|
|
|
|
|
 |
|
هوشنك أوسي
|
|
كردستان العراق ليست قبرص
الحسابات التركية الخاطئة.
هوشنك أوسي
في نهاية الخمسينات، وإثر زيارة لأحد
القادة الكرد البارزين لمصر، واللقاء
بعبدالناصر، تمت الموافقة على منح الأكراد
فترة بث في الإذاعة المصرية باللغةالكردية
لمدة ساعة يومياً، ما أثار غضب ورفض
السفير التركي في مصر آنئذ، بحجة: "إن ذلك
يشكل خطر على الأمن القومي التركي". منذ
ذلك الحين، وحتى الآن، لازالت تركيا ترفض
أن يقوم للأكراد قائمة، حتى ولو كان ذلك
في استراليا. وبالنظر إلى التاريخ التركي،
في الحقبة العثمانية وحتى الآن، نجد بأنهم
أطاحوا بالسلطنة الصفوية، وحكموا العرب
لـ400 سنة، ووصلت جحافلهم لحدود فينَّا،
وانتصروا على البلغار واليونان، وسلبوا
لواء اسكندرون، واحتلوا شمال قبرص، ولم
يستطع أحد كسر شوكتهم، والوقوف في وجههم
لشهور، إلا الأكراد. فمنذ أن أعلن حزب
العمال الكردستاني الكفاح المسلح ضدَّ
تركيا في 15/8/1984 وحتى الآن، لم تستطع
تركيا طي وحسم الملف الكردي فيها، بالحديد
والنار، رغم الترسانة العسكرية الضخمة
التي تمتلكها، والدعم العسكري والتغطية
السياسية اللامحدودة التي كان يؤمنها حلف
الناتو لها، وخاصة الولايات المتحدة، ورغم
اعتقال عبدالله أوجلان، واختطافه من
نيروبي في 15/2/1999، بمساعدة أمريكية
وإسرائيلية. وبذا، يظهر أن "العُقدة
الكردية" كانت ومازالت تلاحق تركيا، ما
يفسِّر تصاعد النبرة القومية والعنصرية في
الإعلام التركي مؤخراً، حيال وجوب التعاطي
بشكل حازم وصارم مع المكتسبات الكردية
الناشئة، على خلفية الحرب الأمريكية على
العراق، وانهيار النظام العراقي السابق.
وكأن الإعلام التركي المقرَّب من مراكز
القوى التقليدية في تركيا، بات محكوماً
بـ"الكردفوبيا"، لذا، فأنه يهوِّل من حجم
المخاطر الآتية من كردستان العراق لتركيا،
خاصة، إن تمَّ تفعيل المادة 140 من
الدستور العراقي، والقاضية بتطبيع الأوضاع
في كركوك، وإلحاقها بكردستان العراق.
كل المؤشرات الآتية من تركيا، تفضي بأنها
قد عقدت العزم على اجتياح كردستان العراق،
حتى لو لم يأتها الضوء الأخضر من واشنطن.
فالنبرة التصعيدية في الخطاب السياسي
والعسكري والإعلامي، تشير إن الخطاب
الحالي في تركيا هو "خطاب حرب". فالمؤتمر
الذي رعته تركيا بخصوص مسألة كركوك،
للتيارات التركمانية والعربية الرافضة
للمادة 140، والجلسة السرية للبرلمان
التركي لمناقشة نفس الموضوع، بالإضافة إلى
مناقشة مخاطر العمال الكردستاني، واتخاذ
القرارات والتوصيات اللازمة، وزيارة كل من
وزير الدفاع التركي وجدي غونول إلى
واشنطن، ووزير الخارجية التركي عبدالله
غول، ولقائه برايس، وزيارة قائد الأركان
العامة الجنرال ياشار بيوكأنيت إلى واشنطن
في 4/2/2007، وقبلها زيارات أردوغان
المتكررة، كلها تأتي لوضع أمريكا امام
خطورة وجدِّيَّة المخاوف التركية الآتية
من كردستان العراق، وإقناعها بضرورة اتخاذ
إجراءات، تحدّ من الطموحات الكردية، وتزيل
خطر العمال الكردستاني، على اعتبار أن
الأمريكيين لم يتخذوا أية إجراءات بحق هذا
الحزب في العراق، ولا يسمحون لتركيا بفعل
ذلك. وعليه، تركيا سائرة نحو المنزلق
العراقي، استناداً على بعض الحسابات
الخاطئة لعسكر وساسة تركيا.
