|
 |
|
سليم
بركات |
فوتوغراف سليم بركات من موقع الجزيره نت |
الشاعر والروائي الكردي سليم بركات..
رمزاً قوميَّاً...!!؟.
هوشنك أوسي
_ دمشق
مع نهاية الثَّمانينات، وبداية
التِّسعينات من القرن المنصرم، بدأ إبداع
الكاتب الكردي السُّوري سليم بركات، نقلته
النَّوعيَّة في اجتياح ذائقة القارئ
الكردي بالعربية، رغم أنه كان ولازال يجد
صعوبة بالغة في القبض على الفكرة التي
يودُّ بركات طرحها عبر كل عمل من أعماله،
نتيجة التَّعقيدات المتشعِّبة التي تطغى
على الفضاءات اللغوية المنفلتة لبركات.
إلاَّ أنه_أي القارئ الكردي_ لا يجد نفسه
إلا منشدَّاً وشغوفاً لمعرفة جديد كاتبهم
المعروف، والتهافت على اقتناءه، ما استطاع
إليه سبيلا. ولم يبقَ صيت بركات حِكراً
على المهتمِّين بالثَّقافة والإعلام
الكرديين، والمشتغلين في حقولها من
الأكراد وحسب، بل وصل هذا الصيت للعوام
الذين، إنْ طرق مسمعهم اسم سليم بركات،
حتَّى يعلموا أنه لكرديٍّ مهم، وكاتب
مشهور، ذو حظوة ومكانة مرموقة.
سليم بركات، المولود في قرية "موسيسانا"
التابعة لمدينة القامشلي شمال شرق سوريا،
سنة 1952. طرد من المدرسة، وهو في الصَّف
الثَّالث الإعدادي، فتقدَّم لنيل هذه
الشَّهادة، بشكل حر، وأكمل تعليمه
الثَّانوي في القامشلي، ليبدأ ماراتونه
بين العواصم، بدءاً بدمشق وانتهاءً
باستوكهولم. حيث سافر بركات نهاية
السَّبعينات من دمشق إلى بيروت، وكانت
الأخيرة متنفَّساً لبناء علاقات وصداقات
وطيدة مع الأوساط الإعلاميَّة والثقافيَّة
العربية، وتحديداً الفلسطينية. حيث عمل
معها في بعض الصُّحف والدوريات
الفلسطينية، كمجلة "الهدف"، كما قيل. وقبل
أن تضع الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها،
سافر إلى نيقوسا، للعمل إلى جانب الشاعر
محمود درويش في الفصلية الفلسطينية
"الكرمل". وفي نهاية التسعينات، غادر
العاصمة القبرصية إلى السَّويد، ليحطَّ به
المطاف في استوكهولم. وخلال هذا الماراتون
الذي بدأ من القامشلي، و"انتهى" بالعاصمة
السويدية، أصدر ما يزيد عن عشرين عمل
إبداعي في الشِّعر والرواية.
"أنا مازلت أسيرَ عالم الشَّمال، بل كلما
ابتعدت عنه، زاد حنيني إليه"*. هكذا
يوضِّح بركات ارتباطه وتجذُّره في أرضه
الأم _ المنطقة الكردية شمال سوريا _ التي
أنبتته ليكون " عرَّاب المتاهات، وخيال
الهاوية"*، كما يعرِّف نفسه. وهكذا يصف
حال بني جلده من الكُرد في سوريا، منذ
نعومة أظفارهم : " قلت لمعلم اللغة
العربية إنني كردي فحملق في هلعاً، ودمدم:
"ماذا تفعل هنا؟ اذهب إلى تركيا". عليك أن
تتعلم كتمان أنك أنت. البعض يلد ويكبر،
ويهرم، في المكان ذاته محتجب الجنسية، (في
إشارة إلى الأكراد المجردين من الجنسية في
سوريا). عليك أن تحمل معك ورقة "إخراج
قيد" مكتوب على قفاها "منذ متى أنت عربي؟"
للتأكد من نقاء عرقك. لا تستطيع التصريح
بحبك لبلدك، مثلاً، من غير أن تكون
عربياً. اسمك غير العربي، إذا تجرأت على
تسمية نفسك بألفاظ عرقك، سيصمك
بالإذلال."*. ورغم وعورة لغة بركات
وانفلات ووحشية فضاءاته الإبداعية، إلا أن
الروح والمعاناة الكردية حاضرة، وبقوَّة،
في أعماله شعراً ونثراً، مهما كانت
مدوَّناته عربية، وتنتمي مفرداتها
وبلاغاتها لمعجم التراث الإسلامي. إلى
درجة أن الشاعر محمود درويش مدحه في دمشق
التي منعت أحد طلاب الدراسات العاليا في
كلية الآداب، قسم اللغة العربية، من أن
تكون أطروحة الدكتوراه لديه، حول نتاج
سليم بركات، حين أهداه درويش قصيدة "ليس
للكردي سوى الريح"، وقبل أن يقرأها في
مكتبة الأسد بدمشق، في حضور العديد من
المسؤولين والإعلاميين السوريين، قال
درويش عن بركات: "إنه أفضل من كتب
بالعربية خلال العشرين عاماً الماضية"، ما
أثار حفيظة المسؤولين السوريين وقتها، كون
المديح من عربي عريق لـ"كردي مارق" ممنوع
الهضم والصرف الإعلامي في سوريا.
