|
الأكراد بين سياسات المحاور الإقليمية
والخيارات الصعبة
هوشنك أوسي _ دمشق
تقرير لجنة "بيكر _ هاملون" المستقلة
لدراسة أوضاع العراق، بغية إيجاد محرج
"مشرِّف" للاحتلال الأمريكي من "المستنقع
العراقي"، جاء في 160 صفحة، مطوية على
انتقادات لاذعة لمسلك الإدارة الأمريكية
في حربها على العراق، وما نتج عنها من
تبعات وخيمة، أسأت لصورة أمريكا في
العالمين العربي والإسلامي، وباتت تهدد
المصالح الأمريكية في المنطقة، حيث قدم
التقرير لإدارة "بوش الابن" 79 توصية،
منها ما تدعو الإدارة الأمريكية إلى تقوية
السلطة المركزية في بغداد، على حساب تقليص
وتقويض سلطات الأقاليم، خاصة في مسألة
توزيع الثروة النفطية، وتحذر من تطبيع
الأوضاع في مدينة كركوك، وخطورة تفعيل
المادة 140 من الدستور العراقي، وإجراء
الاستفتاء حول البت في تبعية هذه المدينة،
لإقليم كردستان العراق أم لبغداد، وإشراك
كل من سوريا وإيران في ترتيب الأوضاع في
العراق، فضلاً عمَّا يتعلق بقوات
البيشمركه. هذه التوصيات أثارت حفيظة
وانتقاد وقلق وردَّة فعل كردية واسعة
النطاق في كردستان العراق، وقد انعكس هذه
القلق ليأخذ شكل جملة من التصريحات
والإجراءات، ربما كان أولها لـ"قوباد
طالباني" نجل الرئيس العراقي جلال
الطالباني. فقد أبدى "الطالباني الابن" من
واشنطن، وعقب صدور التقرير مباشرة، مخاوفه
وقلقه الشديد من هذه التوصيات التي لم
تراعِ خصوصية الحال الكردية، ودورها
الاستراتيجي في العملية السياسية
العراقية، ما يشير إلى أن كتبة التقرير
"يتخفوَّن" من التدخلات الإقليمية في
العراق، خاصة التركية والإيرانية
والسورية، وتذمُّر وقلق هذه الدول للحضور
الكردي المتنامي في المعادلة السياسية
الكردية.
رويداً، بدأت ردود الفعل الكردية تتزايد
وتتفاعل إعلامياً، حيث أبدى مسعود
البارزاني رئيس إقليم كردستان رفضه وقلقه
من فحوى التقرير، إلى جانب أن الكثير من
القيادات الكردية كالسياسي الكردي المعروف
الدكتور محمود عثمان الذي شكك في صدقية
وحيادية وواقعية هذا التقرير. وتصاعد
الرفض الكردي لهذا التقرير على لسان رئيس
الجمهورية جلال طالباني، حيث قال: "أعتقد
أن تقرير بيكر هاملتون، غير عادل وغير
منصف ويتضمن فقرات خطرة من شأنها أن تقوض
سيادة العراق ودستوره". وأضاف: "ارفض
التقرير بشكل كلي". ورغم أن الاجتماع
الموسَّع للمكتبين السياسيين للوطني
والديمقراطي الكردستاني مع قيادات الأحزاب
الكردستانية الأخرى، والمعقود في
12/12/2006، وجلسة برلمان إقليم كردستان
العراق في 17/12/2006، واجتماع حكومة
الإقليم، لبحث التقرير، والبيانات الصادرة
عن هذه الاجتماعات، والمنددة والرافضة
لفحواه، إلا ردَّة الفعل هذه، لم تتجاوز
حالة التعبئة السياسية والإعلامية
الهزيلة، إلى التحرك الجماهيري النشط
والفاعل، الذي من شأنه إعطاء مؤشرات
للإدارة الأمريكية بخطورة التخلِّي عن
الأكراد، لجهة الرضوخ للضغوط الإقليمية
على المصالح الأمريكية.
وما كان متوقعاً ومفترضاً أن تكون ردَّة
فعل الأكراد أكثر حزماً وتصعيداً، إزاء
تقرير "بيكر _ هاملتون"، لعدة أسباب،
لعلَّ أبرزها:
1. لم يولي التقرير أية أهمية للدور
الكردي في المعادلة السياسية العراقية،
وعلى العكس، أشار إلى خطورة تنامي هذا
الدور على المصالح الأمريكية، ولو بشكل
غير مباشر.
2. لتكون ردَّة الفعل هذه، خطوة استباقية
لتقارير أمريكية أخرى، قد تنحو منحى تقرير
"بيكر _ هاملتون" في تعاطيها مع المكاسب
الكردية عقب احتلال العراق وسقوط نظامه
السابق.
3. خشية الأكراد من أن يقعوا فريسة
المصالح الأمريكية المتقاطع مع المصالح
الإقليمية، كما حصل في عهد "جورج بوش
الأب"، حين كان بيكر عرَّاب دبلوماسيته،
وكيف كانت الهجرة المليونية للأكراد، عقب
حرب تحرير الكويت سنة 1991، وكيف أن "بوش
الأب" أطلق يد صدام حسين في التنكيل
بالأكراد، بعد أن دعاهم للتمرُّد، ثم
تخلَّى عنهم. فالأكراد يخشون أن تكرِّر
الإدارة الأمريكية سيناريو 1991 في
تعاطيها معهم، وتذهب المكاسب الكردية
أدراج المصالح الأمريكية و"وعودها
وضماناتها الكاذبة" للأكراد.
