|
|
الوجه الآخر لتركيا
حسين
جمو
بعيداً عن المشكلات السياسية الطارئة مع
الاتحاد الأوروبي مثل قبرص ,و التاريخية
مثل الملف الأرمني و ميراث الإمبراطورية
العثمانية المسلمة, يعاني المجتمع التركي
مشكلات عديدة من حيث مستوى الرفاهية
الاقتصادية إلى تفاوت مظاهر التنمية بين
غربها و جنوب شرقها و صولاً إلى مشكلة
المجتمع التقليدي.
و طبقاً لتقرير المفوضية الأوروبية الصادر
في تشرين الثاني الماضي, فإن 1,29% من
السكان في تركيا يعيشون تحت مستوى خط
الجوع , بينما يعيش 25,6 % تحت مستوى خط
الفقر و التي ترتفع إلى نسبة 40% في
المناطق الريفية البعيدة. و تعد منطقة
جنوب شرق تركيا ذات الغالبية الكردية
معقلاً للطرق الدينية و التي في غالبيتها
نقشبندية , و تطلق عليها النورسية نسبةً
إلى مؤسسها الشيخ سعيد النورسي الكردي, و
تقوم هذه الطرق على تأدية أتباعها للطاعة
العمياء لزعماء الطريقة , و لا تزال تتمتع
الطرق الدينية بنفوذ كبير على المجتمع
الكردي في تركيا,و لعبت دوراً رئيسياً في
إيصال رئيس الورزاء الحالي طيب أردوغان
إلى سدة الحكم و هي بذلك تحد من دور
المؤسسات المدنية من لعب دورها في المجتمع
. ولا يزال الإقطاع يتمتع بقوة كبيرة في
هذه المنطقة نتيجة الدعم الحكومي لها في
فترات سابقة و منح الكثير من زعمائها
العشائريين امتيازات إدارية مقابل التزام
هؤلاء بمحاربة حزب العمال الكردستاني و
تشكيلهم ما يسمى ب"فرق حماة القرى "
الشبيهة بالكتائب الحميدية في العهد
العثماني . و هذا الدعم ساهم في حماية كلٍ
من الإقطاع و العشيرة من الانهيار , وفي
نفس الوقت حرمتها من التمدن . و في الوقت
الذي بقي فيه الإقطاع مسيطراً على الانتاج
الزراعي المتركّز في جنوب شرق تركيا حيث
الغالبية الكردية , انتقل أفراد العشيرة
الفقراء للعيش في المدن الكبرى مثل
دياربكر التي تضاعف سكّانها ثلاث مرات
خلال عقد واحد , نتيجة إخلاء الجيش التركي
لآلاف القرى الجبلية المحيطة بالمدينة
الفقيرة أثناء اشتداد القتال بين الجيش
التركي و حزب العمال الكردستاني في منتصف
التسعينات, و اليوم نسبة البطالة في
المدينة تصل 70% , و هناك تقديرات تشير
إلى أن 28000 طفل يقضون حياتهم في الشوارع
, و700منهم يعيشون من نبش نفايات القمامة
حسب تحقيق أجرته صحيفة الغارديان في
حزيران الماضي. و بالنتيجة انتقلت العشيرة
للعيش في المدن نتيجة ظروف سياسية , وكان
لهذا الانتقال آثاره البالغة على مفهوم
المدينة و التمدن في منطقة مثقلة
بالتقاليد . و هي مشكلة تحتاج إلى جهود
أوروبية طويلة لمساعدة تركيا في سبيل
إيجاد حل سياسي للقضية الكردية و تحقيق
الاستقرار , و دعم مشاريع التنمية
الثقافية و الاقتصادية في المنطقة التي
تشهد تجدداً في القتال بين حزب العمال
الكردستاني و الجيش التركي رغم إعلان
الأول وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد
منذ تشرين الأول الماضي . و تواجه المرأة
نتيجة الظروف السياسية و الاجتماعية و
الاقتصادية من مشكلات كبيرة بدءاً من
ارتفاع نسبة الأمّية , إلى جرائم الشرف .
مدينة باطمان المجاورة لديار بكر, و ذات
ال250 ألف نسمة يمكن اعتبارها عاصمة
لجرائم الشرف,حيث شهدت خلال السنوات الخمس
الماضية انتحار 281 فتاة , معظمها تحمل
طابع جرائم الشرف. و سنوياً تقتل 70 امرأة
في هذه المناطق الكردية باسم جرائم الشرف
حسب الإحصاءات الرسمية, و تقوم منظمة (كا-
مر) المحلية بمنح بطاقات هوية جديدة
للفتيات اللواتي يقعن تحت تهديد هذه
الجرائم , و حتى إسكانهم في منطقة أخرى من
البلاد. لذا فإن تعبير أردوغان بأن"
إجراءات تحسين حقوق النساء هي أهم من
الدمقرطة " خلال انعقاد جلسات منظمة
المؤتمر الإسلامي في استانبول حول دور
المرأة في التنمية,تظهر مدى حجم هذه
المشكلات في بلدان العالم الإسلامي بما
فيها تركيا , و التي تأتي خطورتها من
قولبتها للدين في التقاليد الاجتماعية . و
اليوم تجهد الكثير من المنظمات المدنية
الكردية بما فيها الموالية لحزب العمال
الكردستاني بالتعاون مع المنظمات المدنية
الأخرى بالإضافة للحكومة التركية في
مكافحة هذه الظواهر الاجتماعية. و شدد
القضاء التركي عقوبة مرتكبي جرائم الشرف
بالسجن مدى الحياة . لكن , هل القوانين
أقوى من التقاليد في جنوب شرق تركيا حقاً
؟ . الروائية التركية الشابة Elif Şafak
لا ترى ذلك , و تعتبر أنّ حل المشكلة
تحتاج إلى ثورة ذهنية . و في الوقت الذي
يجهد فيه الأتراك و الأوروبيون في
المفاوضات المستمرّة حول انضمام تركيا ,
تستمر جرائم الشرف في جنوب شرق تركيا , و
يستعد مرتكبوها ليصبحوا مواطنين أوروبيين
. و يتعزز نفوذ زعماء العشائر الإقطاعيين
و الطرق الدينية عند اقتراب موعد كل
انتخابات, و تتنافس الأحزاب السياسية في
تركيا على مخاطبة ودهم و التقرب منهم .
إنّ عدم تطرق الاتحاد الأوروبي لهذه
المشكلات تعزز الاعتقاد لدينا بأنّ
الأوروبيين لا يرون - و ربما لا يريدون-
غير الجزءالغربي من تركيا . لذا على
الأوروبيين أن لا يتفاجؤوا إذا رأوا
مستقبلاً العشائر الكردية والتركية الكبرى
تقيم مع ثقافاتها و قوانينها الخاصة في
أحياء برلين و لندن . الاتحاد الأوروبي
يرتكب خطأً تاريخياً بحق مبادئه و شعوبه
إذا أغلق الباب في وجه تركيا بسبب المشكلة
القبرصية و تغاضى عن هذه المشكلات. إذا
انتقلت هذه التقاليد إلى أوروبا بانضمام
تركيا , ما الذي ستفعله قبرص للشعوب
الأوروبية ؟!
|