|
الأكراد في 2007، يجب أن لا يكونوا كما في
2006
هوشنك أوسي
لم يحمل عام 2006 الكثير للأكراد عموماً،
باستثناء أكراد العراق. فقد كان هذا العام،
هو عام المكاسب. حيث استقرَّ وضعهم على
بعض الانجازات التي حققوقها، وتمَّ ضمانها
في الدستور العراقي. فتمَّ إقرار
الفيدرالية لإقليم كردستان العراق في
الدستور، وتحديد بند الـ140 فيه، لإعادة
تطبيع الأوضاع في كركوك، تمهيداً لضمها
إلى إقليم كردستان، وتمَّ انتخاب جلال
الطالباني رئيساً للعراق، ومسعود
البارزاني رئيساً للإقليم الفيدرالي،
وتمَّ توحيد إدارتي هولير/ أربيل
والسليمانية، وتشكيل برلمان موحَّد برئاسة
عدنان المفتي، وحكومة برئاسة نيجيرفان
البارزاني، ناهيكم عن الحضور في الحكومات
المركزية في بغداد "علاوي، الجعفري،
المالكي"، بحقيبة سيادية وهي الخارجية،
وبعض الحقائب الأخرى. ورغم أن الحكومات
المتعاقبة في بغداد، بعد حل مجلس الحكم
الانتقالي برئاسة بول بريمر، هذه الحكومات
لم تفعِّل المادة 140 من الدستور، للبت في
تبعية كركوك، إلا أن ذلك لم يُعتبر خطراً
على المكساب الكردية في العراق، بقدر ما
شكَّله تقرير "بيكر _ هاملتون"، والخشية
من أن يتكرر سيناريو عام 1991، وتخلي
إدارة بوش الأب عن الأكراد، ليواجهوا
مصيرهم مع النظام السابق آنئذ. والحق، أن
التقرير آنف الذكر، كان ينقصه اسم اردوغان،
ليأخذ صبغته وصيغته الحقيقية، ويصبح تقرير
"بيكر _ هاملتون _ أردوغان". فالبصمات
التركية واضحة على هذا التقرير، وهذا ما
دفع أردوغان ليعلن من واشنطن تأييده لهذا
التقرير الذي لا يعترف بالمكتسبات
والكردية والدور الكردي في العراق، وبل
يدعو للتقليل منها، خدمة للمصالح
الأمريكية.
في تركيا، المكسب المهم الذي يمكن ذكره
لصالح الأكراد، أن كل الزيارات المكوكية
للساسة والعسكريين الأتراك لوشنطن، لم
تثمر لنيل موافقتها على غزو كردستان
العراق، لمتابعة عناصر حزب العمال
الكردستاني المتواجدين في المناطق
الحدودية الوعرة. بالإضافة إلى انتقال ملف
هذا الحزب من الدوائر الأمنية على
الخارجية الأمريكية التي كلَّفت الجنرال
السابق "جوزيف رالتسون" بمعاجلة هذا الملف
بالتنسيق مع تركيا والعراق وإقليم كردستان
العراق. وهذا يعني إن الأمريكيين بدأوا
بالبحث عن مخارج سياسية لمعالجة ملف هذا
الحزب، خلافاً للرؤية التركية التي تشدد
على الحل العسكري. وأتت خطوة وقف إطلاق
النار التي أعلن عنها الحزب الكردستاني،
تلبية لنداءات تركية وكردية في تركيا،
وكردستانية وأوروبية وحتى أمريكية، لسحب
البساط من تحت أقدام عسكر وساسة تركيا. ما
شجَّع الأوروبيين على إدراج شروط كثيرة في
تقرير المفوضية الأوروبية، تطالب بالقيام
بإصلاحات جدية وجذرية، تدفع باتجاه حل
القضية الكردية في تركيا، حتى ولو لم يشر
التقرير إلى هذه القضية بصريح العبارة. ما
يعني أن عام 2006 كان مدخلاً لتدويل
القضية الكردية في تركيا.
في إيران، لم يحمل هذا العام جديداً
للأكراد هناك، بل زاد النظام الإيراني من
وتيرة تنسيقه مع سوريا وتركيا، لجهة عرقلة
المكاسب الكردية في المنطقة عموماً،
ومحاربة حزب العمال خصوصاً، ما دفع أكراد
إيران إلى رفع مستوى العمليات العسكرية ضد
الحكومة الإيرانية، بقيادة "حزب الحياة
الحرَّة الكردستاني" ذو التوجُّه
الأوجلاني.
