|
|
كيف تصبح تركيا ضمانة لعراق قوي
و كردستان حليفة
حسين جمو
ينفرد حزب العدالة و التنمية في تركيا منذ
تسلّمه للحكم في 2002 عن معظم الحكومات
التركية السابقة باتباعه دبلوماسية منتظمة
تبحث لتركيا عن دورها المفقود في الشرق
الأوسط دون ظهورها طرفاً في النزاع ضد آخر.
وأكّد رئيس الوزراء التركي رجب طيب
أردوغان مؤخراً أنه لا يمكن لتركيا أبداً
أن تدير ظهرها للشرق الأوسط . وهذا
التصريح يأتي بالتزامن مع إعلان جورج بوش
استرتيجيته الجديدة في العراق و التي تعني
استمراراً للاستراتيجية السابقة , وهو ما
انتقدته أنقرة مراراً بسبب الخلاف حول دور
الأكراد في العراق الجديد و حزب العمّال
الكردستاني.
يقول "هاينتس كرامر" مؤلّف كتاب تركيا
المتغيّرة "أنّ أنقرة لا تستطيع وحدها
امتلاك فرصة مقنعة لرسم حدود تطورات
المنطقة ما لم تلحق الضرر ببعض مصالحها
القومية الخاصّة ". و هذا ما يفسّر لنا
ضعف الدور التركي في العراق و الشرق
الأوسط رغم نشاط الدبلوماسية التركية و
التي نجدها في جولات أردوغان بين دول
المنطقة .وبالرغم من أنّ استراتيجية بوش
في العراق أنهت الآمال التركية التي
عقدتها على تقرير بيكر – هاملتون , إلا أن
التقرير لم يشر إلى أي أهمية لدور تركيا
في العراق. ومن خلال مجريات الأحداث
الحالية التي تجري في العراق ومواقف كل
طرف من الأطراف الداخلية و الإقليمية نجد
أنّ كلاً من تركيا و أكراد العراق هما أحد
أكبر الخاسرين على المدى المستقبلي في حال
بقيت العلاقات بينهما في إطار ندّي قد
تتجاوز السياسة إلى المجتمع . و من أجل
ضمان دور رئيسي لها في العراق و لعب دور "دولة
مركز" في الشرق الأوسط , تحتاج تركيا إلى
انتهاج سياسة جديدة هي بمثابة انقلاب على
نهجها السابق تجاه الأكراد سواء في العراق
أو في تركيا كون القضيتين مترابطتين من
حيث التاريخ و الجغرافيا. و ضرورة هذا
النهج تفرضها عوامل عديدة , فالسياسة
التركية المتبّعة حول العراق تقتصر على
إعاقة ما يسميه الأتراك بالطموحات الكردية
نحو إعلان دولتهم المستقلة و ما يسميه
الأكراد بحقهم المشروع في تحديد شكل
ارتباطهم ببغداد , و مثل هذه السياسة
التركية – حتّى و إن نجحت – فإنها لا تسهم
في استقرار العراق بسبب قوّة التحدّي الذي
يبديه أكراد العراق في هذه الناحية و
تحالفهم مع حزب العمال الكردستاني في
تركيا أولاً , و كون التحدي الذي يواجه
العراق و المنطقة لا يكمن كما كانت تولّفه
تركيا و مؤسساتها الإعلاميّة بالخطر
الكردي بل في الاقتتال المذهبي بين السنّة
و الشيعة ثانياً . و تركيا لا تملك جواز
سفر شعبي للتدخل بين السنّة و الشيعة
بمعزل عن المساعدة الكردية , لأنّ أطرافاً
عربية إقليمية و تنظيم القاعدة يتنازعون
على قيادة العرب السنّة بينما تسيطر إيران
على الشيعة قيادة و شعباً , وبما أنّ
استقرار العراق و نجاحه في بناء دولة
