|
صقرٌ في مهبِّ الضباب
إلى حسين شاويش*
هوشنك أوسي
غزيرُ الجوانح، حائمٌ في أُهبةِ البريق،
مردداً: السَّماءُ لا تنسى أبناءها.
عميقُ الظلالِ والخطى، منساباً بين
الكلامِ الثائرِ الحارِ، منادياً أيامهُ
الغابرة: الأرضُ لا تنسى أشجارها.
* * *
قبلَ أعوامٍ ساخنة، من فرطِ سعي الغزلانِ
والأيائلِ لمنابع الشَّمس، كنتَ رمحاً من
الكلامِ الذي عاف التَّرابَ عشَّاً،
وانتقى قطعةً من سماءٍ، فوق جبال كردستانَ
قصيدةً.
بعدَ أعوامٍ باردةٍ، من فيضِ التحوِّلِ
والتبدُّل، بقيتَ كما عهدتكَ الجبالُ
وجدرانُ سجن آمد، عليلَ الروحُ، مبتسماً
للضباب الذي يحاولُ اغتيالك.
* * *
لو كانت آخرُ بندقيةٍ حملتها هنالك، تدري
بأيِّ كفٍّ مناضلٍ هي، لبكتْ ورداً،
وعافتِ الرَّصاص...؟.
لو كانت جدران سجن آمد، تدري أيُّ صقرٍ
نائمٍ تحتَ رحمةِ عتمتها، لانسكبَ الحديدُ
في عيونِ الحجرِ، ولالتهمَ الجلاَّدُ حتى
ظلالك.
أمَّا الآن...
وحيداً، كصقرٍ حزين، تعتلي قمَّة "Beroj"،
رانياً أطيافَ الرفاق القدامى...
"اسماعيل... مدني..."، كيفَ تقودُ الحربَ
بدونك.
عينكَ اليمنى على الشُّهداء، واليُسرى على
الوطنِ الذبيحِ.
قلبكَ، مراجلُ توقٍ لجبالٍ كنتَ تجوبها
مقاتلاً في جيشِ الوعولِ السائرةِ نحو
يقينِ المطر.
لازالتِ الحربُ على سعيرها، حاصدةً أرواحَ
الوردِ، قاصفةً أحلامَ يتامى الطير.
لازالَ "إسماعيل"، يديرُ ظهرهُ للرِّيح،
ويعيدُ إيقادَ معركتهُ الأخيرة، فاتحاً
صدرهُ لهبوبِ الفجر، مُحاطاً بخاملِ
الكلام، و"مدني"، يهتفُ: يا رفاق، لازالَ
جرحي نازفاً، ضمدوهُ بفستانِ أمي، وألقوا
عليَّ أغاني الكوجر.
لازالَ عبوركَ لدجلةَ مستمراً، بوصلةً
لعشاقٍ مجهولين لوطنٍ مجهول.
لازلتَ تجيدُ الغناءَ للوطن، رغمَ
النسيانِ الذي يوشكُ التهامك.
يا صقراً، اعتادَ التحليقَ شمالاً...
جنوبكَ الصَّمتُ القاتلُ، وشرقكَ بريقٌ
يعمي الأفئدة، وغربكَ قبائلُ حجلٍ في
تطاحنٍ عقيم، فلم يبقَ لنا سوى جهدكَ
شمالاً يقودنا من سؤالٍ لسؤال.
ما نحنُ إلا هوامشٌ على متنِ نضالكَ،
أيتها العتيقُ في العشق.
عيناكَ تبرقانِ في لججِ الضباب، قائلةً:
قد يطوي النسيانُ ريشي، وينهكُ العزوفُ
قامتي، لكنِّي باقٍ، أحصي انتصاراتي وسطَ
خيباتكم.
دمشق 6/5/2007
ـــــــــــــــ
* مناضل كردي من ديرك، قضَّى أكثر من 13
سنة معتقلاً في سجن ديار بكر/ آمد
|