من
القرن المنصرم، ولتصل بنا إلى راهننا. وما
حملته هذه الحقبة من أحداث دراماتيكية
ألقت بكلكل ثقلها على عموم المنطقة،
وخصوصاً الكردية منها، وتحديداً، أكراد
سورية.
بناء الحدث والبطل
وقد اختار الرَّاوي لبطله أن يكون مدرِّس
مادة التَّاريخ، حتى يفسح له المجال
لتأريخ معاناته، سارداً مناخات طفولته
وشبابه القاسية، وما كان يعتملها من رهاب
وخوف كبيس فظيع، يودُّ خنقه وابتلاعه. وقد
أطلق الرَّاوي اسم "موسى القامشلوكي_نسبة
لمدينة القامشلي" على بطله، تأكيداً على
التصاق البطل بالأرض التي أنبتته، من جهة،
ومن جهة أخرى، الإشارة إلى التَّلازم
المصيري الرَّابط بين الكردي والمكان،
مهما جارت عليه الأيام. ورويداً، تتفاقم
معاناة "موسى" الفردية والجماعية، وتزداد
احتقاناً وتأزُّماً إلى أن تنفجر وتأخذ
شكل انتفاضة شعبية على أباطرة الخوف
وتجَّار الظلام الذين عاثوا في بلاده
رُعباً وإرهاباً. وقد استطاع الكاتب توظيف
انتفاضة أكراد سوريا في 12/3/2004 في
مدينة القامشلي، والتي عمَّت المنطقة
الكردية، شمال سوريا، حتى طال شررها
العاصمة دمشق، ضمن هذا العمل الرِّوائي،
مؤرِّخاً لهذا الحدث التَّاريخي روائياً.
إلى جانب اشتغاله على معالجة تبعات هذه
الانتفاضة التي سمَّاها بـ"انتفاضة أبناء
الخوف"، في صياغة الحبكة الدرامية، على
اعتبار أن هذا الحدث كان بمثالة الزلزال
غير المتوقَّع الذي أرَّخ لمرحلة جديدة
لأكراد سوريا. ونتيجة الهستيريا الأمنية
التي تلت الانتفاضة، اضطرَّ الكثير_ ومنهم
موسى_ للفرار خارج البلد، لينأى بنفسه عن
الاعتقال الذي قد يجعله رقماً يضاف لقائمة
شهداء الانتفاضة الذين قضوا نحبهم تحت
التَّعذيب. فيصل إلى ألمانيا، إلا أن موسى
يحاول الاتجاه نحو بريطانيا مقتفياً أثر
"مارك سايكس" الذي ناصف "جورج بيكو" تقسيم
المنطقة، وتوزيع وطن الأكراد_كردستان، بين
أربعة دول. ما جعل مصيرهم فريسة للإبادة
الجماعية والظلم والاضطهاد والإرهاب
والخوف...الخ. لكن، تذهب مساعي موسى
القامشلوكي أدراج الرِّيح. حيث يلقى القبض
عليه، ويُعاد إلى ألمانيا، المكان الذي
قدَّم إليه لجوءه الأول. وقد يكون لرحلة
تتبُّع موسى وملاحقته لـ"مارك سايكس"،
إسقاطاتها على الرَّاهن الكردي المجزَّأ
بين دول أربع، والخاضع لأربعة أشكال من
القمع والاضطهاد الممنهج. وأن أوروبا
تتحمَّل مسؤولية هذا الرَّاهن المأساوي.
فأستاذ التَّاريخ موسى، يحاول تعقُّب
شخصية تاريخية كان لها دورها في مجريات
الماضي الكردي القريب المأساوي، وحاضره
الأكثر معاناة في سوريا وتركيا وإيران.
وربما يكون البطل الأكثر حضوراً في
الرِّواية، هو الإحساس بالخوف والرَّهبة
التي لا تبرح موسى، كعيّنة من هذه
الجغرافية المعذَّبة، وشعوره بأنه ملاحق
ومطارد في كل مكان وزمان، من قبل رجل
ملثَّم، بعينين صفراوين قبيحتين، لا يميط
اللثام عن وجهه إلا في نهاية الرِّواية.