مؤسسات قوية تتوقف على إنهاء الاقتتال بين
الطائفتين فإن الأجندة التركية لا تستطيع
الامتداد إلى أبعد من أربيل باستثناء
إطلاق التحذيرات حول خطورة الوضع في
العراق. و يعتبر أحمد داوود أوغلو مستشار
أردوغان من المنظّرين لدور تركي مركزي في
الشرق الأوسط عبر تصفير المشكلات مع دول
الجوار أولا , لكن دعواته هذه لا تؤخذ
رسمياً تجاه الأكراد أيضاً والذين و إن
كانت الحكومة التركية بعيدة عن الاعتراف
بالواقع الكردي المجاور لهم إلا أنّ تغلغل
الاستثمارات التركية في كردستان العراق
توحي إلى أنّ رجال الأعمال الأتراك لهم
رأي آخر في المسألة .و تحتاج هذه
الاستراتيجية الجديدة إلى تعاون كردي –
تركي مشترك , و علاقة الجوار الجغرافي و
التقارب التاريخي و التداخل الديمغرافي
المتبادل بالإضافة إلى فشل التدخلات
الخارجية المبنية على مصالح دولية تجعل
هذا الخيار حتمياً نهاية الأمر حتى و إن
كان هذا الطرح بعيداً لدى الطرفين الكردي
و التركي حالياً نتيجة الاعتقاد الخاطئ
بأنه لا بدّ أن تنتصر إرادة أحدهما على
الآخر واستبعاد خسارة الطرفين و بالتالي
حرمان الشرق الأوسط من قوّة جديدة مؤلّفة
من نقيضين سابقين بإمكانهما تقديم أطروحة
سياسية مضادّة للأطروحتين الغربية
والطائفية في المنطقة.
بدون تركيا سيخسر الأكراد بوابتهم الوحيدة
على العالم الخارجي , و ستخسر تركيا
بوّابتها الوحيدة إلى العراق و إلى
الارتقاء بتركيا إلى دولة تمتلك عقلية حل
لمشكلاتها الملحّة دون حساب الخسائر
المؤقّتة مثل الاعتراف بالأكراد في الداخل
و الخارج. وفي الوقت الذي لا ينظر الأكراد
إلى الفارسية و العربية كنموذج ثقافي
يحتذى تتمتع الثقافية التركية بجاذبية
ملفتة لدى الأكراد , و تاريخياً لعب
الأكراد الدور الحاسم في التنافس الصفوي
العثماني و حسمه لصالح الأخيرة , و في
الجانب الاقتصادي يمكن أن تشكل كردستان
العراق سوقاً واعدة للاستثمارات و
المنتجات التركية و التي يمكن أن تصبح جسر
عبور لهذه المنتجات إلى أسواق الخليج
العربي . و مثل هذا التوجّه يحتاج أولاً
إلى تشكيل لجنة تنسيق دائمة تعكف على
دراسة المشكلات العالقة مثل وضع مدينة
كركوك , و حقوق التركمان بالإضافة إلى
إنهاء القتال بين الجيش التركي و حزب
العمال الكردستاني . و ستكسب تركيا حليفاً
واعداً في المنطقة. بالمقابل على الأكراد
أخذ ما قاله عبد الله غول من أنّ "
الأمريكيين سيرحلون من المنطقة, أما نحن
فسنبقى " على محمل الجد و دون اعتباره
تهديداً . و هذا لايعني أنّ على الأكراد
فك ارتباطهم المبالغ بالولايات المتحدة
بقدرما يعني أنّ الولايات المتحدة لم تسقط
صدام حسين لإرضاء الأكراد فقط , كما أنّ
دولة مثل تركيا لا تقل أهمية عن الولايات
المتحدة في حال تقديم الأولى – أي تركيا –
نهجاً سياسياً لا تجعل الأكراد مهدّدين من
طرفها وبالتالي لجوئهم إلى جهات تعتبرهم
تركيا تهديداً لها .
|