|
الأسئلة التي لم أجد لها إجابات...؟.
هوشنك أوسي _ دمشق
قد تكون فترة الطفلة_ في بداية تكوين
وعينا_ هي أغزر المراحل التي نثير فيها
عواصف الأسئلة، إلى درجة العشوائية
البريئة، بغية الإلمام بكل شيء، ومعرفة كل
شيء عن أي شيء. وقد تكون هذه العشوائية
الطفولية في طرح الأسئلة_ عن أي شيء كان،
وفي أي وقت كان_ هي البداية الطبيعية
لبروز نزعة "الشك الديكارتي" المحفَّزة
للنشاط العقلي الذي تعود إليه الفتوح
العلمية، في العلوم التطبيقية والإنسانية
لدى الإنسان، مُهيَّأ المناخ لاستمرار
عملية الارتقاء الحضاري التي أوصلت
البشرية لما هي عليه الآن. وعليه، استطاع
العلم الإجابة على الكثير من الأسئلة التي
طرحتها الفلسفة، ولازال عاجزاً عن الكثير
منها، لذا، فهو يمتلك إرادة السعي الحثيث
في إعادة المحاولة وصولاً للمأمول. يقول
أديسون هنا: "صحيح أنني نجحت في في اختراع
المصباح، بعد التجربة الألف، لكن، عرفت
999 حالة، لا يمكن أن يشتغل فيها اختراعي
هذا". كما استطاعت الفلسفة الإجابة عن
الكثير من الأسئلة التي عجز عنها الدين،
وأستطاع الدين تأجيل أو إحالة الإجابة عن
الكثير من الأسئلة التي يطرحها العلم
والفلسفة إلى الميتافيزياء، والغيب،
والإشارة إلى أن، مهما استمر العلم
بفتوحه، وإلى أية مرحلة يصل، سيبقى هذا:"
هو القليل من العلم، الذي أوتي الإنسان
منه" بإذن الخالق العليم. فالدين يتعامل
مع ظواهر وتحولات الوجود باليقينيات
والمطلقات، وعلى أنها مقدَّرة مدبَّرة،
تؤثِّر، ولا تؤثَّر فيها، أمَّا الفلسفة،
فتفتح ملف الأسئلة على مصراعيها، وتحاول
إيجاد إجابات، قد تنجح في إبطال الشك حول
بعض الأمور والقضايا المُثيرة لقلق
المعرفة والاستكشاف. لكن، تجد نفسها أمام
سلسلة لامتناهية من الأسئلة الجديدة. أما
الدين، فباعتقادي، يقدم تطمينات نفسية
وروحية، هدفها خلق حالة من الاستقرار
والسكينة والطمأنينة الروحية، من خلال
اغتيال الشك عند المرء، عبر تأطير العقل
بجملة من الأحكام المقدَّسة الجامدة، غير
قابلة للطعن بطريق الشك، لأنها من عند
الله. ففي الدين، هنالك السؤال الحلال
والسؤال الحرام، الحلال منه، مقبولٌ
مُجابٌ مُثاب، والحرام منه، مرفوضٌ
منبوذٌ، وسائلهُ إلى عقاب. أما في
الفلسفة، كل الأسئلة حلال. والعلم هو أقرب
للفلسفة منه للدين، لأن قوامه التجربة
وصولاً لتقديم البراهين والقرائن التي قد
تفضي لأسئلة جديدة. لكن، الجامع بين الدين
والعلم والفلسفة، إنها محاولات الإنسان
للوصول إلى الحقيقة، عبر طرح السؤال.
الصديق العزيز الأستاذ صبحي درويش، طرح
عليَّ سؤالاً، طالباً مني الإجابة عنه في
مقال، وهو :" ما هي الأسئلة التي لم تجد
لها إجابات بعد..؟". هذا السؤال "الوجودي"
البسيط المفاجئ والمحرج، ينطوي على سلسلة
لا متناهية من الأسئلة، منها، ما هو متعلق
بالشأن الشخصي، ومنها، ما هو فلسفي، ذو
طابع أو صبغة عامَّة، يبقى يأرِّق الوعي
طيلة العمر، بضرورة البحث عن إجابة شافية،
توصل العقل لبرِّ السكينة والطمأنينة. هذا
السؤال الذي طرحه الصديق العزيز صبحي، خلق
لدي الحافز في الإفصاح عن أسئلة كثيرة، لم
أجد لها إجابات، تنهي محنة العقل عندي.