أمَّا في سوريا، فلازال الوضع على حاله،
والوعود الصاردة من السلطات السورية،
بإعادة الجنسية للأكراد المجردين منها،
على خلفية الإحصاء الاستثنائي سنة 1962 في
محافظة الحكسة، لازالت هذه الوعود التي
تظهر حيناً وتختفي أحياناً، تبعاً للظروف،
طي الإهمال، ولم تجد طريقها للتطبيق
العملي. ناهيكم عن زيادة وتيرة عمل
الهراوة والقبضة الأمنية في ملاحقة
النشطاء الكرد، خاصة، ذوي الميول
الأوجلانية. ما يعطي مؤشِّر، وكأنه ثمة
تنسيق سوري _ تركي على ملاحقة هؤلاء على
جانبي الحدود، ولا يعطي مؤشِّرات للبدء في
حلحلة الملف الكردي في سوريا، ما من شأنه
إبقاء الوضع المحتقن مرشحاً لاهتزازات
عنيفة، كالتي حدثت في 12/3/2004، وما
سمِّي بـ"أحداث القامشلي".
إجمالاً، كان عام 2006 لصالح الأكراد،
لولا ظهور تقرير "بيكر _ هاملتون" الذي
قرع ناقوس الخطر. ومن ثمَّ بدأ الحديث عن
"استراتيجية جديدة" للإدارة الأمريكية في
العراق. ولم يكد يمضي 48 ساعة على إعدام
الرئيس العراقي المخلوع صدَّم حسين، في
أول أيام عيد الأضحى، وبتلك الصورة
الإرهابية الشنيعة، وإظهار ذلك على الملأ،
إلى مؤشِّراً للبد في "الاستراتيجية
الجديدة" للأمريكيين في العراق. فحسب ما
نشرته صحيفة الحياة اللندنية في عددها
الصادر يوم 1/1/2007، ونقلاً عن مصادر
عراقية مقرَّبة من حكومة المالكي:"إن
إعدام الرئيس السابق، بتوقيته وطريقة
اخراجه، يندرج ضمن خطة للتغيير أعدت خلال
لقاء الرئيس جورج بوش المالكي في عمان
نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي (...)
ان الشهر المقبل سيشهد تغييراً في طبيعة
عمل الحكومة، انسجاماً مع الخطة الأميركية
الجديدة، مثل حل هيئة اجتثاث البعث،
وإصدار عفو عن المعتقلين في السجون
العراقية والاميركية، وإنهاء محاكمات رموز
النظام السابق، ما يضع حداً لتنفيذ احكام
إعدام بحق مسؤولين آخرين، خصوصاً
العسكريين منهم، لاستقطابهم الى الجيش
(...) وأن المالكي.. في معرض إصدار عفو
عام عن المعتقلين والطلب من البرلمان
معالجة هيئة اجتثاث البعث او حلها،
بالإضافة الى إنهاء صفحة محاكمات النظام
السابق، وفتح باب الحوار والعفو عن معظم
المسؤولين السابقين بعد ضمان موافقة
الأكراد على ذلك". ما يعني أن التسريع
بإعدام صدام، كان قرار أمريكي، والحكومة
العراقية، أداة منفِّذة. وقد يكون هذا،
مدخلاً لتفاهمات عراقية/ شيعية _ سنية/
بمنأى على الأكراد، مع توافق إقليمي.
وتالياً، فأن تقرير "بيكر _ هاملتون" قد
ألقى أولى خطواته نحو التطبيق. ما يدفع
بالمكتسبات الكردية نحو دائرة الخطر.
وعليه، يفترض على الأكراد، إعادة النظر في
طبيعة علاقتهم مع الأمريكان، كي لا يكونوا
"حِملان وديعة" على مذبح المصالح
الأمريكية، وأن لا يكون خطابهم مرناً
ولبقاً مع الإدارة الأمريكية، إلى درجة
الميوعة، كما كان حالهم في 2006، وأن
يوحوا، ولو مجرد إيحاء للأمريكيين، بأن
لهم خياراتهم المتعددة المفتوحة على
احتمالات كثيرة، إن خذلوهم، كما جرت
العادة الأمريكية مع الأكراد. بمعنى، يجب
أن لا يدخل الأكراد 2007 كما خرجوا من
2006، خاصة، بوضعهم التعويل على
الأمريكيين جانباً، والإذعان لحقيقة، أن
ما يعادي حقوق 20 مليون كردي في تركيا، لن
تهموه حقوق 5 مليون كردي في العراق. وحتى
لو كانت هنالك صفقة أمريكية _ شيعية _
سنية، بدأت بإعدام صدام، لتدفن معه كافة
الملفات السرية التي تكشف طبيعة التورط
الأمريكي في جرائم النظام السابق، وخاصة،
ما قام بها ضد الأكراد، يجب أن يقايض
الساسة الكرد على مصير البقية من أقطاب
النظام السابق مع الحكومة العراقية
والامريكيين، والعفو عنهم، مقابل تعهدات
خطيَّة رسمية أمريكية بعدم المساس
بالمكتسبات الكردية، وعدم الاكتفاء
بالتطمينات الشوفية، كاتصال هاتفي من جورج
بوش مع الطالباني أو البارزاني. بالإضافة
إلى تفعيل المادة 140 من الدستور العراقي،
ثمناً للعفو الكردي على أقطاب النظام
السابق. وإلا، سيضيع الأكراد هذه الفرصة،
كما اعتادوا على إضاعة الفرص التاريخية
التي أتيحت لهم.
|