|
لماذا أكتب...؟
هوشنك أوسي
بينما كنت أتبادل أطراف الحديث مع الصديق
والأستاذ صبحي درويش_ آناء فترة السحور_
في الأيام الرمضانية، حول شجون الكتابة،
في دردشة على "الماسنجر/تشات"، فاجأني
صديقي بطرح هذا السؤال: هوشنك.. لماذا
نكتب..؟ هل نكتب من أجل المال..؟ هل نكتب
من أجل الشهرة..؟ هل نكتب من أجل التنوير
..؟. والحق أنني لم أكن أتوقَّع أن يطرح
عليَّ هكذا سؤال، رغم أنني مازلت أخطو
خطواتي الأولى في حقول الكتابة. فطرحت
عليه آرائي في الكتابة، وبدوره، طلب منِّي
الاحتفاظ بهذه الدردشة، وجمعها في مقال
حول ذلك. فما كان أمامي إلا فعل ذلك،
تلبية لطلبه، مع التنقيح وبعض الإضافة:
أعتقد أن معيار الكتابة، يتلخَّص في ما
يلي: "إن أردت أن تكتب، فليكن خير ما
يُقرأ... وإن أردت أن تقرأ فليكن خير ما
يُكتب".
أكتب... لماذا أكتب...؟. سؤال بسيط ومهم
وعميق ومحرج في آن. بسيط في طرحه، وعميق
في دلالاته. أكتب من أجل أن أتواصل مع
الآخر، لأجل تلاقح الأفكار. أرسل له فكرة،
قد تلقى صداها لديه. أكتب لأنني أريد أن
أعيد إنتاج وعيي كلاماً يفيد الآخر. أكتب،
لأثبت وجودي كفكرة وليس كشخص، كي أكون
قيمة جمالية ومعرفية في حياة الآخر. أكتب
لأنني عاجز عن التواصل، بشكل مباشر، مع
جميع البشر، والكلمة هي سفير خيالي وفكرتي
للناس. أكتب لأنني أريد أن أعيش، لأن
الكتابة، قد تصبح في يوم ما، بالنسبة لي،
صنعة أعيش منها. وكما قال النبي الكريم
"ص": من عمل منكم عملاً فليتقنه"، وأنا
أحاول، وسأبقى أحاول أن أصل للإتقان.
الكتابة وسيلة للتواصل، وغاية للمعرفة.
أكتب لأنني أحب الكلام، وألجأ للكتابة،
حين أكون بحاجة للصمت. أكتب لأنني في
الكتابة فقط، أستطيع التكلُّم والتخيُّل
بصوت عالي، ربما لأننا اعتدنا على الصمت
أو أدمنَّاه، درءاً بأنفسنا عن المساءلة
من طغمة سياسية أو اجتماعية أو "ثقافية"،
تسعى لإسكات الأصوات "النشاذ" الخارجة عن
نسق أو طوق الجوقة. أو درءاً بأنفسنا عن
المساجلة في كشف حقيقة الحرية: هل تُصنع
أم تُؤخذ أم تُوهب...؟ هل هي فطرة أم
غريزة أم اكتساب...؟ هل هي معرفة أم
ممارسة...؟. فالكتابة تعطيني حافز للحرية،
أحاول أن أمارس قسطاً من حريتي في
الكتابة، لأنها تشعرني بحقيقتين : الأولى،
كم أنا بحاجة للآخر، على اعتباره محكّ
وتتمَّة للذات. والثانية، كلما وسَّعتُ من
نطاق حريتي، اكتشفت بأنني كم كنت عبداً.
الكتابة وعاء الفكر والخيال والأحاسيس.
أحب الكتابة، لأنني أحبُّ القراءة، فهي
نعمة، يجب أن أنعم بها، ما استطعت إليها
جهداً وطاقةً وسبيلا، فأنا على وشك أن
أفقد هذه النعمة، بفعل انكفاء البصر
رويداً عنِّي. أكتب، لأنني أحبُّ أن أعبَّ
من النور، ملئ إرادتي، وقتها، لن أخشى
حلول العتمة بعينيَّ. أكتب لأنني أودُّ أن
أترك أثراً يثبت أنني عشت، وكان لي اسم،
ولي بصمة في زمن لا يرحم العابرين دون
أثرٍ وبصمات. أكتب، لإحساس يسكنني بأنه
هنالك في هذا العالم، ثمة من يحتاجني،
ينبغي أن أصل إليه، في يوم ما، حتى لو كان
متأخراً، المهم أن أصل. أكتب، لأن الكتابة
متنفسٌ للتعبير عن الذات، وسعيٌ لتجاوزها.
لأنها، بالنسبة لي، صارت هاجساً وحاجة
وضرورة، وعبئاً استسغت حمله، ومسؤوليةً،
أحاول التصدي لها. الكتابة، ولعبة
الشياطين والملائكة والآلهة، ومرايا حيوات
الكائن في مجمل تحوَّلاته. الكتابة، فعل
شجاعة، وسيرٌ على "الصِّراط المستقيم"،
محمَّلاً بالأسئلة الدائمة الاتقاد.
الكتابة، قناعة مطلقة بأنكَ سؤالٌ مفتوحٌ
على أجوبة لا متناهية. الكتابة هي كشف
الحقائق وتفنيدها. وأجملها، ما كان واضحاً
فكرياً، وملتبساً إبداعياً. أكتب لأنني
أحاول جعل الزمن ملتبساً والمكان ملتبساً
والكائن ملتبساً، في دغمهم ببعضهم، وفصلهم
عن بعضهم. أكتب، لأن الكتابة كانت وستبقى،
أكثر المتاهاتِ وعورةً وشهيَّة لمغامرات
العقل والروح.
|