ولا أزعم هنا: بأنني أشتغل على الأسئلة
والقضايا الكبرى، كالفلاسفة، ولا أنا برجل
دين، ولا بعالم منهمك في تفسير الظواهر
الكونية. في أفضل الأحوال، أنا إنسان
أرهقته الأقدار بوضعه تحت محنة السؤال،
عبر إحاطته بظروف استثنائية، أقلُّ ما
يقال فيها: إنها قاسية. وسأبدأ الآن بسرد
الأسئلة التي لم أجد لها إجابات، علَّ
أحدهم أو إحداهن، يسعفني أو تسعفني
بالإجابة عنها. كما لا أدَّعي أبداً بأنني
السبَّاق لطرح هذه الأسئلة.
هل يستطيع الله أن يخلق إلهاً يماثله في
القوَّة والتقدير والتدبير والتأثير
والتسيير والتخيير...الخ؟. هل يمكن لله أن
يلقي بي خارج مُلْكه..؟. وإن استطاع،
فمُلُك مَنْ، ذلك المُلك الموجود خارج
مُلُكه..؟. وإن لم يستطع، فهذا عجز، لا
يمكن تصوُّره في ربٍّ قادر على كل شيء. هل
الزمان مخلوق..؟. وإن كان، فهذا يعني أنه
له مبتدى ومنتهى. إذن، هو محدود، فأين
المبتدى والمنتهى من الزمان؟. هل الزمان
مخلوق أولاً، أم المكان..؟. وقبل خلق
المكان، الله، أين كان..؟. هل القرآن
مخلوق..؟. وإن كان: نعم، إذن، فهو محدود
ببداية ونهاية. وإن لم يكن محدوداً، لأنه
دستور الدنيا والآخرة، فهذا يعني أنه
اكتسب صفة الأزلية. يعني، صار القرآن شبه
إله. إذا كانت الجنة وسعها السماوات
والأرض، فما وسع الجحيم..؟. وهل أبقت
الجنة حيّزاً للجحيم، إن كانت قد شغلت
السماوات والأرض..؟. لماذا الأديان تلغي
بعضها. يعني، لماذا الإسلام يتهم المسيحية
بالشِّرك والضَّلال والتحريف، وتالياً،
بالكفر..؟. ولماذا تتهم المسيحية الإسلام
بالبطلان، وأن النبي محمد "دجال محتال"،
وتنكر نبوَّته، وترفض أن الإنجيل قد
تنبَّأ بمجيئه كرسول لله، كما ورد في
القرآن..؟. ولماذا اليهودية تعادي هذين
الدينين..؟. أليست هذه الأديان متفقة
ومجمعة على عبادة الله الواحد الأحد..؟.
كثيراً ما نتحدث عن "الحكمة الإلهية"، فما
هذه الحكمة التي تقف وراء خلقي كرديَّاً
مسلماً سورياً، مجرَّداً من الجنسية،
وجعلي يتيم الأب في الرابعة من عمري، لا
بيت نملكه، تحت رعاية أرملة مازلت في
مقتبل العمر، وجدَّة في خريفه، الرابع
لأخوة ست، تطارده العتمة في عينيه، والفقر
في خبزه، لهذه اللحظة.. لم يستطع إكمال
تعليمه، وفشل في الوصول للفتاة التي عشقها
لخمسة أعوام، أنجب منها حوالي أربعة
دواوين شعر...؟!. ما هي الحكمة في أن أبقى
خائفاً من الغد، على مبدأ: أتعس الأيام،
هي التي لم أرها بعد...؟!. وإن قال أحدهم:
"إنه امتحان واختبار، فإن أحبَّ الله أحد
عبيده، ابتلاه". حينئذ، لا مناص من القول:
جميل أن يحبني الله، لكن، ليكن حبُّه لي،
أقل قسوة، وأكثر رحمة بي.
هذه هي الأسئلة التي أبحث عن إجابات لها،
ولم أجدها بعد. وهذا لا يعني أنني قد وجدت
الإجابة عن أي سؤال، وبقيت هذه دون جواب،
لا قطعاً. فقط، أن سؤال الأخ والأستاذ
صبحي خلق لدي الحافز للمصارحة والمكاشفة
أمام الآخر. وهذه الأسئلة، لا تعني في أي
حال من الأحوال أنني رافض لـ"كرديتي أو
إسلامي أو سوريتي"، ولا أنني لا أؤمن بجود
خالق ناظم لهذا الوجود، أشعر، بأنه ظلمني.
لكن، أشعر بالراحة، بعد أن حررت هذه
الأسئلة من كمونها في صدري، وأطلقتها في
هذا الفضاء الافتراضي، كنوع من الشراكة
المعنوية في البحث عن الحقيقة مع الآخر.
|