وحتى لو كان هذا التقرير غير ملزم للإدارة
الأمريكية، ففي أسوأ الأحوال، يفترض أن
تقرير "بيكر _ هاملتون" قد قرع جرس
الإنذار للقادة الأكراد، دافعاً إياهم
لتوحيد وتمتين صفوفهم أكثر، وإعادة
قراءتهم لواقعهم السياسي المعقَّد الذي
كان دوماً ضحية المحاور الإقليمية
والمصالح الدولية، وصولاً لطرح فرضية
"خيانة" الأمريكيين لهم لمائدة النقاش
الكردي _ الكردي، بعد أن كانت هذه
الفرضية، قد سقطت من قاموس القراءة
السياسية الكردية، على خلفية الاحتلال
الأمريكي للعراق، لأخذ الاحتياطات اللازمة
لها، وأن يأخذوا هذا التقرير محمل الجد،
وأن لا يكتفوا بالتطمينات التي قدَّمها
"بوش" للقيادات الكردية في اتصالاته
الهاتفية بهم، حيال ما تضمنه التقرير من
توصيات تهدد الحال الكردية ومصالحها في
العراق، كي لا تتكرر المأساة الكردية
مجدداً، بأنهم لا يأخذون دروساً من
تاريخهم المرير.
لقد كان الأكراد، وعبر تاريخهم الطويل،
ورقة رابحة، في يد من يستخدمها، ابتداءاً
من معركة "مرج دابق" والحضور الكردي فيها
في مواجهة المغول، وصولاً للصراع
"السلجوقي _ البيزنطي"، الذي حسمه
السلاجقة لصالحهم في معركة "ملاذ كرد"
سنة، 1071 م/463 هـ، عندما استمالوا
الأكراد إلى جانبهم، فكانت "ملاذ كرد،
بداية تحوُّل بيزنطة إلى تركيا. ثم أتت
معركة حطين، ودور الأكراد وصلاح الدين
الأيوبي في مواجهة الصليبيين، ثم معركة
"جالدران" سنة 1514 التي حسم فيها
الثعمانيون الصراع مع الصفويين لصالحهم،
بعد كسب الأكراد إلى جانبهم، إلى أن نصل
إلى جمهورية تركيا الحديثة التي أسسها
مصطفى كمال أتاتورك، بعد أن وقف الأكراد
إلى جانبه، وحتى نصل إلى الاحتلال
الأمريكي للعراق، الذي لولا الدعم الكردي،
لكانت فاتورة الحرب الأمريكية على العراق
أضعاف ما هي عليه الآن. مآل القول:
تاريخياً وحاضراً، استُخدِم الأكراد كورقة
رابحة، في اللعبة السياسية والصراع على
المصالح إقليمياً ودولياً، وبعد انتهاء
دورها، تمَّ التخلي عنها. كما فعل أتاتورك
مع الأكراد سنة 1925، وستالين مع القاضي
محمد في جمهورية كردستان في مهاباد سنة
1946، وشاه إيران مع الملا مصطفى
البارزاني سنة 1975، و"بوش الأب" مع أكراد
العراق سنة 1991، ودمشق مع أوجلان سنة
1999. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا: متى
سيتحوَّل الأكراد من ورقة رابحة في لعبة
المصالح، إلى لاعب مهم، ورقم صعب لا يمكن
تجاهله أو تجاوزه..؟. أليس حرياً بالأحزاب
الكردية الرئيسية الكبيرة "الاتحاد الوطني
والديمقراطي والعمال الكردستاني"، أن تعيد
قراءتها لواقعها وتحالقاتها وعلاقاتها،
معتبرة تقرير "بيكر _ هامتون" نقطة فاصلة،
بحيث يكون الأداء السياسي لهذه الأحزاب
بعد التقرير ليس كما كان قبل التقرير،
وصولاً لاستراتيجية قومية موحَّدة، تجمع
تحت سقفها الأكراد في كل مكان..؟. حالياً،
الردود الكردية السياسية والجماهيرية،
داخل وخارج كردستان، ليست في مستوى
المخاوف الكردية، مع الإقرار بصعوبة
الخيارات المتبقية أمام الأكراد، واستبعاد
الخيار التواصل الإقليمي، كون الدول
الإقليمية متحدَّة في عداءها للأكراد،
وكون هذه الدول تضرب حصاراً على المصالح
والحقوق الكردية فيها. فالمكاسب الكردية
الحالية، كانت نتيجة الخيار الخارجي. لكن،
على الأكراد، أن يتخلوا عن إعطاء تصوُر
عنهم للخارج أنهم المسالمون، زيادة عن
اللزوم، و"المِحلان الوديعة"، التي
مقدروها الذبح، على مائدة المصالح الدولية
والإقليمية. على القادة الكرد التقارب
أكثر من بعضهم، وإطلاق العنان للشارع
الكردي، لإبداء ردود فعل جماهيرية سلمية
عارمة متواصلة، داخل وخارج كردستان،
أوروبياً وأمريكياً، وأن لا يبقى الأكراد
في موقع المنتظر الكارثة التي ستحلُّ به.
ــــــــــــــ
كاتب كردي
|