|
"الكتابة بالطباشير": جديد الشاعرة
المصرية فاطمة ناعوت
طبشور لا تذروه الريح ولا تمحوه المياه
هوشنك أوسي _ دمشق

عن دار "شرقيات" بالقاهرة، صدر للشَّاعرة
المصرية فاطمة ناعوت، كتاب، حمل عنوان:
"الكتابة بالطباشير...مقالات في الفن
والأدب"، في 128 صفحة، من القطع المتوسط.
والقارئ لما قدَّمه المفكِّر المصري محمود
أمين العالم لهذا الكتاب، تحت عنوان
"تحذير ومقاربة"، يظنُّ أنه تقديم
"احتفائي"، يوشك الدنو من منزلق المجازفة
والمبالغة، لكن، ما أن ينتهي القارئ من
الكتاب، حتى يخلُصُ إلى نتيجة مفادها: أن
العالِم، قد أعطى الكتاب والكاتبة ما
يستحقَّانه. حيث حذَّر المقدِّم القارئ من
السُّقوط في خدعة عنوان الكتاب "الكتابة
بالطباشير"، مشيداً به وكاتبته، قائلاً:
"هي ليسـت بالكتابـة السَّطحية التي يمكن
أن تُمسـحَ أو تُنسى بمجرد مغادرتِها. بل
هي بالحـق، وفي غير مغالاة، كتابـةٌ
بالحفـر العميـق في حقائقَ وظواهـرِ
تجاربنا الثقافية القومية والإنسانيّة،
التراثيـّة والمعاصـرة عامـة، التي تظلُّ
تتابعنـا وتلاحقـنا بعد قراءتهـا"، داعياً
القارئ للتأهُّب أثناء القراءة لـ"عمليتيْ
هدمٍ وبناء- معرفيًّا وموقفًا في وقت
واحد- حول العديد من همومنـا الثقافيـة
والحياتيّـة السائدة والمهيمنة"، على حد
تعبيره.
مع الإقرار بمخاتلة العنوان الرئيس للكتاب
"الكتابة بالطباشير"، الذي يصلح لأن يكون
عنواناً لكتاب شعري أو قصصي أو روائي، وهو
أبعد ما يكون عن الإيحاء بأن ما يخفيه بين
ضفَّتيه، وهل له آصرة بمدلول العنوان
الرئيس، لولا العنوان الفرعي له، "مقالات
في الفن والأدب"، فالحقُّ، إن أقلُّ ما
يُقالُ فيه: إنه جهد ثقافي رفيع المستوى،
ينطوي على رؤى نقديَّة، غاية في الحساسية
والرَّصد لما يُشكِلُ الثقافة وقضاياها في
العالم العربي، من جهة، ومن جهة أخرى، إن
هذا الجهد، يستند لسعة معرفية عميقة،
وخزين ثقافي وافرِ التنوّع، وجُرأة في طرح
الرَّأي، أثناء تناول إشكالات الثقافة
وقضاياها المعاصرة.
تستهلُّ ناعوت كتابها ببحث موسَّع بعنوان
" ما بعد الحداثة في العمارة والشعر"، حيث
تطرَّقت لمفهومي الحداثة وما بعد الحداثة
في العمارة والفنون والآداب، وتناولت
العلاقة بين العمارة والفنون، واعتبار
الأولى مؤسِّسة ومُنتجة للثَّانية، على
أنها "أم الفنون"، وتقول هنا:" إن العمارة
هي فن الإنسان الأول وشاغله الأساس
والمرآة العاكسة لطبيعة العصر ومفرداته.
ولعل هذا كان وراء تسميتها "أم الفنون".
وهي كنية ليست مجانية. ليس فقط لكونها
أولى الفنون زمانيًّا وجذرَها الرئيس،
وليس وحسب لأنها أسبق الفنون إلى التطور،
وليس فقط لأنها النشاطُ الإنسانيّ الذي
يكتبُ تاريخ الفن ويحدد طابعه عبر كل حقبة
زمانية، بل كذلك لأن الفنون جميعَها تلتقي
في باحتها ثم تتشعّب في روافدَ عديدةٍ
لتصبَّ في مصبات أخرى". وتتناول الترجمة
في مقالتي "مرآة ابن رشد" و"ترجمة الشِّعر
..فعل إبداع"، وضرورتها المعرفية
والحضارية في تواصل وتلاقح الأفكار
والثقافات، ودورها في إغناء الثقافة
المُترجَم إليها بتجارب وخبرات الثقافة
المُترجَم منها، حيث تقول: "الترجمة
بوصفها اختصارًا للزمان والمكان وحرقًا
لمراحل قطعتها بالفعل حضارة ما في حقلٍ
معرفيٍّ وفنيّ ما، فتختصر على الحضارات
الأخرى مراحلَ البدايات والتكرار ما يحقق
مبدأ التراكم المعرفي والقفز نحو المستقبل
في اتجاه واحد لا تعرجات فيه ولا نكوصات".
