|
ألم تقرع "وعكة" طالباني الصحيَّة ناقوس
الخطر...؟.
هوشنك أوسي
مع الإقرار بأن عوامل محلية وإقليمية
ودولية كثيرة ومعقَّدة تداخلت وتضافرت، مع
التجربة النضالية الكردية في العراق
عموماً، والتجربة السياسية والنضالية
للـ"مام" جلال طالباني، لتجعل الأخير في
سدَّة رئاسة العراق. لكن، وفي أسوأ
الأحوال، وصول طالباني لمنصبه الحالي، هو
منجز نضالي كردي، واستحقاق سياسي وطني
عراقي. فطالباني المولود في قرية
"كلكان"400 كم شمال شرق بغداد، سنة 1933،
درس في ثانوية كركوك للبنين عام 1950، وفي
عام 1955 ترك كلية الحقوق في بغداد، في
السنة الأخيرة، بسبب نشاطاته السياسية،
ليعود بعد سقوط الملكية عام 1958 لإكمال
دراسته. انتسب للحزب الديمقراطي
الكردستاني، وأصبح عضواً في مركزيته وهو
في الثامنة عشرة، وعمل مقاتلاً بين صفوف "البيشمركه"،
ومحرراً صحفياً في صحيفتي "خبات"
و"كردستان". في مطلع الستينات، نشب خلاف
بين المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي
الكردستاني برئاسة المرحوم إبراهيم أحمد "والد
زوجة طالباني"، وبين زعيم الحزب وقتها،
الملا مصطفى بارزاني، على إثره حدث انشقاق
في الحزب، انضم إليه طالباني سنة 1964، ثم
أسس فصيلاً سياسياً حمل اسم "ثوار كردستان"
سنة 1966. وبعد اتفاقية آذار سنة 1975 بين
النظام العراقي السابق وشاه إيران،
بموجبها أوقف الشاه دعمه للثورة الكردية،
ما أدى إلى إعلان الملا مصطفى بارزاني
انهيار الثورة، في نفس العام، أسس طالباني
في دمشق الاتحاد الوطني الكردستاني في
1/7/1975، بالاشتراك مع 4 تيارات كردية،
أبرزها "كادحي كردستان" بزعامة نيشروان
مصطفى، ليعاود الكفاح، حتى سنة 1988. وإثر
انتفاضة آذار سنة 1991، وسحق النظام
العراقي لها، تشكلت منطقة "الملاذ الآمن"
للأكراد، بحماية دولية، عاد طالباني إلى
كردستان، واستقبل استقبال الأبطال، وأعلن
مع "خصمه" السابق، الديمقراطي الكردستاني
بزعامة مسعود بارزاني، الفيدرالية من طرف
واحد.
بعد مسيرة نضالية، تجاوزت نصف قرن، مليئة
بالاهتزازات القوية، والمنعطفات الحادة،
قضَّاها الـ"مام" جلال مقاتلاً ومناضلاً
ومنفياً، ليصل به المطاف لرئاسة جمهورية
العراق، ورغم كل التطمينات التي يعطيها
المسؤولون في الحكومة العراقية، وفي
الاتحاد الوطني الكردستاني، عن وضعه الصحي،
وأن لا خوف على حياته، إلا أن الوعكة
الصحية المفاجئة التي ألمَّت به مؤخراً،
وعلى إثرها أُدخِلَ المستشفى في الأردن،
وبقائه في المستشفى كل هذه المدَّة، تفتح
الدائرة على أسئلة عديدة، ليس أقلَّها
صعوبة: من وماذا "بعد" جلال طالباني؟ ما
الأثر الذي يمكن أن يخلقه "غياب" هذا
الرجل، الذي قال عنه السيستاني:" بأنه
صمام أمان العراق"، عراقياً وكردياً؟. هل
حسم الاتحاد الوطني الكردستاني خياراته،
لمرحلة "ما بعد" مام جلال، بعد أن كان قد
اختصرها في شخصه، لأكثر من ثلاثة عقود؟.
وهل يمكن أن نسم تجربة الزعيم الكردي جلال
طالباني، بأنها "مدرسة نضالية"، وما هي
الخطوط العريضة لها، وما هي الدروس
الرئيسة المأخوذة منها؟. وألم يحن الوقت
لإجراء مراجعة نقدية لهذه التجربة، بما
لها وما عليها، بحيادية وموضوعية؟.