في أي حديث دائر بين كردي وعربي حول
معاناة الأكراد في سوريا، ودور الكرد في
الثقافة العربية، يُبرز الكردي نتاج بركات
كشاهد دامغ على إسهام الكرد في رفد
الثقافة العربية. ويوماً عقب آخر، وكلما
ازدادت تهميش وإقصاء بركات عن الحراك
النقدي والإعلامي السوري، يزداد تعلق
الكرد السورين به. والجدير ذكره، أنه
نادراً ما كان القارئ يحصل على روايات
ودواوين هذا الكاتب الممنوع، من المكتبات
السورية. وغالباً ما كان المثقفون الأكراد
في سوريا، يتبادلون نسخ كتبه المطبوعة على
آلات طباعة "فوتوكوبي"، وكأنها مناشير
سرية.
إن تعاطي المؤسسات الثقافية والإعلامية
السورية مع قامة إبداعية كبيرة كسليم
بركات بالشكل الآنف الذكر، يدفع الأكراد
وبعض نخبهم الثقافية إلى اعتبار ذلك، نوع
من القمع الذي تتعرض له الثقافة الكردية،
حتى ولو كانت مدوَّنة بالعربية. ما يساهم
في اعتبار بركات رمزاً إبداعياً قومياً
كردياً، حتى ولو لم يكتب بركات كلمة واحدة
بلغته الأم. والحق أن هذا المبدع، يستحق
هذه الحفاوة من شعبه، لكن، ما أعتقده أن
وجه الخطر والضرر الذي قد يشكله هذا
الإجماع على كردية بركات، والالتفاف
الحميم حوله، أنه قد يحوِّله إلى "وثن"
ثقافي إبداعي، عبر جعله " فوق النقد"، كما
وسمه لي صديق وصحفي كردي معروف. فربما
يستحق بركات أن يكون رمزاً قومياً، لكن،
ينبغي أن لا يصل التعلُّق به إلى درجة
القداسة الإبداعية، الكابحة لنقده.
والحقُّ أن الحال في تدهور، إلى درجة أن
بعض المثقفين الأكراد، عندما يجدون عرباً
يتناولون بركات نقدياً، فينبرون للدفاع
عنه، ناعتين الناقد العربي بـ"الشوفينية
والعنصرية والعصبوية...". طبعاً، مع
الإقرار بأن بعض التناول النقدي العربي
لنتاج بركات، لا يخلو من تهجُّم على
كرديته، بشكل مباشر أو بغيره. وفي حال
تناول كاتب كردي نتاج بركات نقدياً، نجد
بعض المثقفين الأكراد، يهاجمونه سراً أو
جهراً، قائلين: "من هذا، حتى ينتقد بركات،
وكيف يجرؤ على ذلك..."، وقد يصل بهم الشطط
إلى وضع الناقد الكردي في خانة "الخيانة
والتواطؤ". وهذه هي الطامة الكبرى، والتي
أجزم أن بركات نفسه يرفضها.
*من حوار أجراه عماد عبد الله مع سليم
بركات، منشور في النهار/ أبريل 1979
*من حوار أجراه ناصر مؤنس وصلاح عبد
اللطيف مع سليم بركات
* نفس المصدر
|