فالرُّعب الذي يكتنف أجواء الرَّواية،
والملاحقة التي تعرَّض لها موسى وأترابه،
زادت من إحكام الحبكة الدرامية في صياغة
تتالي مجريات الأحداث وتتابعها، ضمن قالب
من التَّشويق الذي يشدُّ القارئ. وقد نجح
حليم يوسف في نقل الأجواء البوليسية التي
يعايشها الأكراد، ضمن نسيج روائي غاية في
المهارة والإتقان.
هندسة أو هيكلة العمارة الرِّوائية
وزَّع الكاتب روايته على أبواب عديدة،
بعناوين غريبة، منها "العين الثالثة"،
وأربعة أجزاء لـ"تاريخ الخوف"، وربما يكون
في ذلك، إشارة إلى الأجزاء الأربع
لكردستان. كما وضع عناوين فرعية طويلة،
مرفقة بكل الأبواب، عدى الأخير. فالعناوين
التي أتت بعد الباب الأول: " 1 _ قلب من
بلاد الخوف. 2 _ لأمتْ، أنا طفل الخوف، كي
يرضى أبي، وليَعِش الزَّعيم.". والعناوين
التي جاءت ضمن الباب الثاني: " 1 _ الجزء
الأول من مخطوط يحمل العنوان ذاته، سيُنشر
تباعاً، وفق مشيئة الرَّاوي. 2 _ احتراق
القلب، هو فلسفة، لوحدهم العشَّاق يمكنهم
قراءتها.". والعناوين التي اتت بعد الباب
الثالث : " 1 _ الجزء الثاني من مخطوط
مجهول الصَّاحب. 2 _ عندما تقع القلوب في
هوى بعضها، تلتهم الدروب بعضها.".
والعناوين التي أتت بعد الباب الرَّابع: "
1 _ الجزء الثالث من مخطوط مكتوب عن وطن،
ثلاثة أشياء فيه آبدة لا تتغيَّر.. الله،
المخابرات، الزَّعيم. 3 _ جيوش الجراد
زاحفة، ورماد القلب تذريه الرِّياح. 3 _
انتفاضة أطفال الخوف، تهزُّ القلب من
الأعماق. 4 _ ليلة البارحة، رأت عامودا
دماً في حلمها، ومعها، رأى القلب جراحاً
في حلمه. 5 _ قلبي المنهارة جدرانه، ينفض
نفسه. ". والعناوين التي وردت ضمن الباب
الخامس: " 1 _ حين يصبح الخوف أباً، يغدو
التَّبغ أمَّاً. وحين يصبح الخوف ناراً،
يحيل العشق رماداً. 2 _ القلب بيت مكسور
الباب، وسيدته الرِّيح.". والعناوين التي
تلت الباب السَّادس: " 1 _ الجزء الأخير
من مخطوط غير منجز، كُتِبَ عن حياةٍ لم
تكتمل. 2 _ أوروبا تشيخ. 3 _ ليس بالأيدي
يُمسك السَّراب. 4 _ القلب المحلِّق دون
أجنحة، قد ضلَّ عُشَّه. 5 _ القلب يشبه
ذبابة عمياء، ونحن نشبه أعداءنا.". وكما
يفتتح الكاتب روايته بالعين الثَّالثة،
كذلك ينهيها بهذه العين، مع وضعها في
منتصف الرَّواية أيضاً. كما أن الكاتب
يبدأ وينهي روايته بكلمة الخوف. وتالياً،
فقد هيكلَ الكاتب عمله الرِّوائي على
أربعة تواريخ للخوف، موزَّعة على عين
ثالثة، تتكرر ثلاث مرَّات، في مطلع ومنتصف
ونهاية الرِّواية. وقد تكون هذه العين هي
عين الخوف الرَّاصدة والملاحقة لطرائدها،
وقد تكون عين البطل الخائف الباطنية التي
تقتل الطمأنينة في أعماقه. أمَّا تكرار
وجود كلمة "قلب" في العناوين الفرعية،
فللتأكيد على حجم القلق والخوف الفظيع
الذي يعشِّش في نبض مأساة الزَّمان
والمكان وقلوب سكَّانه البؤساء. وبخصوص
المخطوط، فمدوِّنه هو "قادو"، الفنان
التشكيلي والصَّديق القديم لموسى، وشريكه
في الرُّعب والخراب المادي والمعنوي
المجتاح لكل بقعة من بلادهم المنهكة، بفعل
هراوة الأمن وجزمة العسكر. وقد ترك قادو
المخطوط لدى امراة ألمانية، أقام معها
علاقة، أنتجت طفلاً أعمى. ووزَّع الكاتب
دور الرَّاوي على ثلاث، بمعنى، لقد تعدد
الرُّواة في هذه الرِّواية، هم: "العين
الثَّالثة"، وموسى/السَّارد، و"قادو"، عن
طريق مخطوطه المنسي لدى إمراته الألمانية
المهجورة. وقد نقل موسى بالوقائع
والمعايشة تجربته الصَّعبة مع الخوف،
ابتداء من طفولة شقيَّه، مروراً بالفرع
235/ فرع فلسطين، وانتهاء بدول لا ترحِّب
بالمنفيين الهاربين من أهوال خوف غير
مرئي، وبلا أسنان يمضغ مستقبل أوطانهم،
وقادو يفلسف هذا الخوف_ الذي عايشه أكثر
من جيل_ بالكتابة. ولا يُزاح السِّتار عن
صاحب المخطوط إلا في الصَّفحات الأخيرة من
تاريخ الخوف.