والسؤال الأكثر إلحاحاً باعتقادي: أين
طالباني "المفكر" من السياسي؟. بالإضافة
إلى أسئلة عديدة، تبقى برسم النقَّاد
والباحثين والمحللين السياسيين المتابعين
لهذه التجربة، من الأكراد وغيرهم.
رغم الحضور المرح، والنفسية المتواضعة
للرئيس طالباني، إلا أن المتابع لمسيرته،
يلاحظ الذكاء الحاد الذي يتمتَّع به. ولن
يستنزف المراقب لتجربته السياسية جهداً،
حتى يعرف، حضور المنطق الميكافللي القائم
على "تبرير الغايات للوسائل" فيها، ما فتح
أمامه هامشاً واسعاً للمناورة، وعقد
التحالفات مع أنظمة متعادية فيما بينها،
دون أن تتأثر علاقاته معها بتناقضاتها،
فكان يبقي على علاقاته مع كل من سوريا
وتركيا، في حقبة العداء بينهما، التي
انتهت بخروج أوجلان من دمشق سنة 1999،
بالإضافة إلى علاقاته مع الأمريكيين
وإيران إلى يومنا هذا، وعلاقاته مع النظام
العراقي السابق، ومحافظته على علاقاته مع
الروس، وعضوية حزبه في "الاشتراكية
الدولية"، وإلى جانب علاقاته بالغرب
الإمبريالي، في آن...الخ، فضلاًَ عن اتسام
تصريحاته بالتأرجح، على عكس رئيس إقليم
كردستان مسعود بارزاني. كل هذا، يعطي
الفرصة لنعت طالباني بـ"معاوية الأكراد".
بالنتيجة، لا ثابت في السياسة عنده سوى
المصالح، بصرف النظر عن طبيعتها: شخصية،
حزبية، قومية أو وطنية.
وبعد حفاظ طالباني على منصبه كزعيم
للاتحاد الوطني منذ التأسيس وحتى الآن،
إلا أنه ترددت في الآونة الأخيرة أخبار
أشارت إلى وجود بذور خلافات بين أقطاب هذا
الحزب، على خلفية معارضة تيار تزعمه نائبه
السابق في رئاسة الحزب، نوشيروان مصطفى
وكوسرت رسول، لسياسات طالباني. وحسم
الأخير الخلاف لصالحه، وجنَّب حزبه
انشقاقاً محتملاً، ما أدى إلى تقديم
نوشيروان استقالته.
الأكثر حظَّاً في خلافة طالباني، بعد عمر
مديد إن شاء الله، هو برهم صالح، النائب
الحالي لرئيس وزراء العراق، والممثل
السابق للاتحاد الوطني في واشنطن، ونائب
طالباني في رئاسة الحزب، مع وجود حظوظ أقل
يتمتع بها كل من فؤاد معصوم وكوسرت رسول.
هذا، إن لم يجدد طالباني شبابه، على طريقة
النظم "الجمهورية" في الشرق الأوسط، ويورث
ابنه قوباد طالباني، ممثل حكومة إقليم
كردستان في واشنطن، رئاسة الحزب، على أقل
تقدير.
مهما يكن، فوفق المحاصصة الكردية _
الكردية في "الكعكة العراقية" التي أعطت
رئاسة العراق ورئاسة برلمان كردستان
للاتحاد، ووزارة الخارجية في الحكومة
المركزية، ورئاسة الإقليم ورئاسة حكومته
للديمقراطي، فضلاً عن تقاسم المناصب
الوزارية في الحكومة المحلية والمركزية،
وفي البرلمان المحلي والعراقي بين الحزبين
الكرديين، فأن "غياب" طالباني، وفي هذه
المرحلة الجد حساسة من تاريخ العراق
عموماً والأكراد خصوصاً، وفي ظل التحديات
الإقليمية الكبيرة، من شأنه خلق أزمة
حقيقية عراقية وكردية، ينبغي أن تكون
الوعكة الصحية التي أصيب بها طالباني، قد
قرعت جرس الإنذار، تحسُّباً واستباقاً
لهكذا أزمة.
ـــــــــــــــ
|