بعد فشل وإفلاس الحلول العسكرية لمعالجة
القضية الكردية في تركيا، وفق شهادة
العديد من الجنرالات ومدراء الأمن ورجال
الاستخبارات المتقاعدين، وبعض الساسة
الترك الذين كانوا أركاناً في الحكومات
السابقة كـ"محمد آغار" رئيس حزب الطريق
القويم، وبعد فشل السياسة الخارجية
التركية أوروبياً، لجهة سعيها نيل العضوية
في الاتحاد، والملف الكردي جزء مهم من
العرقلة، وبعد اقتسام "الكعكة العراقية"
بعيداً عن تركيا، ولم يصلها إلا الفتات،
وكنتيجة طبيعية للأزمات الداخلية، وتصاعد
الموجة القومية والعنصرية في تركيا، التي
أحد مؤشراتها، جريمة اغتيال الكاتب
الأرمني التركي "هيرات دينك"، والتهديدات
التي تطال مثقفين أكراد وأتراك كـ"أورهان
باموك"، بعد كل هذا، فمراكز القوى
التقليدية في تركيا بحاجة لـ"انتصار
وهمي"، خارجي، لإقناع الشارع التركي بأن
مشاكل تركيا، ذات منشأ خارجي.
زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري
"دنيز بايكال" يطالب الحكومة بالإسراع في
اجتياح العراق، وهدِّ البيت الكردي على
رؤوس ساكنيه قائلاً :"يجب أن نفعل مع
العراق كما فعلنا مع سوريا سنة 1998.
فلولا التهديدات بالحرب على سوريا, لما
تمكنا من اعتقال أوجلان". والتصريحات
الصادرة عن أقطاب حزب العدالة والتنمية
الحاكم في تركيا التي تأخذ نفس المنحى,
مردُّها السباق المحموم بين السلطة
والمعارضة, وفق العزف على الوتر القومي,
بغية استقطاب أو كسب ود مراكز القوة
التقليدية في المؤسسة العسكرية التركية,
تمهيداً للانتخابات البرلمانية المقبلة في
تركيا. وعليه, قد يكون الوضع السياسي
المأزوم في تركيا دافعاً باتجاه مغامرة
عسكرية تركية في العراق, غير محسوبة
العواقب, كالغزو التركي لجزيرة قبرص سنة
1974, الذي مازلت تركيا تدفع ضريبته حتى
الآن.
معلومٌ إن الصمت الأمريكي على الغزو
التركي لقبرص وقتئذ كان نتيجة مناخات
الحرب الباردة, على اعتبار أن تركيا كانت
مخفراً أمريكاً في وجه"الدب الشيوعي".
وازدادت أهمية تركيا أمريكياً بعد سقوط
نظام الشاه في إيران, ووصول الملالي
للحكم. لكن الوضع الحالي في العراق لا
يشبه الوضع السوري سنة 1998, ولا وضع
كردستان العراق يشبه وضع قبرص آنذاك,
لجملة من الأسباب:
1. وجود الرادع العراقي و الأمريكي
والأوروبي الرافض لأي تدخل تركي في شؤون
العراق سياسياً وعسكرياً.
2. رفض الإدارة الأمريكية لأي ظرف خارجي
قد يؤثر سلباً على نجاح"الإستراتيجية
الأمريكية الجديدة" في العراق من شأنه خلط
الأوراق وتأزيم الوضع الأمني في العراق
أكثر مما هو عليه.
3. الحال الكردية داخل وخارج العراق, أكثر
ترتيباً وتنظيماً وتنسيقاً وتعبئةً من
السابق, على الأصعدة السياسية و العسكرية
والإعلامية, ما يخلق حالة ممانعة كردية
عصيّة على الاختراق الإقليمي وخاصة
التركي, بعكس ما كان موجوداً في السابق.
4. تعرض الاستثمارات التركية في العراق
للخطر والتي تقدر في كردستان العراق فقط
بأكثر من مليار دولار.
ورغم ما سبق, ينبغي للأكراد أن يحتاطوا
للاحتمالات الأكثر سوءاً وخاصة التنبه
لمخاطر التعويل المطلق على الأمريكيين
خاصة أن هؤلاء لهم تجارب في خذل الأكراد
وتركهم لمصيرهم. فلا يمكن اعتبار التراخي
الأمريكي في عدم الرضوخ للمطالب التركية
حيال كردستان العراق والعمال الكردستاني
على وجه التحديد, بأنهم قد صاروا حلفاء
للأكراد. فقد يكون العمال الكردستاني"كبش
فدى" لكسب الدعم التركي حول أية ضربة
أمريكية محتملة على إيران. في مطلق
الأحوال الانزلاق التركي نحو اجتياح
كردستان العراق سيأتي بنتائج سياسية
واقتصادية وخيمة , داخلياً وخارجياً, على
تركية و ستصب في مصلحة الأكراد, خاصة في
تركيا, وتكون مدخلاً لتدويل القضية
الكردية في تركيا, كما حدث للقضية الكردية
في العراق على خلفية حرب الخليج الثانية
سنة 1991, ونزوح مئات الألوف من أكراد
العراق إلى دول الجوار
|