الإكساء اللغوي.
لقد وظَّف الكتاب لغة الشِّعر في صياغة
عمله الرِّوائي، لِمَ لهذه اللغة من جنوح
نحو الخيال، ما أضفى جوَّاً من الغموض
والفانتازيا اللذيذة السَّلسة على
السَّرد. وهذا بدوره أكسب اللغة مهارة في
تطويع الخيال لصالح الفكرة المراد
معالجتها. وقد حاول الكاتب أن ينأى بلغته
الرِّوائية عن السُّقوط في مطب الشَّطط
اللغوي المضلِّل، الموغل في الإيحاء، إلى
درجة التِّيه. وقد تقاطع هذا العمل مع
العمل الرِّوائي الأول للكاتب حليم يوسف
"سبوارتو" في الكثير من النِّقاط، لعل
أبرزها: اللغة، الهيكلة أو البناء،
المناخات التي تنتمي لـ"الواقعية
السِّحرية"، العناوين الطويلة
للفصول...إلا أن هذا لا يعني البتَّة، إن
هذا العمل الرِّوائي هو صدى لسابقه، وإن
الكاتب لا يستطيع الفكاك من تجربته
الرِّوائية الأولى التي أحدثت ارتجاجاً في
الوسط الثَّقافي الكردي خصوصاً والسُّوري
عموماً، أعني "سوبارتو". وكانت مثار أخذ
وردّ، ودراسات وسجالات نقدية. ومما لا
شكَّ فيه، إن أهمية هذا العمل لا تنحصر في
كونه مكتوب باللغة الكردية /الحروف
اللاتينية/ وحسب، بل لأنه سيفتح دوائر
كثير للنقد، خاصة إن تمَّ ترجمته للغة
العربية، وهو يستحق ذلك.
"خوف بلا أسنان" رواية صادرة باللغة
الكردية عن دار افيستا في اسطنبول، وتقع
في 182 صفحة من القطع المتوسِّط. والجدير
ذكره أن الكاتب حليم يوسف هو من مواليد
عامودا، شمال شرقي سوريا، سنة 1967. يحمل
إجازة في الحقوق/جامعة حلب. يكتب بالغتين
الكردية والعربية، ومنذ سنة 2000 يقيم في
ألمانيا. مؤخَّراً، عمل إعلامياً في
الفضائيات الكردية في أوروبا، وله برنامج
حواري ثقافي بعنوان " الخطوة الثالثة"
يبثُّ حالياً على الفضائية الكردية "روج
تي في". وترجمت أعماله للتركية
والألمانية.
صدر له:
الرجل الحامل_ قصص_ 1991 / دمشق.
نساء الطوابق العليا_ قصص_ 1995 / بيروت.
موتى لا ينامون_ قصص، بالكردية_ 1996 /
اسطنبول.
سوبارتو_ رواية_ 1999/ بيروت.
مم بلا زين_ قصص، بالكردية_ 2003/
اسطنبول.
خوف بلا أسنان_ رواية، بالكردي _ 2006 /
اسطنبول.
|