وفي مقالتي" نظرية التشكيل" عند بول كْلي"
و"تفاحة بيكاسو"، تُظهِر ناعوت وعيها
التشكيلي، الممتلك لأداوته النقدية بحرفية
عالية. بخاصة، أثناء سبرها لوحة بيكاسو،
وإجراء قراءة نقدية لمغزاها الدلالي
المُستبطَن، قائلة: "إن الفنان هنا، حاول
رسم "الزمن" وهو قيمةٌ لا مُتعيّنة، أو
بُعْدٌ غيرُ مرئيّ غير محسوس، أي لا يمكن
القبض عليه عن طريق الرؤية أو اللمس أو
السمع، غير أنه ممكنٌ إدراكه بالذهن". وفي
مقالة " الباليرينا الخُلاسية تهزم الموتَ
بالرقص"، تظهِر ناعوت براعتها كناقدة
سينمائية، حين تناولت الفيلم السينمائي
المصري "أنت عمري" وربطته برواية
""فيرونيكا تقرر أن تموت" لـ"باولو
كويللو". وفي مقالات " كلُّ مكان لا يؤنث،
لا يعوَّل عليه" و"صُعوبة أن نُختَصَرَ في
حذاء" و"النسوية والمواطنة"، تطرح ناعوت
أفكارها حول قضايا المرأة، وتبدي رأيها في
قضية الحجاب ذاكرةً: "أن اعتمار المرأة
الحجاب، برأيي، أراه منطويًّا مدنيًّا
ووجوديًّا وجماليًّا وفلسفيًّا على
مشكلتين محوريتيْن. الأولى أنه اعترافٌ
صريحٌ ونهائيّ من قِبَل المرأة أنها إنما
محض أداةُ استمتاعٍ لنظر الرجل على الأقل.
والثانية، أن وضع الحجاب ينطوي على سوء
ظنٍّ مبيّت بالآخر الذكر. وكأن كل الرجال
هم بالضرورة ذئابٌ بالفطرة. فقط ينتظرون
الصيدَ المطروح كي يسارعوا باقتناصه". وفي
مقالة "من وراء سقوط سيبويه"، تعرِّج
ناعوت على العُقد الكؤود في اللغة
العربية، التي تحول دون حضورها الفاعل
والمؤثِّر في الحراك العالمي ثقافياً. وفي
مقالة "سيبك م النحو، بس ايه رأيك في
القصيدة"، تتناول الكاتبة العطب والعجز
والفقر اللغوي الذي يعتمل نتاج بعض
"الكتَّاب"، وفي نفس الوقت، تشير إلى
خطورة الفهم الأصولي والسلفي للغة العربية
الذي يبقيها أسيرة دوائر الانغلاق
والتَّزمُّت، ما يكفل بإخراج الثقافة
العربية من واحة العصر. ولا تنسى الكاتبة
ناعوت الخوض في قضية مصادرة حرية التعبير
والرأي، الذي يمتهنه النظام السياسي
والديني العربيين، في مطاردة فكر وخيال
المبدع. وقد عبَّرت الكاتبة رأيها في
مقالات "ريشة دافينشي وثقافة كاتمة للصوت"
و"سهم السلطة في كعب العقيدة"، و"محنة
الوصايا".
ورغم الغنى الفكري والعمق التحليلي
والغزارة على صعيد المعلومة، الذي يظهر أن
هذا الكتاب متعوب عليه، من قبل كاتبته،
إلا أنه سقط سهواً في فخِّ تكرار طرح نفس
الفكرة أو الموضوعة، في أكثر من مكان،
كموضوعة أهمية الترجمة، ومصادرة حرية
التعبير، والدعوة للإصلاح والمجتمع
المدني...الخ. وعلى سبيل المثال لا الحصر،
إلى درجة، أن بعض الجُمَل تكرَّرت
حرفيَّاً، كمقولة يوسف إدريس: "إن
الحريّاتِ التي تُمنحُ لكلِّ الكتّاب
العرب مجتمعةً لا تكفي مبدعًا واحدًا" في
مقالتين. وكان بإمكان الكاتبة دمج
المقالات ذات الصَّلة ببعضها، توخِّياً
للتكثيف، وإتاحة الفرصة للتطرُّق لمواضيع
وقضايا ثقافية أخرى، لها أهميتها القصوى
في حياتنا الثقافية والسياسية
والاجتماعية، كـ"ضرورة النقد وإشكالاته،
والمسرح وأهميته، والموسيقى
ودورها...الخ"، وليس تناولها مرور الكرام،
بل إعطاءها المساحة التي تستحق. ولعمري أن
الكاتبة تمتلك القدرة الكافية على ذلك.
وقد نجحت الكاتبة بإظهار مهاراتها
و"عضلاتها" الثقافية المفتولة، وكيف أن
خزينها المعرفي نهل من العلوم التطبيقية
والإنسانية والتاريخ والميثولوجيا والتراث
الإسلامي ما نهله. بالنتيجة، يبقى
"الكتابة بالطباشير" منجزًا ثقافيًّا
معرفيًّا فكريَّا مهمًا، يفتح دائرة
للسؤال، أكثر مما يضع الجواب في متناول
القارئ. حتى لو تنصَّلت الشَّاعرة من
إطلاق صفة النَّقد على كتابها، واعتبرته
كتابة على هامش الشِّعر، حين تهديه كتابها
هذا:" إلى الشِّعر، الذي سمح بكتابة هذا
الطباشير على هامشه"، فهذا لا يقلل من
جودته النقدية، التي خلقت لدينا متعة
المعرفة، التي كلَّما غرفنا منها، ازددنا
علماً بجهلنا.
|